Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

وزير الدفاع الاميركي السابق على شفير الهاوية

219
news room January 2,2021

أيمن المرابط-الرباط

"تضطلع مجموعة سرية صغيرة تعمل فى القسم السرى لمنشأة تجارية لتوليد الطاقة عبر الطرد المركزي بتخصيب 30 كيلوغرام من اليورانيوم إلى مستوى كاف لصنع قنبلة نووية. تنقل هذه المجموعة هذا اليورانيوم إلى منشأة سرية مجاورة وعلى مدى الشهرين التاليين يستخدم الفريق الفني الموجود هناك هذا اليورنيوم المخصب لتجميع قنبلة نووية بدائية، ثم يضعها فى قفص للشحن يحمل اسم " معدات زراعية " وينقل هذا القفص إلى مطار قريب تتولى طائرة نقل تحمل اسم شركة طيران مدنية إصال القفص إلى مطار دولى ومركز شحن، يحمل القفص على متن طائرة شحن متجهة إلى واشنطن العاصمة.

 تهبط الطائرة فى مطار دوليز الدولي بمدينة واشنطن ثم يوصل القفص إلى مستودع فى الجزء الجنوبي الشرقي من العاصمة، تزل القنبلة من القفص وتحمل فى شاحنة توصيل، يقود مفجر انتحاري الشاحنة إلى مكان ما فى شارع " بنسلفانيا " يقع فى منتصف بين الكابيتول والبيت الابيض وعند تمام الساعة الحادية عشر صباحا يطلق الانتحاري صاعق التفجير. هناك 80 ألف حالة وفاة فورية أما المصابون بجروح خطيرة فقد يتجاوز عددهم 100 ألف مصاب."

 كان هذا هو الكابوس المؤرق لوليام بيرى وزير الدفاع الامريكي الأسبق والذى افتتح به كتابه "رحلتي على شفا الهاوية النووية"، وإن كان البعض يرى أن هذا هو الكابوس الاكثر تشاؤما لهجوم إرهابي فى الولايات المتحدة، ورغم ان صعوبة حصول تلك الجماعات المتطرفة مثل القاعدة وداعش على قنابل نووية تستخدمها فى مثل هكذا هجمات، إلا أن بيرى كان يرى ذلك رغم كل تلك الصعوبات ورغم كل الاحتياطات الامنية التى تنتهجها الولايات المتحدة تحت ظرف ما او فى وقت ما ممكنا.

الكتاب  الممتد  على خمس[S1] ة وعشرين فصلاً والصادر في نسخته المترجمة عن مجلة عالم المعرفة عدد يناير 2019، يحكي سيرة المؤلف مذكرات انتقائية عن رحلة حياته في العصر النووي وكذا دوره في محاولة تشكيل هذا العصر واحتوائه، فهي رحلة سنوات حاول تقسيمها بتقسيم الأحداث والمشاريع كفصل الإخفاق في العراق أو فصل مشروع الأمن النووي وغير ذلك.

استهل بيري كتابه بالحديث عن الحدث البارز في تاريخ الحقبة النووية ألا وهو أزمة الصواريخ الكوبية، أو كما أطلق عليه " كابوس نووي" ابتدأت أحداثه سنة 1962 مع خطاب جون كينيدي للرد على هجوم الاتحاد السوفياتي والتسابق نحو التسلح، فهذه الأزمة كانت بالنسبة لبيري بمثابة الدعوة التي ستؤدي إلى العمل التعاوني الدولي للحد من الأسلحة النووية وإنهاء الخلاف قبل وقوع كارثة نووية.

شكل الاتحاد السوفيتي تهديداً للأمريكين، حيث الولايات المتحدة  لم تكن مستعدة لمجابهة السوفييت لكونها جاهلة بالصواريخ، فكان لا بد لها من ولوج عالم النووي والصواريخ ولابد من معرفة حجم قوة الأسلحة النووية التي يمتلكها السوفييت، مداها، ودقتها وتأثيرها، فهو يذكر في إحدى الفقرات أن بعض الصواريخ قادرة على تدمير مدن أمريكية بأكملها. بدأت رحلته في شركة سيلفانيا عام 1954 يشغل منصب رئيس العلماء للدفاع الإلكتروني وصولا إلى تأسيس شركة خاصة أسماها إي إس إل، يفصل في طريقة الحصول على المعلومات بواسطة طائرات الاستطلاع U-2 التي كانت تلتقط صوراً عالية الدقة لمنشآت تابعة لبرنامج الصواريخ السوفييتية. ولاحقاً تم استخدام نظام التصوير بالأقمار الاصطناعية، إلى أن تم التوصل كما يشير بيري إلى نتيجة مفادها أن البرنامج السوفييتي للصواريخ البالستية عابرة القارات غير مثير للقلق، وأن عدد صواريخه المنتشرة بالفعل كان قليلاً.

