Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

سورية: انتخابات كاشفة

4451
news room May 20,2021

د.عقيل سعيد محفوض

يختلف السوريون على أمور كثيرة، وربما اختلفوا على كل شيء تقريباً، إلا أنهم في اللحظات الحاسمة، غالباً ما يتفقون على شيء واحد تقريباً وهو انصاتهم لنداء، ظن كثيرون أنه انتهى لدى شريحة قد تكون كبيرة منهم، هو نداء انتمائهم لهويتهم، بما هم سوريين، ولمعنى ان يكونوا سوريين اليوم.

لا مبالغة في ذلك، إذ ان تدفقهم إلى سفارة بلادهم في بيروت يوم الخميس 20 أيار/مايو للمشاركة في الانتخابات الرئاسية، مثال دال على ما نقول، وإن كان ثمة من يعترض على ذلك، ولا بد من وجود معترضين، فأرجو ان يُقدم تفسيراً مناسباً لهذا الفعل المفاجئ، بل والصادم! إن أمكن التعبير، إذ لا سلطة هناك لنظام أو جهاز ايديولوجي أو قمعي يحملهم كرهاً على للمشاركة، ولا جهات راعية تعد أو تغري بالعطايا لتشتري منهم أصواتهم ومشاركتهم.

وقد كان تصرف السوريين في لبنان متوقعاً، إنما من حيث الفعل لا من حيث الدرجة، المتوقع هو المشاركة، غير المتوقع هو الأعداد الكبيرة والمهولة للمشاركين. يمكن الحديث هنا عن "حدث محض"، بتعبير جاك دريدا، بمعنى أنه حدث جاء خارج أنماط وتوقعات وتقديرات القراءة والتحليل، وخارج تقديرات السياسة، ومن المفترض أن يكون له ما بعده، إذا تلقاه فواعل السياسة والحكم بشكل مناسب.

حدث ذلك على الرغم من أن المؤشرات الموضوعية والسياسات العدائية والقصدية تفترض العكس. وقد كان السوريون في الداخل والخارج عرضة لمحاولات محمومة للتأثير عليهم وإشغالهم بهموم العيش والبقاء، وهنا كان المفترض أنه لا مكان ولا إمكان لديهم لمجرد التفكير بالانتخابات، كيف بالمشاركة الواسعة فيها!؟

يمكن الحديث أيضاً عن "حدث محض" مقابل أو معاكس، هو حجم العداء الذي قوبلت به الانتخابات، والعداء الذي قوبل به سوريون في لبنان مثلاً، وظهر "العداء المحض" أيضاً من قبل دول مثل ألمانيا وتركيا، اللتين منعتا تنظيم العملية الانتخابية وعملية الاقتراع وحرمت السوريين الموجودين فيهما من المشاركة.

*لو أن فواعل الإعلام والسياسة حول العالم غير منحازين ضد سورية، لكان زحف السوريين في لبنان إلى بيروت للمشاركة في الانتخابات حدثاً سيالاً وفارقاً، حدثاً فائضاً بالدلالات والمعاني، ولكان حدثاً سياسياً محضاً، إن أمكن التعبير، له معنى واحد تقريباً، وهو: تمسك السوريين بمعنى أنهم سوريون، والتمسك بالدولة وشرعية الدولة في سورية.

المشاركة فاجأت النظام السياسي في سورية قبل أن تفاجئ خصومه، وهذا ما يتطلب المزيد من التدقيق والتقصي، إذ لماذا كان الحدث صادماً على هذا النحو؟ ألا يقتضي الأمر أن يبنى على الحدث مقتضاه، لجهة مراجعة الأخطاء في تقدير المواقف والسياسات، وكم من أخطاء في فهم وتقدير ما يجري في سورية، من قبل السوريين أنفسهم؟

*عندما تحتدم الأمور، وتصعب الرؤية والقراءة لما يجري، فإن أفضل ما يجب فعله هو: التمسك بالبديهيات، والمحافظة -ما أمكن- على الخط الرئيس للمعنى، والركون إلى القارّ في طبقات وتشكلات القيم، وطبقات وتجليات الفعل السياسي والاجتماعي، وما فعله السوريون في الخارج حيال الانتخابات، ليس حدثاً عارضاً، بل هو حدث كاشف، دلالاته الرئيسة هي انتماؤهم لسورية، وشعورهم بالواجب حيال معنى أن يكونوا سوريين، وفي مواجهة ما يتهدد كونهم كذلك، وإن تحمل كثيرين منهم مخاطر المشاركة، في لبنان وغيره، هو دليل على صدق الحدس والبداهة لديهم.

كان في تقدير فواعل السياسة والحكم في سورية، أن الانتخابات هي استحقاق اعتيادي، يجب أن يجري في موعده، من دون مبالغة أو تضخيم في المشهد، لكن ردة فعل أعداء أو خصوم النظام السياسي ضد الانتخابات، ومحاولتهم منعها، أوضحت أن أي حدث في سورية، كبيرا كان أم صغيراً، يمكن أن يكون محل اهتمام، بل اصطفاف، إقليمي ودولي، كيف إذا كان حدثا انتخابياً ورئاسياً!؟

ثمة نقاط أو بديهيات يمكن للسوريين اليوم التدقيق فيها، ربما كانت من أهم خبرات ودروس هذه الحرب، وهي تفسر جانباً من استجابة السوريين في الخارج للحدث الانتخابي:

البديهية الأولى، أنه عندما يتواجه عدوان، يسجل واحد منهما انتصاره الأول على خصمه متى ارغمه على مغادرة بديهياته، وتغيير قراءته للأمور، والأهم هو إذا أرغمه على تغيير قراءته لمعنى هويته وانتمائه لوطنه، والسوريون عموماً أو شريحة كبيرة منهم، لم يغادروا بديهياتهم.

البديهية الثانية، هي التمسك بتعريف العدو، وتعيينه بوضوح ومن دون تردد أو تهاون أو مجاملة، وهكذا فإن الاعتراض على الانتخابات، وبالطبع الحصار والخنق الاقتصادي ومنع عودة اللاجئين، هي أفعال وسياسات تصدر عن أعداء لسورية وليس فقط أعداء للنظام السياسي أو أعداء للرئيس بشار الأسد. الامر الذي يفسر كيف تعد شريحة من السوريين أن المشاركة في الانتخايات هي – بوجه أساسي من أوجهها- استمرار للحرب إنما بوسائل أخرى.

البديهية الثالثة، الثقة بأن السوريين على حق، وان قوة الأعداء أو الخصوم لا تعني أنهم على حق، ولا تعطيهم أي قوامة أو سلطة حيال سورية أو انتخاباتها. ولذلك، فإن منع الانتخابات وعدم الاعتراف بها من قبل بعض الدول، لا يؤثر بأي حال على شرعيتها، بنظر المشاركين فيها أو المؤمنين بأنها أحد أشكال التعبير عن استمرارية الدولة.   

البديهية الرابعة، هي ضرورة الإمساك باللحظة، وتقصي الإمكان الكامن فيها، وإن تدفق السوريين للمشاركة في الانتخابات، هو ليس مجرد فعل سياسي، وإنما هو إمكان سيال بالمعاني والدلالات التي يمكن أن يكون لها مفاعيل سياسية أوسع وأبعد مدى.

البديهية الخامسة، هي أن السوريين، وخاصة فواعل السياسة والفكر لديهم، كلما تقدموا خطوة في طريق تحقيق أهدافهم، بما هم سوريون، كلما زاد ايمانهم بطول المسافة بينهم وبين ما يريدوه، بمعنى أن كل خطوة أهم من سابقتها، فلا يمكن الشعور بالرضا عما تم تحقيقه. وإن الزيادة في طول المسافة تتناسب طردا مع إدراكهم بعمق المسؤولية وقيمة التضحيات.

 

الكاتب

د.عقيل سعيد محفوض: كاتب وباحث متخصص بشؤون الشرق الأوسط وتركيا

الكاتب:عقيل سعيد محفوض

  • للمشاركة