Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

سنفقد صوتنا العربي في صراع الأمم الا اذا...!!

1769
news room August 28,2020

 

سامي كليب :  يُمكن الجزم بأن منظومة الاخلاق الإعلامية والاجتماعية والسياسية تعيش  اليوم أسوأ مراحلها بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، التي من الأفضل تسميتها في وطننا العربي ب :" وسائل التباغض الاجتماعي"، ذلك أن كل أمر عابر سُرعان ما يتحوّل الى نار في هشيم هذه الوسائل، تغذّيه جيوش الكترونية، او ذباب الكتروني، غالبا ما تفتقر الى أدنى مستويات الثقافة والفكر والأخلاق. فكلما ارتفع مستوى الشتائم والردح، ازداد عدد المتابعين الفرحين الذين يذكّرونا بتصفيق الاغبياء للأسد الذي يأكل البشر في ملاعب الرومان والاغريق. 

             الواقع ان وسائل التواصل الاجتماعي أكملت ما بدأته الفضائيات العربية على مدى العقدين الماضيين. ذلك ان صراع الديَكة على الشاشات كان المقياس الأهم لرفع نسبة المشاهدة. فحلّ الصراخ مكان المعرفة، وتكسير الاستوديو مكان الفكر والمعلومة والنقاش الهادئ الهادف. ضاعت البرامج وضيّعت الجمهور، فزادت الفتن والانقسام، وماتت اخلاق الاعلام وشرعة الصحافة. 

      هذا ليس أمرا عابرا ولا بريئا. لنتذكّر ان انتعاش الفضائيات العربية رافق الأحداث المعاصرة الكبرى، من حرب الخليج الثانية عام ١٩٩٠ لإخراج قوات صدام حسين من الكويت ( بينما الأولى كانت الحرب العراقية الإيرانية) الى حرب الخليج الثالثة أي غزو العراق من قبل أميركا وبريطانيا بلا شرعية دولية، مرورا بمؤتمر مدريد للسلام، واتفاقيات أوسلو والاعتداءات الإرهابية على أميركا وغزو أفغانستان وتفشي التطبيع  في الجسد العربي الإسرائيلي خصوصا في العام ١٩٩٤. 

   ظهرت فضائيات عربية كثيرة، ليصل عددها اليوم الى اكثر من ١٥٠٠ فضائية، شملت الغناء والرياضة والدين والسياسية، وتركّز معظمها في دول الخليج ومصر ولبنان، مقابل ظهور فضائيات عربية أيضا ولكن ممولة من ايران يقودها اتحاد الإذاعات والتلفزات الاسلامية وتضم نحو ١٤٠ شاشة وإذاعة وتروّج للسياسة والايديولوجيا الإيرانية. 

لو أجرينا تحليلا علميا دقيقا لمضمون هذه الفضائيات المتنافرة، نجد  أن ملفات ايران وحلفائها تحتل الصدارة في أبرز  تلفزات الخليج ( ما عدا تلفزات قطر ) على أساس انها العدو الأول، تبعتها منذ عام تقريبا تركيا، كما نجد ان ايران نفسها تحتل الصدارة في التلفزات المؤيدة لها والتي تقدمها على أساس انها رأس حربة المقاومة والدفاع عن فلسطين.  

مع الموجات الثانية للتحولات العربية الكبرى، أي اندلاع "الربيع العربي" الذي نجح في بعض الدول بفضل انضمام الجيوش الى الشعوب، وفشل في دول أخرى وساهم في تدميرها لمصالح خارجية، انتشرت في هشيم الوطن العربي  وسائل التواصل ( او التباغض) الاجتماعي التي صارت تجذب أكثر من ٨٠ بالمئة من الشباب العربي العازف عن وسائل الاعلام التقليدية من تلفزات وصحف واذاعات. 

دول الخليج  وبعض الدول العربية المناهضة لإيران تتصدر قائمة افضل واسرع انترنيت ( الامارات، الكويت السعودية ثم الأردن فالبحرين ومصر)، مقابل تطوير ايران لبرامجها في مجالات الامن السيبراني والحروب السيبرانية، ما أدى عمليا الى ظهور جيوش الكترونية تغزو حاليا الشبكة العنكبوتية.  

هذا الصراع الذي حوّل ايران العدو الأول عند جزء لا بأس به من العرب، وحوّل السعودية والامارات الى عدو عن الجزء المؤيد للمحور الذي تقوده ايران، عزز التدخلات الدولية في منطقتنا، وجعل إسرائيل اكثر راحة، وساهم في ابعاد القضايا العربية الأساسية عن الواجهة، فصار الحديث عن فلسطين والعروبة والوحدة يثير الانقسام الحاد، وصارت المقاومة راية عند البعض وارهابا عن البعض الآخر، وغابت قضايا التنمية والتطور، وانكفأ الفكر والنقاشات الهادئة والهادفة.

المشكلة الكبرى حاليا ومستقبلا، تكمن في أن العرب لا يملكون شيئا من تكنولوجيا الاعلام المستقبلي. فهم يستوردون كل شيء. ما يعني ان قدرتهم على التحكم بالمضمون ستكون معدومة الا ما يتوافق منها مع الدول التي تملك محركات تكنولوجيا التواصل. وقد رأينا كيف يتم حجب أي خبر او صورة لا تناسب أصحاب هذه المحركات، بينما تبقى صور وافلام كثيرة لأشهر طويلة رغم ارتباطها بالإرهاب، ومنها مثلا فيلم احراق الطيار الأردني الشهيد معاذ الكساسبة. 

تاريخيا كانت مصادر اخبارنا حتى العربية منها تأتي من الغرب، ذلك ان الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي واليابان كانوا يسيطرون على معظم وكالات الانباء العالمية وعلى الصحف والتلفزات الكبرى ومراكز الدراسات التي نستقي منها اخبارنا، وحاليا ومستقبلا ستكون رقاب العرب جميعا في يد أصحاب المحركات من الغرب الأطلسي الى الصين وربما الهند التي تطوّر كثيرا المجالات التكنولوجية وطبعا إسرائيل التي ستسيطر قريبا على ١٠ بالمئة من الامن الالكتروني العالمي . 

هذا يعني، ان القضايا العربية التي كانت أساسية في الماضي  ، ستسقط تباعا من منظومة الإعلام المستقبلي، وستحل مكانها أفكار جديدة تتوافق مع منظومات  التفكير الغربية والشرقية،  لذلك من واجب العرب اليوم، لا بل من واجبهم المُلح، زيادة سريعة في عدد مهندسي التكنولوجيا الحديثة، وتعزيز الاختراعات في مجالات التواصل الاجتماعي، وتوجيه الجامعات نحو هذه العلوم بدلا من العلوم الإنسانية التي ماتت أهمية الكثير بينها، وتدريب الشباب العربي على الاعلام الحديث، لغة وتقنيات،  وعلى اخلاق المهنة المقرونة بالمعرفة والعلم،  ومن واجب الاعلام العودة الى اعتماد منظومة أخلاقية واستعادة شرعة الصحافة والحريات. 

نحتاج في اعلامنا الحديث، لغة علمية موثوقة تستند الى ابحاث ومراجع ودراسات، والى حرفية عالية، توازن بين الاخلاق والعلوم الحديثة، لان الخطابات الإعلامية المستمرة منذ خمسينيات القرن الماضي، ما عادت تنفع لا لمواجهة الخصوم ولا لنهضة المجتمع ولا للحوار الإنساني مع الغرب والشرق. 

ما لم نفعل هذا اليوم قبل الغد، فان اعلامنا العربي سيتحول الى مجرد ابواق يستغلّها الآخرون ضد مصالح كل العرب.... كلهم، ذلك ان لا فرق بين عربي وآخر في المستقبل الا  بقدر ما يذل نفسه ويطأطئ راسه للأمم الكبرى في حال لم ننقذ وضعنا الإعلامي والتكنولوجي المساند للسياسة وللأمن القومي. 

صدقوني ان صوتنا الاعلامي العربي سيغيب في مجاهل الأمم، ولن يبقى منه سوى صراخنا ضد بعضنا البعض، واصوات تصفيق الأمم لنا ونحن نتصارع على حلباتها.  

 

 

 

 

 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة