Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

سيّاف الزهور في ذكرى الرحيل

2777
news room April 3,2020

 قبل أربعة عشر عاما أسدلت الحياة سجفها على متمرد ثوري، أراد أن يغير مجرى الحياة العربية باتجاه شروق الشمس على بلدانها. هذا ديدن الحياة في بلداننا، تنتقم من الذي يريد أن يكشف زيفها، إن كانوا حكاما أو جهلا في عقول البعض، رحل محمد الماغوط وفي روحه غصة أفق مغلق. كان يُدرك أن السيوف التي جرّدها من أغمادها سوف تصدا قبل أن يمتشقها ساعد متمرس في اجتثاث التخلف والعبودية، ولكن من أين ما دام الخوف مثلما يقول هو (الخوف مثل الله لا يُفسر، مثل البحر، مثل السماء، والخوف سياط، كماشات، وأسنان مخلوعة، وعيون مفقوءة، الخوف هو الظلم) فكم من ظلم عشعش في سطور حياتنا؟

 رحل الشاعر الملتهب غيضا، ولكن إبداعه ما زال يتنفس في صدورنا، لعل الذي يأتي من بعدنا يحمل روح الماغوط من اجل التغيير. لم يستطع أن يغير شيئا. بقيت غرفته بملايين الجدران يحبس فيها أنينه على كنبة صفراء، لا يستدل عليها أحد إلا عبر سعاله. كانت لفافة التبغ والسعال هما العلامة الفارقة في شخصية البدوي الأحمر (حسب أحد عناوين كتبه).

 حَلم الماغوط مثل غيره من شعراء الستينيات بتغير العالم، وتغير الأنظمة التي كان يراها رجعية ومستبدة. كيف لا يراها كذلك وهو الذي دخل السجن في بداية حياته، ويقول ان :"عمرها ما كانت مشكلتنا مع الله، مشكلتنا مع الذين يعتبرون أنفسهم بعد الله". عانى في بداية حياته الفقر والعوز الشديدين. بقي حزن الفقر يلاحقه حتى بعد سنوات النجاح. عبّر عن ذلك بقوله:" ان الفقراء يستيقظون مبكرين قبل الجميع حتى لا يسبقهم إلى العذاب أحد".

كتب الماغوط عن مغادرة الفرح من حياته وتحديدا بعد وفاة زوجته الشاعرة سنية صالح، قائلا ان:" الفرح ليس مهنتي" غازل الحزن كثيراً. صنع منه كوميديا لامست شغاف القلوب. كان حزنه جوهر مسرحيات “ضيعة تشرين "و "غربة"  و "شقائق النعمان" التي شاهدها ملايين العرب وأصبحت الاقتباسات منها شواهد يتندر بها الناس.

 كان يخفي وراء هذه الكوميديا السوداء روح طفولة شفافة يقول لأبنته سلاف انه يزور قبر قطتها المدفونة في الحديقة المجاورة لمنزله.

 عندما زرته أخر مرة في منزله الكائن بشارع الملك العادل بدمشق، استقبلني بسعاله وسيجارته وأمامه كأس غريب الألوان.... سألته بفضول عن نوع هذا الشراب، فقال لي "هو خليط من النبيذ والجن والويسكي" ضحكت وقلت له:" استأذنا لماذا لا تشرب صنفا واحدا؟"، أجاب:" أنا مستعجل أريد كل شي، لم يعد في الحياة متسع للعيش، جاءت الأشياء متأخرة، البنات مو هون وسنية مو هون"، ثم أشار الى الحائط حيث صورة جميلة لسعاد حسني وأدمعت عيناه. قال :" وسعاد كمان ما عادت هون" وكان يردد :" بيجامات كثيرة وما بيجيني النوم واحذية كثيرة وما بعرف وين روح أنا ما بعرف شيء" .

لعل عبارة:" ما بعرف” قالها مبكرا منذ أن كتب الشعر على ورق لفافات الدخان في السجن ونشرها بعد خروجه. قالوا له أنت رامبو الشعر العربي، فأجاب:"مين رامبو ما بعرفه هذا". هكذا عاش حالما بتغيير العالم، وزاهدا بهذا العالم، وتوّاقا لأن يشرب رحيق هذا العالم كله ببرهة قبل أن يرحل.

 ابن السلمية المشرفة على حدود البادية السورية والتي أبوابها مشرعة للسماء والغيم، كان يستذكر مدينته عبر وجه أمه. لطالما ردد: "جمال محملة وجراس بتعِنّ/ وأيام المضت عالبال بتعّن/ حملت بضاعتي وجيت ابيعنّ/ غريب وما حدا مني اشترا” إنها صورة الأم التي لازمت الماغوط واعتبر موتها هو أحد سياط الحياة التي لسعته. يخاطب الشاعر بدر شاكر السياب في إحدى قصائده قائلا أما زلت تضع ملاءة على شارة المرور وتناديها يا أمي؟

في ذكرى رحيلك أيها الاستثنائي الذي علّمنا الكثير وأفرحنا وأحزننا أكثر، نقول لك :" ليس فقط حلمك لم يتحقق، لكن ربما أوطاننا كانت أجمل حين كنت فيها".

الكاتب

د. نوال الحوار كاتبة وشاعرة واعلامية

الكاتب:د. نوال الحوار

  • للمشاركة