Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

زوربا الذي قال :إفرح اليوم وليس غدا.

1458
news room April 29,2021

 

قلّما نخرج من بين دفتي كتاب بتأملات جديدة ونقف على مشارف الحوارات الدائرة فيه بكثير من الاهتمام كما في  رواية "زوربا اليوناني" .  كيف لا وتلك العقلية التي  جبلتها الحياة وحررتها من قيودها لا تتوانى عن اجتراح ما يكاد يرفضه العقل أو ما يخالف المعتقد والتقاليد. إنه مفهوم الحرية بكل تفاصيله، الحرية المتفلتة من كل العقالات، القافزة فوق كل الموروثات والحواجز، التواقة لأن تقطف كل ثمرة فرح في هذه الحياة، والطارحة مليون سؤال وسؤال. هي دعوة للإنتصار للحب والفرح، والتغلب على بؤس الحياة والإنطواء.  

 يبدأ نيكوس كزانتزاكيس روايته بالكشف عن  أن زوربا شخصية حقيقية قابلها في أحد أسفاره ليصورها على أوراقه ويجعل منها بطل روايته الذي يلتقي مصادفة بكاتب يدعى باسيل كان قد قرر لتوه أن يخرج من بين كتبه وينطلق إلى الحياة ويعايش البسطاء بعد أن قال صديق له عند وداعه: "تخل عن كونك عث كتب ملوثا بالحبر طيلة الوقت" . كانت تلك الجملة  نقطة انعطاف في حياته فيقصد المنجم الذي ورثه عن جده في جزيرة كريت ليشهد الواقع عن قرب بعيدا عن الكتب .

باسيل شخص عقلاني متزن نوعا ما إلا أنه ضاق ذرعا بنفسه . وهو يشكّل بهذا المعنى  بيئة حاضنة لأفكار زوربا الستيني النحيل صاحب القامة الطويلة والعينين الجاحظتين واللامبالي وعاشق السانتوري ( آلة موسيقية من مئة وتر ). يصف نيكوس  بدقة علاقة زوربا بهذه الآلة ، فيقول إنه يخرجها من صرته كمن يداعب وجه امرأة.

 في كل سطر تتعثر بكلام مفاجيء أو بوجهة نظر لزوربا لم تعتدها، تنتقد كل ذلك التحرر اللعين الذي ينشده .أيعقل أن أحدهم يقطع إصبعه لأنها تعيقه عن عمله؟ قد تسمه بالغباء أو ربما بالعته. قد تقول إنه لا يفقه ما يفعل، لكنك سرعان ما تتراجع عن حكمك عليه خاصة حينما يتساءل أي حرية هذه التي نزهق في سبيلها الأرواح ونطلب من الرب أن يساعدنا في قتل البشر؟ فتوافق أفكاره تارة لأنها تهزمك وتارة أخرى لأنها تصدمك، وقد تفغر فاهك ما بين رافض ومذهول بين عبارة وحكمة على لسانه. فكلما تمردت ألفاظه خارج المعتاد قد تقول بينك وبين نفسك أي شخص لعين هو زوربا؟؟

أول مرة التقى زروبا باسيل في أحد المرافئ اليونانية توسله أن يعمل لديه وراح يناديه :"أيها الرئيس". بدا باسيل كأنه يستمتع بهذه الشخصية الغريبة الأطوار حيث تنشأ بينهما صداقة حميمة مفعمة بالكثير من التفاصيل والحوارات الوجودية والإنسانية. أول ولوجهما إلى الجزيرة يتعرفان إلى الأرملة الفرنسية هورتنيس حين يقيمان في فندق "ريتز" الذي تديره. يعجب بها زوربا ويقيم معها علاقة غرامية باعتبار أن كل ما يقدم عليه مباح فلا شيء يستحق أن ينتظر الغد طالما تستطيع أن تفعله اليوم.

يعمل زوربا بالمنجم ويجده بحاجة للتدعيم فيعقد صفقة مع الرهبان في سبيل الحصول على جذوع الأشجار و تمضي أحداث الرواية، فيسهب كزانتزاكيس في وصف الطبيعة ،ويأخذك الى عوالم ساحرة كما يراها باسيل الكاتب المرهف الإحساس الذي فكر لوهلة بالانعتاق من كتبه ورؤية العالم من منظور زوربا. يروي لنا كيف يمضيان الأيام باللهو والتعرف على جوانب الحياة في القرية، فزوربا يعمل طيلة النهار في المنجم ويشرف على العمال ويلقي المواعظ يمنة و يسرة وينبّه الرئيس لعدم إعطائه العمال المزيد من الاهتمام كي لا يفسدهم.

 في كل موقف يواجه زوربا وباسيل، يتفوّه الأول  بفلسفته الوجودية الخاصة التي نالت إعجاب الرئيس، ويبتكر رقصته الخاصة كطائر يحلّق فوق الغيم منتشياً فرحاً .

 يصف كزانتزاكي شخصيات القرية، فيتوقف عند شخصية المختار، ثم يسرد تفاصيل ذاك الشاب "ميميتو" الذي كان صلة الوصل  بين باسيل والأرملة الشابة التي تعارك شبان القرية للزواج منها. ذاع  صيت علاقتها بباسيل فأقدم أحد الشبان على الانتحار لتثور ثائرة أهل القرية ويعزمون على ذبح الأرملة فتُشكّل تلك الجريمة أكبر صدمة لزوربا وباسيل.

كلما توغلنا  في أحداث الرواية، تتبدى لنا تفاصيل إضافية من  شخصية زوربا، هو هائم في هذه الحياة لا يلوي على شيء، يريد أن يكتسب منها كل تفاصيل الفرح، لا يؤمن بالإنسان، وله تبريره في هذا، حيث يقول إنه لو آمن به  لآمن بالله والشيطان أيضا.

 تختصر شخصية  زوربا الكثير من تناقضات الإنسان، ويجتمع فيها كل التساؤلات البشرية. يبدو في الرواية كأنه الشخصية الوحيدة  بينما  الشخصيات الأخرى لا تعدو كونها ثانوية أو ديكورا لتظهير ما في داخله. هي شخصيات  يلتقيها الصديقان محض صدفة لتعكس أحداث متشعبة من هذه الحياة.

يفشل  زوربا في مهمة إدارة المنجم الموكلة إليه، فينهار كل ما حلم به دفعة واحدة ويقرر "الرئيس" على إثرها ترك كل شيء معلنا النهاية والفراق.  يسأله زوربا : " الى أين أنت ذاهبٌ؟  ألم تتخلص من كتبك بعد؟"...يجيبه باسيل : نعم  لكني سأفعل كما فعلت أنت بالكرز سأتناول الكثير من الورق حتى تتقيأه نفسي وأتحرر من الكتب وربما نلتقي مجددا فأنا الآن حر.هنا يتلفظ زوربا بمقولته المثيرة للجدل :" أنت لست حرا، لكن كل ما في الأمر أن الحبل المربوط حول رقبتك أطول قليلا من حبال الآخرين".

 يغادره بعد أن يرقصا على الشاطئ رقصة زوربا الأخيرة التي أصبحت ذائعة الصيت في اليونان. يواظب زوربا على مراسلته واطلاعه على اخباره إلا أن الحدث المفصلي والذي يشدنا أكثر الى شخصيته، يكمن في نهايته هو كإنسان استثنائي،  حيث ينهض من فراشه بمفرده ويضحك ضحكته الأخيرة ثم يقضي نحبه..

رواية تعتبر الأشهر لكاتبها نيكوس كزانتزاكي حيث امتد تأثيرها من عالم الأدب إلى عالم السينما والموسيقى والفلسفة.

 نيكوس كازانتزاكيس  ( Nicos Kazantzakis  ) كاتب وفيلسوف يوناني الجنسية ( 1882-1957) ، اشتهر   بروايته هذه  (زوربا اليوناني) لكن لديه مؤلفات عديدة أخرى أبرزها :
 

·     " منقذوا الآلهة "وهو من الكتب الصوفية

·     "الحرية أو الموت"

·     "الأخوة الأعداء"

·     "الإغواء الأخير للمسيح" الذي نُقل الى السينما وحقق شهرة واسعة.

·     "تقرير إلى غريكو"  

حين مُنحت جائزة نوبل للكاتب الفرنسي الشهير ألبير كامو، قال :“إن كازنتزاكيس يستحقها أكثر مني بمائة مرة”.

وعند وفاة (كازنتزاكيس) كتب على قبره العبارة التالية:

“لا أطمع في شيء، ولا أخاف شيئًا، أنا حر الآن”.

وفي العام   1988، كرّمته الحكومة اليونانية باصدار طابع بريدي يحمل صورته، وفي الذكرى الخمسين لوفاته قام مصرف اليونان الرسمي بإصدار عملة معدنية من فئة 10 يورو تحمل رسمًا له من جهة و توقيعه من جهة ثانية. 

                                                            

الكاتب

أشواق علي محمود   إجازة في التربية أستاذة تهتم بالكتابة والأدب                                   

الكاتب:أشواق علي محمود

  • للمشاركة