كما خصص جزءا متفرقاً من كتابه تحدث فيه عن مناصبه وأشغاله وإنجازاته، فمثلا في الفصل الخامس تناول الحديث عن استدعائه إلى الوظيفة الحكومية في إدارة الرئيس جيمي كارتر بوصفه نائبا ووكيلا لوزير الدفاع هارولد براون في البحوث المقدمة للوزارة والهندسة سنة 1977، فانتقل من مدينة كاليفورنيا إلى واشنطن، فكان لهذه الوظيفة أهمية بالغة لدى بيري والتي ستمكنه من الاستفادة من المجال الديبلوماسي الدولي.

ينتقل الكاتب للحديث عن أولوياته بصفته وكيلاً لوزارة الدفاع، والتي كان على رأسها وضع "استراتيجية التعويض" ثم تنفيذها، للتعويض عن تفوق السوفييت في حجم القوات التقليدية، وبالتالي إعادة تثبيت التوازن العسكري العام ودعم الردع، مستعرضاً الأسلحة التي تمكنت الولايات المتحدة الأميركية من تطويرها وإنجازها، وعلى رأسها طائرة "أف 117" F-117 والمعروفة بـ"القاذفة الشبح"، والتي كانت حرب "عاصفة الصحراء" مسرحاً لاختبارها وفقاً للكاتب.

يعد برنامج نان – لوغار ضمن سياق الجهود التي كان يبذلها بيري لإبقاء العالم في مأمن من الكارثة النووية، "نان لوغار” هو برنامج لتفكيك الأسلحة النووية التي خلفها الاتحاد السوفييتي من جهة والأسلحة التي تجهزها بعض القوى الصاعدة كـكوريا الجنوبية، ابتدأ فريق بيري بأول منطقة وهي pervomaysk الأوكرانية التي تضم حوالي ثمانين صاروخا باليستيا عابر للقارات فهذه المنطقة أحد أضخم المواقع الصاروخية وأخطرها، ولا يترأس هذا الفريق لتفكيك الأسلحة النووية بيري وإنما آشتون كارتر، لكن يبقى برنامجا من أهم المشاريع التي اهتم بها الكاتب في رحلته النووية والتي يتحدث عنها في ثنايا هذا الكتاب، لكونها بمنزلة معجزة وسط التاريخ الحافل بالصواريخ والكوارث والتهديد التاريخي والرهانات التاريخية، لكن هذا البرنامج أقر التعاون الدولي من أجل المصلحة العامة وكذا يبرز كإحدى المبادرات الأكثر استنارة في الكونغرس الأمريكي، وهو بالنسبة لبيري حقق نتائج مرموقة وهامة لتحصين الأمن الأمريكي وأمن الحضارة في نفس الوقت لأنه يتسم بالابتكار والإلهام وبعد النظر، يقول في هذا الصدد "إن وقود القنابل التي كانت موجهة في السابق نحو أهداف في أميركا، أصبح الآن يوفر الكهرباء للمنازل والمصانع الأميركية".

يتحدث الكاتب كذلك، عن عدد من الأزمات التي حصلت أثناء توليه منصبه أو بعد تركه، ومنها الأزمة في هاييتي والتي عرفت بـ"الغزو النظيف"، والأزمة بين الهند وباكستان، والأزمة بين الصين وتايوان، مشيراً إلى اتباع استراتيجية تقوم على الاستفادة من التفاعل الاقتصادي المزدهر والمتنامي بين الأخيرتين، وتشجيع الأعمال التجارية، الأمر الذي قلل من إمكانية حدوث صراع عسكري.

يختم وليام بيري كتابه مستعرضاً الخطوات التي أنجزت للحد من انتشار الأسلحة النووية والإحباطات التي تعرض لها مع فريقه ومن آمن بمشروعه، مؤكداً بالرغم من التدهور الخطير، أن مشروع الأمن النووي سيواصل عمله. وعلى الرغم من أن المناخ الدولي الحالي لا يساعد على الانتقال إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية، يؤكد أنه لن يتخلى عن تلك الرؤية، التي تحتاج خطوات تدريجية، كل منها كفيلة بجعلنا أكثر أماناً.

هي إذن، مذكرات رجل جمع بين الخبرة العسكرية والحنكة الدبلوماسية والدهاء السياسي، صال وجال بين الحروب النووية لأجل عدم حدوثها ولحماية البشرية من الدمار الشامل، ذلك الذي حدث باليابان قبل سبعين عاما، وكاد أن يحدث في أكثر من منطقة بالعالم، واليوم لا تزال شعوب العالم تعيش تحت هذا التهديد القاتل، بسبب نزاعات وصراعات سياسية قد يتهور فيها أحد أطرافها، وبالتالي فإن الحد من انتشار الأسلحة النووية هو السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية من أسوء الكوارث والذي لن تتحقق إلا إذا تكاتفت البشرية بدافع إنساني لتقديم التضحيات والوفاء بالالتزامات والارتقاء بالمبادئ والمثل العليا، لأجل مستقبل أفضل وواعد للأجيال القادمة.


 [S1]

الكاتب

أيمن المرابط اعلامي وباحث جامعي المملكة المغربي

الكاتب:أيمن المرابط

  • للمشاركة