Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

ترامب بين التواصل الإجتماعي الممنوع و" وإقتصاد الإنتباه"

257
news room May 7,2021

هادي جان بو شعيا

"من مكتب دونالد ترامب" هي الواحة الرقمية للرئيس الأميركي دونالد ترامب في زمن الصمت والأكاذيب كما يزعم. ترامب الذي وعد أنصاره قبل رحيله عن البيت الأبيض بأنه لن يغيب عن المشهد السياسي. هاهو يعود إليه عبر ما يصفها بمنصته الرقمية الخاصة البعيدة من قيود منصات التواصل الإجتماعي التي حظرته في غالبيتها.

لعلّ كل ما يجب على المتابع فعله هو أن يضع قلبًا أحمر للإعجاب (المعطّل حاليًا) أو يُعيد نشرها على منصة "فيسبوك" أو "تويتر"، وإن كان المتابع أكثر إعجابًا بشخص ترامب فيمكنه حينئذٍ الدخول إلى متجره الافتراضي الذي يعرض في خلاله قبّعاتٍ وقُمصانًا وأكواب قهوة وملصقات تحمل صوره أو شعاراته. كذلك يمكن، عبر الموقع، التبرّع لترامب أو "حماية أميركا وإبقائها أوّلاً" كما يُروّج لحملة التبرعات هذه على الموقع.

ولكن هل هي منصة رقمية ستغيّر قواعد اللعبة كما روّج لها ترامب فعلاً؟

الموقع ليس أكثر من مدوّنة شخصية يمكّن ترامب من نشر ما يريده دون أن تكون هناك إمكانية للتعليق من قبل المتابعين أو حتى معرفة مدى التفاعل على تلك المنشورات.

من الناحية التقنية، تعرّض الموقع لموجة سخرية عارمة لجهة بساطة تصميم الموقع، معتبرين أنه كان سيغيّر قواعد اللعبة قبل العام 2008 أي مع بدايات ظهور مواقع ومنصات التواصل الإجتماعي. إلا أن الأهم من ذلك كلّه أن ترامب، في منصته تلك، يعتمد بالدرجة الأولى على إعادة نشر متابعيه لذلك المحتوى على تويتر وفيسبوك.

فهل يريد ترامب فعلاً الدخول من الباب الخلفي لكل من فيسبوك وتويتر بعد أن أغلقا أبوابهما الرئيسية في وجهه؟ وهل في ذلك عودة "ملتوية"؟

المنصة الرقمية هذه لا ترتقي لمفهوم ووصف المنصة الاجتماعية التقليدية، حيث يغيب عنها عامل التفاعل وهو العنصر الأبرز والأساسي في دينامية التواصل، ما يبرز سعي ترامب للاحتيال بطريقة أو بأخرى للدخول مجددًا بأسلوب ملتوٍ إلى المنصات التي شطبت حساباته وجعلته خارج العالم الافتراضي بمجرّد كبسة زر !

قد يصح القول أن الموقع ما زال جديدًا بعد إطلاقه أول من أمس، في حين تتخذ المدونات عليه الشكل ذاته لتلك على تويتر، إلا أن ذلك لا يمنع من تطوّره في المستقبل، خصوصًا وأن تطوير منصة إجتماعية أمر في غاية الصعوبة، ذلك أنه يحتاج إلى فريق عمل من المطوّرين الذي يحسنون استخدام الذكاء الاصطناعي و"الخوارزميات" وهي متطلبات جوهرية وتعتبر السبل الفضلى التي تحتاجها هكذا منصات لتعمل بشكل فعّال وأكثر تنافسية.

في المقلب الآخر، لا بد من التنويه بالقرار الذي صدر عن مجلس الرقابة شبه المستقلّ في الأمس والقاضي بإبقاء حساب ترامب محظورًا على فيسبوك، معللاً ذلك بأن للشركة ما يبرر خطوتها هذه غداة أحداث الشغب التي شهدها مبنى الكابيتول في السادس من شهر كانون الثاني/يناير المنصرم.

