Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

طريق المغرب نحو التنمية: اصلاحاتٌ لا بد منها.

1727
news room January 11,2020

لا حديث في المغرب خلال هذه الأيام سوى عن "النموذج التنموي الجديد"، ما الذي سيكونه ذاك النموذج الذي تعكف على التحضير له لجنة شكيب بنموسى، سفير البلاد في فرنسا؟، هل سيذهب بالمغرب نحو آفاق اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي، المجالين الأكثر خلقا للثروة في العالم المعاصر؟، أم سيبقي على نسق التنمية في سياق تثبيت أسس المجتمع الزراعي تارة، والنزوع نحو تكريس مكاسب البلاد من حيث الاستثمار في البنى التحتية العملاقة.

أيا يكن مضمون النموذج إياه، ثمة أمران إلزاميان متصلان ببعضهما، لا سبيل إلى إنجاح أي نموذج تنموي دونهما، إصلاح الإدارة، وإصلاح سوق الشغل وقوانينه. فالإدارة في المغرب بشكلها الحالي تعوق التنمية أكثر مما تخدمها، ذلك أن معظم مصالحها تهيمن عليها الأهواء والأمزجة، والترهل واللاعقلانية، ولنا أن نتأمل كيف تقع مبادرات ومشاريع تنموية ضخمة تحت طائلة الإهمال والتماطل الإداري، وتنتهي بتقاذف المسؤوليات بين الموظفين كبارهم وصغارهم، فضلا عما يعانيه المواطنون يوميا مع هذه الإدارة نتيجة تأخر مصالحهم أو ضياعها لأن هذا الموظف أو ذاك لا يجد ما يُلزمه باحترام آجال معينة.

صحيح أنه يصعب تنظيم الإدارة بنص قانوني واحد، لكن لاشك أن ثمة من الإجراءات التي يمكن ابتكارها والتي من شأنها أن ترفع من منسوب الإبداع في الإدارة ومنسوب مرونتها، وتوسيع هامش مسؤولية الموظف العمومي حيال العمل الإداري وفي العلاقة مع المواطنين. هنا تثور الحاجة إلى مدونة لضبط السلوك الإداري في كل المصالح الإدارية الوطنية، بدءا بالتسقيف الصارم للمدة التي ينبغي أن تمكثها أي وثيقة داخل أي مكتب للتوقيع عليها، بقدر ما يُضيِّع هذا السلوك الإداري السلبي مصالح المواطنين الذين قد يكونون مستثمرين أو ذوي حقوق مواطناتية اعتيادية.

رهانات كثيرة تضيع بسبب تسيُّب الإدارة، وإلزام المرتفق بأكثر مما يُلزم به الموظف العمومي، تتراكم الملفات داخل أروقة المكاتب، وتصرف أموال طائلة على ميزانيات التجهيز والتكوين المستمر والمجاملات الفارغة، دون محاسبة أي كان على أي مخرجات ملموسة في السلوك الإداري وجودته، حيث سوء التوزيع الوظيفي، وحيث التقديس الصارم مايزال ممنوحا للإجراءات المعتادة المألوفة على حساب النتائج الناجعة المرجوة، وطبعا حينئذ لا حاجة إلى المرونة والعقلانية وربط العمل الإداري بالنتيجة، فأيُّ انعكاسات خطيرة هي على واقع التنمية المذكورة وآفاقها، والمشاريع كبيرها وصغيرها تصطدم بالجمود والتخلف القاتلين الجاثمين على صدر الإدارة.

إصلاح سوق الشغل وإعادة النظر في شروط وظروف التعاقد هي الورش التي  ينبغي الإسراع في الاشتغال عليها، وهي على صلة بالورش الأولى من بوابة مفهومنا لشكل ومضمون التعاقد في القطاعين العام والخاص، فالإجراء الحكومي المعتمَد خلال السنوات الأخيرة، والقاضي بإحلال التعاقد محل شكل التوظيف التقليدي في قطاع التعليم، وبالرغم من الاعتراض الذي لقيه تطبيقه وما يزال، إلا أنه يوسع من هامش الرقابة الحكومية على أداء الموظفين العموميين، حيث وضع أداءهم تحت طائلتي المكافأة أو الفصل، وهو ما ينبغي تعميمه في كل القطاعات الوزارية، لجعل الإدارة أكثر فعالية ونجاعة وقابلية للمحاسبة، والقطع تماما مع ذهنية "الريع" و"الغنيمة" المستشرية داخل الجسد الوظيفي منذ السنوات الأولى للاستقلال.

غير أن هذا لا يكفي لتحقيق انطلاقة حقيقية في تطوير التشغيل في الوظائف العمومية، بالاعتماد على التعاقد كما هو معمول به في القطاع الخاص، ذلك أن الأوْلى هو تحسين شروط التعاقد في القطاع الخاص نفسه، فلا يُعقل أننا سنخطو خطواتنا في أي نموذج تنموي كيفما كان، دونما تحقيق التوازن بين المشغِّلين والأجراء في القطاع الخاص. من غير المقبول ترك العمال/الموظفين تحت رحمة مشغِّليهم، ليواجهوا مختلف أصناف "السُخرة" أو التعرض للطرد انطلاقا من مزاج المشغِّل، لابد إذن من تحقيق الأمن الاجتماعي للخزان البشري الذي هو وحده القادر على أن يكون قطب رحى لأي تنمية ومحركها. فهذا الأمن إن وجد في ظروف عمله  يدفع حتما إلى الإبداع سواء أكان في القطاع الخاص من بوابة الاستثمار، أو في القطاع العام في حقول وقطاعات الإدارة.

الكاتب

الكاتب د. عبد الفتّاح نعوم-الرباط

الكاتب:

  • للمشاركة