Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

زمن الفن الجميل و" هذه ليلتي"

1290
news room January 7,2021

روزيت الفار 

أهو"الفن" أم  "الزمن" الذي كان جميلاً بحقبة عشرينات/ثلاثينات القرن الماضي وحتى ثمانيناته؟ لم يختلف الكثيرون على تحديد ذلك؛ كون الفن بأشكاله، يأتي انعكاساً لثقافة الشعوب وتعبيراً عن أذواقها وأفكارها وأحاسيسها بفترة زمنيّة محددّة  فهو ركيزة حضارة الشعوب وعنوان التميز في الحقبات المختلفة . والفن الجميل له أيضاً دور مهمٌّ في جعل الزمن جميلاً وبالتالي التأثير بينهما مشترك ومباشر وأكيد. لا يقاس الزمن الجميل بالترف المادي، فمعظم مشاهير عصر "الفن الذهبي" -كما يسمّيه البعض- كانوا من الطبقة الغير ميسورة وأتوا من بيئات متواضعة لكنّهم أدركوا النجوميّة بجهدهم ومثابرتهم دون تدخّلٍ لإعلام مدفوع أو تكنولوجيا التي تهذّب جعجعة صوتهم وتحذف نشازها أو عمليات تجميل تنحت أجسامهم و تصلح عيوب وجوههم. أو تقنيّات اضاءة تبهج حضورهم.

أهم ما تميّزت به تلك الفترة هي الأناقة. أناقة اللباس والمظهر وأناقة البيوت والأثاث وأناقة المسارح ودور السينما -الأمور التي لا نزال نلمسها بكل تفاصيلها عند مشاهدة أفلام الماضي الجميل وبرامجه الوثائقيّة بالرغم من شُحِّ الدخول وعدم بحبوحة العيش، فالأناقة "ثقافة" لا تأثير للدخل فيها. وكذلك انصبَّ الاهتمام على نوع وجودة الكلمة المُغنّاة ورقيّ معناها سواء كانت باللّغة الفصحى أم المحكيّة أو في الأغنيّة الطويلة أم المتوسّطة.

بقيت مصر مختلفة عن الكثير من دول المنطقة من حيث الحضور الأدبي والثقافي والفني المتجذّر في بلاد النيل والأهرامات وبشكل خاص بالشعر المُغنّى والموسيقى والتلحين والطرب. تميّز الكثير من الفنانين بهذا النوع من الفن آنذاك؛ لكن "موسيقار الأجيال "محمد عبد الوهّاب" وسيدة الغناء العربي "أُم كلثوم" كانا من أبرز الوجوه وأشهرها على الإطلاق.

هناك أكثر من رواية حول أغنية "هذه ليلتي" وما إذا كانت السيدة أم كلثوم قد التقت شخصيّا بالشاعر والمؤلّف اللبناني المعروف "جورج جرداق" وإن كانت قد طلبت منه نصّاً شعريّاً من كلماته لكي تغنّيه، فقيل أن ما كان منه حينها إلاّ أن يجيبها بِ: "هذه ليلتي وحلم حياتي أن أكتب كلمات من شِعري لك سيدتي". أم  أن ذلك كان بتنسيق من الموسيقار عبد الوهّاب مع الشاعر اللبناني الذي احبّه حينما كان جرداق يردد أبيات القصيدة أمامه فاختارها وأعلم بها السيدة ام كلثوم واتّفقا على تلحينها وغنائها. المهمّ بالأمر، أن هذه الأغنيّة الرائعة كانت توليفة من أولئك العمالقة الثلاثة ونتاجاً لشعر الأرز المُلقّح بلحن النيل ووليد صوت يصدح عذوبة لسيدة الغناء، مشنّفا آذان كل من سمعه وعصف له بالتصفيق.

تقول القصيدة في بعض أبياتها:

الهوى  أنت كلُّه والأماني

فاملأ الكأس بالغرام وهاتِ

بعد حين يبدّل الحبُّ دارا

والعصافير تهجر الأوكار.

اعترف الشاعر بعدم دوام حال المحبّين الجميل فما عليهم سوى الاستفادة من الحاضر والتمتّع به.

وحديث يذوب في شفتينا

قد أطالَ الوقوفَ حين دعاني

لِيلُمَّ الأشواقَ عن أجفاني

فادنُ منّي وخذ إليكَ حناني

ثمَّ أغمض عينيك حتى تراني

وليكن ليلُنا طويلاً

فكثير اللقاء كان قليلا.

فتعال أُحبك الآن أكثر.

 

نعم فساعات اللقاء لدى المحبّين -مهما طالت- قصيرة، ولا يحتاج الحب عيونا كي تراه بل قلبا يحسُّ به.

 

الهوى أنت كله والأماني

ملءُ قلبي شوقٌ وملءُ كياني

هذه ليلتي فقف يا زماني.

 

تتمنّى العاشقة هنا -ككل العاشقين- أن يتوقّف الزمن بها كي يطول لقاؤها بالحبيب ويبقى.

 

لا يمكن لجميع مفردات اللغة شرح القصيدة بكلمات، بل يكفي أن تكون عاشقاً كي تدرك معنى كل كلمة وردت بها.

بهذا العمل العظيم، أقامت أم كلثوم الملايين من البشر، وبقي التصفيق بعدها مدوياً وما زال.

الكاتب

روزيت الفار عمّان-الأردن

الكاتب:روزيت الفار

  • للمشاركة