الأمر الذي يمثّل ضربة موجعة لآمال ترامب في إتاحة الفرصة له للنشر مرة أخرى على فيسبوك وانستغرام وتويتر ويوتيوب، كما يشكّل سابقة لكيفية تعامل بعض أكبر منصات التواصل الإجتماعي مع خطاب قادة العالم والسياسيين ما يقود البعض إلى طرح الإشكالية التالية:

إلى أي مدى يمكن القول أن هكذا قرار ينتهك ما يعرف بحرية التعبير والحريات والنشر الالكتروني، وما رافقه من سيل من الأحاديث التي استنكرت هكذا قرار؟

في حقيقة الأمر، القرار الذي تمّ اتخاذه لا يمثّل، بأي شكل من الأشكال، انتهاكًا لحرية التعبير وسواها، خصوصًا وأن هذه المواقع تمتلكها شركات خاصة وليس مؤسسات أو شركات حكومية وبذلك هي لا تخضع لمضمون ومندرجات المادة الأولى من الدستور الأميركي.

كما يجدر التنويه هنا أن الولوج إلى هذه المنصات يخضع لشروط الاستخدام التي وضعتها الشركات المالكة لها، في حين ذهب ترامب بعيدًا في خرق هذه الشروط إبّان ولايته الرئاسية وقبلها وحتى فيما بعدها. ومن الممكن القول أن قرار الحظر جاء متأخرًا كثيرًا.

كما يجب الإشارة هنا أن المجلس الذي أصدر القرار ليس مستقلاً على الإطلاق، وإنما يشكّل ذريعة وعباءة تسمح لمارك زوكربيرغ المالك لموقع فيسبوك بالتنصّل من المسؤولية المباشرة للقرار وتداعياته.

وهنا يبرز دور كبير تلعبه منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا في عالم السياسة ما سينعكس مستقبلاً على عملها وفي علاقتها بالمجالين السياسي والحزبي على السواء. إذ أن الخطوة التي اتخذتها شركة فيسبوك ما هي إلا بداية في مسار طويل ومعقّد وشائك، نظرًا لأسباب كثيرة قد لا يسمح لنا سردها في مقال واحد. 

ولكن ما بات جليًّا أن حجم فيسبوك العملاني والفعلي تخطّى حجمه الافتراضي ويمكن هنا المرور سريعًا على قضايا كثيرة يتم تناولها، وعلى نحو مضلّل، دون اتخاذ أي إجراءات حاسمة وحازمة منذ انتخابات الرئاسة الأميركية في 2016 مرورًا بانتخابات البرازيل الماضية، والمجازر التي طالت أقلية الروهينغا المسلمة في ميانمار وحرب ناغورنو قره باغ التي دارت رحاها بين أذربيجان وأرمينيا وسواها من القضايا...

في الختام، تبرز إشكالية في غاية الخطورة تتهدّد العالم بأجمعه، خصوصًا وأن حجم المعلومات التي ترد على فيسبوك تخرج عن نطاق السيطرة، والمسؤولية تقع بالدرجة الأولى على المسؤولين فيه سواء كانوا يعلمون أو لا يعلمون مدى وحشية السلاح الذي يضعونه بيد المستخدمين، إلا أن المشغلين لهذه المنصة يركزون على ما يصلح تسميته بـ"إقتصاد الإنتباه" وهو إبقاء المستخدمين مسمّرين عليها أكبر وقت ممكن، فيما يتلقون كمًّا هائلاً من المنشورات التحريضية على العنف المسلّح ونشر الأكاذيب والأخبار الزائفة... الأمر الذي يستوجب من قبل الكونغرس الأميركي، نظرًا لكون هذه الشركات أميركية وضع قوانين ترعى عملها لجهة وضع الضوابط التشرعية لها وتأطيرها للحدّ من مخاطرها المتنامية.

الكاتب

هادي جان بو شعيا إعلامي-لبنان

الكاتب:هادي جان بو شعيا

  • للمشاركة