Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

زنبقة الوادي، بداية أيار أجمل

458
news room May 2,2021

 
أعيد نشر هذا المقال الذي كتبته في العام 2014 قبل سنوات من مصيبة كورونا .
------------------------------------------


سامي كليب
ها قد عاد الاول من أيار /مايو. لا داعي للاستيقاظ باكرا. انه عيد العمال . منذ الصباح الباكر تنتشر الطاولات الصغيرة في الشوارع والاحياء والأزقة الفرنسية.تنتشر فوقها باقات صغيرة من وردة بيضاء. اسم الوردة "زنبقة الوادي". يسمونها في فرنسا muguet .تعرف في بريطانيا ب lily of the valley. شكلها يشبه الجرس المقلوب ورائحتها ذكية.وحدها تدفع الشبان الفرنسيين للاستيقاظ باكرا. يهدونها للحبيبة او الزوجة او الخليلة او زميلة العمل. باتت زنبقة الوادي صنوا لهذا العيد. تزرع البهجة منذ الصباح الباكر فيما نسبة البطالة تكدر حياة اكثر من ٥ ملايين فرنسي. الرقم كبير لكن العاطل من العمل في فرنسا يعيش . الدولة تؤمن له مدخولا شهريا حتى يجد عملا. مع ذلك هناك فقراء.الجميع يحتفل . العامل ورب العمل والذي لا عمل له.

لا يسمح الفرنسيون لشي ء بان ان يكدّر احتفالاتهم . يعملون طيلة العام لكي يحتفلوا في الأعياد والإجازات. لا همّ عندهم لجمع مال ولا هموم طبابة وتعليم . الدولة تتكفل بذلك. مع ذلك هناك فقراء ومهمومون.طبع الباريسي ميال الى التأفف والنق. وحدها زنبقة الوادي تنعش صباحهفي هذه الأيام . تضيف الشمس كثيرا من البهجة الصباحية فيخرج الفرنسيون الى طاولات الزنبق. يلامسونها برفق. يشمون اريجها ويغمضون العيون.

أراقب الفرنسيين والأجانب المقيمين في باريس من نافذة بيتي. تبدو البائعة فرحة( في الصورة المرفقة) والزبائن سعداء. أفكّر لمن سأهُدي الزنبقة، فكثيرون حولي يستحقّونها. ليتني أستطيع شراء كل زنابق العربة وتوزيعها على كل من أحب من أصدقاء وزملاء وأناس عبروا في حياتي أو استقرّوا، كلٌّ منهم أضاف شيئا الى حياتي، ومن لم يضف أمرا ايجابيا، فقد ترك دروسا وعِبَر. القلبُ كالقطار، يصعد اليه كثيرون، وينزل كثيرون، ولا يبقى الا من يبادله صدق المشاعر.
اعتادت ذاكرتي على نسيان كل ما هو سلبي. ربما رحلاتي عبر العالم جعلت الحبّ يحتل كل القلب، فلا يترك مكانا للعتب أو الحقد. الحياة أقصر من أن نخصص جزءا منها للبغضاء، والقلب أصغر من أن يتسع لكل الحب، فلماذا نشغله ببعض الحقد العابر.


تتعدد الروايات حول أصل عادة اهداء زنبقة الوادي. يقال إن احد ملوك فرنسا تلقاها هدية كجسرٍ للأمل وحسن الطالع. أهداها لزوجته ثم عمّمها على نساء البلاط. انتشرت في ربوع فرنسا . كل ما كان يفعله الملك كان ينتشر ويعمم ويقدس وينفذ بحذافيره. حين كان الملك يغطس في البركة لأخذ حمام، كانت حاشيته تغطس معه معتبرة ان في الامر تضحية. ههه. كان بعض الملوك كالديكتاتوريات في العالم الثالث او أسوأ . كل ما يقوله الملك ملزم. من لا يلتزم فالمقصلة جاهزة. ذهب عصر الملوك في فرنسا، وما زالت الدكتاتوريات في بلادنا منتعشة.


ما لنا ومال المقصلة والدكتاتوريات في هذا الصباح الجميل ؟ فكّر يا رجل بكل هذا الجمال المتسلل من الخارج الى القلب عبر نافذتي المطلة على بائعة الورد ونهر السين. لنعد الى زنبقة الوادي . يقال أيضاً ان هذه الوردة الجميلة جاءت من اليابان الى اوروبا في القرون الوسطى. كانت عربونا للفرح والحب . يقال كذلك انها وزعت بكثافة في الاول من أيار حين تضامنت النقابات العمالية الفرنسية مع ثورة العمال في شيكاغو عام ١٨٨٦.


يقال الكثير . تمر العقود وتتغير الأنظمة وتتعدد التظاهرات لكن زنبقة الوادي تبقى هنا . تبقى عنوانا للراحة والفرح والحب . ترافق كل الأحداث والتطورات والتقلبات . تنزل كأميرة كل صباح ١ أيار /مايو على شوارع وإحياء وازقة الفرنسيين فتستقر في القلوب، تبدو كعروس بيضاء في ليلة زفافها، تتربّع على عرش عربات الباعة، فتُفرحهم وتُفرح من يشتريها ومن يتلقّاها هدية.
 
زنبقة الوادي سيدة صباحي هذا الصباح. سأنزل بعد قليل وأشتري بعضها. قد أهدي كل ما أشتري، أو نصفه، لا بأس، ساضع الباقي في مزهرية البيت، أو على حافة نافذتي. هذه الأمور الصغيرة هي التي نخترع عبرها فرح النهار، لماذا البحث عن المستحيل، ففي زهرة بخسة الثمن، أنيقة المظهر، يبدأ النهار أجمل.
لا داعي لمعرفة أصلها وفصلها، ما قتلنا في هذه الدنيا الا البحث عن الاصل والفصل، فنغرق في التاريخ وونسى فرح الحاضر.
في عيد العمال وألحب والمحبة. يستمر الجدل حول اصلها وحول من قرر ان يكون ١ أيار /مايو يوما للبطالة. ثمة من يؤكد ان حكومة فيشي التي تعاملت مع الاحتلال النازي هي ألتي أقرته عيدا رسميا. لا داعي لنكء التاريخ الأسود. بياض الزنبقة يجبّ كل ما قبله.


ليتني أستطيع أن أهدي زنابق هذا الصباح ، لكل أم أو حبيبة أو شقيقة عربية فقدت عزيزا في حروبنا المجّانية التي لا تنتهي، بينما العالم، يتفنن باختراع أسباب الفرح، حتى عبر وردة صغيرة أسمها زنبقة الوادي.

الكاتب

سامي كليب

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة