Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

شارع شيكاغو وقصة الحب الآكلة للزمن 3-3

2572
news room September 9,2020

شهادة من أجل العشق تسقي بدمائها عطش المحرومين

ياسمين حنّاوي:

يقول الجميل جبران: "إذا المحبة أومت إليكم فاتبعوها.. إذا ضمّتكم بجناحيها فأطيعوها.. إذا خاطبتكم فصدقوها".. وهكذا لبّى مراد عكاش نداء المحبة لخمسين عاماً بعد أن استجاب الرب دعوات ميرامار له بعمر نوح؛ فمنحه عمراً مديداً، وصبر أيوب فصبَر حتى الجنون، ورزق يونس فامتلك ثروة العاطفة؛ تلك التي دفعته إلى تخيل حبيبته لسنوات على صورة السلام والثورة والحرية، وعلى هيئة الوطن الذي لطالما دافع عن عروبته بقلمه في (المضحك المبكي). الوسيلة الحاضرة في ذاكرة السوريين؛ لاسيما في الفترة المناهضة للعقلية الديكتاتورية التي أسس لها عبد الحميد السراج زمن الجمهورية العربية المتحدة.

دراما عاطفية وتاريخية وسياسية بحواسٍ موسيقية..

 

لقد انتهت ملحمة شارع شيكاغو تاركةً في أنفسنا أطيب الأثر وأقساه بسبب ما حوته من رموز فنية خاطبت الوجدان والروح بنفس السوية التي توجهت فيها للعقل والخيال؛ فلم يكن هذا المسلسل عادياً بأي مقياس، سواء تحدّثنا عن عمق الأداء لدى القامات التمثيلية الذين جئتُ على ذكرهم في الأجزاء السابقة، إضافة للمقدّم يوسف (أدّى دوره القدير وائل رمضان)؛ والذي لحق حدسه وسار على درب إيمانه وشرفه مُضحياً بالمنصب والصحة لكشف سرّ قصة هزّته من الأعماق. نستطيع تسميتها قصة عشق ووطن وتأثر بقيم الحق والخير والجمال، فصار يهذي بشخصيات شارع الستينيات، وبات عاشقاً هو الآخر ل لميس (نادين سلامة) - ابنة أخ قاتل ميرامار والمتعرضة لعنفه - ومتعاطفاً معها، ومسخراً نفسه لحمايتها رغم تأثر قوته تحت وطأة المرض، ومحبّاً لوالدته، وغافراً لوالده، وصديقاً لأخته، وكان هذا منطقياً مع وائل الذي يفهم -بعينه الإخراجية- جيداً كيفية إكساب أي دور يقوم به الثقل والصدق والإحساس.

وازن محمد عبد العزيز بعدسته ومخيلته بين شغفه بالسينما من جانب، ورغبته بإحداث نهضة سورية درامية من جانب آخر؛ فجاءت النتيجة مُرضية لمحبي الفن السابع والمتعطشين لصورة غير تقليدية. ظهر ذلك في انتقاء أماكن التصوير الأكثر تأثيراً في الشعور السوري (منازل دمشقية تشبه ما وصفه نزار في العديد من قصائده.. سينما عريقة زارها آباءنا وأجدادنا مع أمهاتنا وجداتنا مراراً وتكراراً.. بوظة بكداش في أطول سوق مسقوف سوق الحميدية، جوار جامع بني أمية الكبير.. كنيسة باب كيسان ودير مار موسى وغيرها)، وفي اختيار أغنيات ميرامار بعد نبش طويل برفقة (سلاف فواخرجي) في تراث الأغنية العربي ليُعيدا إلى ذاكرتنا رائعة نهاوند (يا فجر لما تطل) التي رأت النور بعد أن كتبها بائع فلافل بسيط، والأغنية المؤثرة (ياطيرة طيري يا حمامة) لمعلّمنا أبو خليل القباني، و(عاللا لا ولالا) و(بيني وبين حبايبي جبال) من الفلكلور السوري، و(مربى الدلال) للحالة الفنية الاستثنائية زياد الرحباني، و(عالعين موليتين) من الفلكلور العراقي؛ والتي تروي قصة عاشق يتردد على منزل حبيبته بكثرة ممّا أدى إلى انقطاع الجسر المؤدي إلى المكان، و(قلب القاسي) لسعد عبد الوهاب ومأمون الشناوي؛ و(طار في الهوا شاشي) من الليلة الكبيرة لصلاح جاهين، فأيقظ ذلك الاستحضار للمقامات المتنوعة شخصياتنا العاطفية وحواسنا الموسيقية بطريقة لم يفعلها مسلسل آخر.

 

شارع تجاوز الخطوط الحمراء بتقنيات فنّية..

 

نعود لمهيار خضور الذي أدى دور مراد عكاش زمن الوحدة مثبتاً أنه اختيار ممتاز، ولا أعتقد أنّ أحداً من الممثلين كان مناسباً للبطل الشعبي الثائر أكثر ممّا كان مهيار نظراً لتمتّعه ببنية جسمية رياضية وإحساس روحي. فتنقّل بسلاسة ما بين القوة والرومانسية، يرتدي قبعة تشبهه ويُدخّن ك هارب من مآسي الدنيا، ويؤدي مشاهد العراك والمشاجرات بطريقة حرفية لم تُشعرنا لوهلة بالمبالغة بل على العكس أسهمت في المزيد من الجذب والإقناع، ولقد انعكست الكيمياء التي جمعته بميرامار في الحوارات والتصرفات وردود الأفعال (كتغليف معصمها بشريط الحياة، وممارسته الحب معها بعد الزواج وسط حبات الرمل والشمس والنار) على المشاهدين؛ اللذين انتشوا بهذه الحالة غير التقليدية في تجسيد قصة من قصص أهل الحب في وقت ساد فيه البغض والكراهية والظلم وإلغاء الآخر، ولا شك أنّ وجود هذا الممثل برفقة كبار الدراما السورية مع قصةٍ وإخراج متميزين سيمثل نقطة تحول في حياته المهنية ليصبح ما قبل (شارع شيكاغو) -بالنسبة إليه- ليس كما بعده.

ولا يمكن بأيّة حال من الأحوال أن أنهي هذه الدراسة دون التطرق للجميلة (نادين خوري) المثقفة وصاحبة الموهبة الفذة منذ بداياتها وحتى اليوم؛ فنراها قد أضافت ل(شارع شيكاغو) إحساس الأخوة الصادق ببصمة لا تشبه إلّاها، وكما كان الفن مصدر الغنى الحقيقي لها بادلته بالمقابل حباً بحب فكنّا نحن الرابحين بنور الهدى أخت ميرامار العفوية الصادقة التي تنطق العبارات بدقات قلبها لا بحركات لسانها. تُعجبها قصة الهدوء والعاصفة وتحمل عبء جثمان أختها وجبروت أخيها.

 

ميرامار سر أسرار التصوف..

 

أمّا بالنسبة ل(غذاء الروح والجسد)؛ وهو معنى اسم ميرامار، فنراه مواتٍ لسيرورة الحكاية من ناحية السبك والانسجام والتدافع الدرامي؛ فهذه العاشقة تؤمن بحماية المولى لها وعنايته بأحبائها. تُصلّي لأجلهم فيبتعد عنهم الأذى مسافة سبع سنوات، تعيش بتسليمٍ وتنعزل بتجلي فتكسَب مرادها ومرغوبها ومأمولها ومطلوبها؛ فالرب يحبّها كما تحبه ويوجه لها الخير أينما توجهت، جعل من حضنها وطناً ومن هالتها سحراً لا يبدو إلّا للعشاق الحقيقيين. يرافقهم ولو بعد مائة عام. 

تبدو فكرة (ميرامار) معنوية روحية بقدر ماديتها. هي أيقونة خلدت عبر الأزمنة، وسر من أسرار التصوف الذي يصعب اكتشافه بحَرفيته مهما مرّت العصور. دوّنت ميثاق الوفاء والتضحية وتركت ثمرة نورها في الدنيا لتكون ابنتها (ناديا عكاش) الشمس المولودة من رحم من حُرمت الألوان والأضواء، وسقت بدمائها عطش التائهين والضائعين والباحثين عن قدوة تُعلّمهم أنّ العشق رسالة لا تُكتب إلّا بالصبر، ولا تُقرأ إلّا بالمعاناة. 

وما كان لهذه الشخصية المعجونة بالصعوبة والمحفوفة بالمخاطر أن تأخذ هذه القيمة لو لم تقف وراءها سلاف فواخرجي على وجه التحديد والتخصيص، كونها ما زالت تحتفظ بدهشة الطفولة. تقرأ ما وراء الأسطر وتتلقف الدور بقلب العاشق وعقل الفيلسوف. تأخذ بأيدينا نحو أعمق نقطة في روح ميرامار التي حاكت معها أصل الفطرة، فلا نجد أنفسنا إلّا ونحن نسير معها وحبيبها الدرب إلى بغداد (توأم دمشق). نحلم وننتشي ونحب وننهل من حكمة العارفين.

 

الجريمة بالتقادم، والحب كذلك..

وبذا – وكما ختمت الجزء الثاني- فإنّ ميرامار لا تموت. هل يموت الرسل؟ هل يموت الأولياء؟ هل يموت المتيمون والوالهون والمُغرمون؟ بالطبع لا. فكيف إن كانت صاحبة روح صافية نقية ترفض الشر وتقاومه بكلّ ما أوتيت من بصيرة. في هذه الحالة سينتقل الجزء المعنوي منها بعد فناء الجسد ليتمثل كدافعٍ للبعض، ومحفز للآخرين، وذكريات للكثيرين كي يسيروا على درب الأحلام المضيئة والنغمات الفرحة. ظهرت في مخيلة هدى تحمل إبريق الماء، وظهرت في النفق ليوسف تُقاسمه الآهات والوجع، وظهرت على صورة الأم مع لميس لتمنحها طمأنينة ما بعد الخوف، ورافقت مراد لخمسين عاماً كونه اختارها وحدها في كلّ مرة ولسان حاله: "أنا أعمى عن غيرك ولا أرى سواك".

في المقابل عوقب برهان بالعذاب الأبدي منذ اتبّاعه خطى قابيل (بدموع وصرخات جوان الخضر المبدع، والممتدة لعرّي جمال قبش المذهل) في تجسيد لأقسى الآلام النفسية جرّاء الغدر والوصولية والديكتاتورية والاستبدادية والفساد، ليحرمه ثقل فعلته لذة النوم والحياة، لاسيما بعد ترّفع مراد عن إنهاء حياته كونه ليس قاتلاً ولا خائنا؛ً وإنما ثائراً وجريحاً ولاهثاً للرمق الأخير وراء ابنته وابنة ميرامار (روحه وروحها) حتى السماء السابعة، وذلك بعد أن عاش بطلاً مناهضاً لعيوب الناصرية وفساد المنظومة السياسية ومدافعاً عن شارع يحبه كيفما كان. شارع وإن حُرق ودمّر فإنّ رمزيته حاضرة حضور المتعة والهوى.

 

مُعقد من شدة إبداعه..

صحيح أننّا رأينا غالبية شخصيات مسلسل شارع شيكاغو قد فقدت خصوصية المنطق، ولكن لا ريب بأنّ هذا سهّل على محمد عبد العزيز مهمة لصق الإسقاطات والرمزيات عليها، كالإسقاط الخاص بميرامار العهد الجديد (المتألقة أمل عرفة) التي تبدو للمتلقي العادي لا معنى لوجودها أو وجود عائلتها في المسلسل، ولكن -ولأنّ الحياة صورة وراء صورة داخل بكرة من روح- فإن الزمن يعيد نفسه بأدوات جديدة؛ فرضوان عقيلي كتيسير إدريس من ناحية التعصب والتشدد، وبنات أبي برهان كبنات أبي يوسف يبحثون في العالم الخارجي عن الحب المنشود؛ ولكنني أعيب هنا على المخرج كثرة الغموض؛ فقد يحتاج المشاهدون إلى شيء من البساطة تراعي عدم تساوي خبراتهم، إذ ليس بالضرورة أن يقرؤوا القصة كما قصدها في عقله الباطن، وهنا تكمن بعض أسرار النقد الذي انهال على العمل واعتبره ركيكاً مُفككاً غير مترابط الأجزاء، ومليء بالطلاسم وكثير الدلائل مع نهاية مخيبة للآمال تركت معظم الخطوط معلّقة، وهنا فإنني أنصح أصحاب هذه الرؤية بمشاهدته عدة مرات والتعود على نمط التكنيك الفني الحديث الذي قد يُتّبع في عدّة أعمال مقبلة.

 

 

تجانس موسيقي بارز البصمة..

وممّا أثار انتباهي في (شارع شيكاغو) كيف لعبت الموسيقى التصويرية دوراً حساساً في رسم معالم إضافية للقصة، خاصة مع إيصالها -في مواضع عدة ولحظات حاسمة- مشاعر لا يتمكن النص المكتوب من عكسها؛ حيث ساهم الموسيقي الراقي (سعد الحسيني) من رفع هرمون الأدرينالين لدينا عندما غلّف المسلسل بشارةٍ أخاذة، وطعّم المشاهد الداخلية بإيقاعات تشبه مزاجه الخاص وتحاكي واقع المحكية؛ لتبدو وكأنها قد درست حياة أبطال القصة بماضيهم وآمالهم وأحلامهم وعقباتهم. فتحية شكر لكلّ من ساهم بالصناعات اللحنية لهذه الملحمة، بمن فيهم ذاك الذي انتقى نوع ولون خط الأسماء في المقدمة. 

 

سلاف فواخرجي مبعث الحظ ومسوغ النجاح..

 

لطالما أدّت الأدوار الخاصة بها بحب وغرام ولهفة وشغف، لذا كان الخيار الأوحد لضمان نجاح المسلسل هو التعاقد مع سلاف فواخرجي؛ التي أخذت ميرامار كصلصال لزج فطوعته وشكلته وعملت كممثلة ومطربة وسيناريست ومصورة ومخرجة في آنٍ معاً، لتضيف اسمها في أرشيف قصص العشق السينمائية جنباً إلى جنب مع (سكارليت أوهارا) في فيلم "Gone with the wind"، و(شيرلي ماكلاين) في فيلم "THE APARTMENT"، و(روز ديويت) في "TITANIC" ، و(آلي) في فيلم "The Note Book"، و(إليزابيث بَينَيت) في "Pride and Prejudice" وغيرهن من الأيقونات. 

نجدها وقد تقمّصت أبعاد الشخصية بانسجام؛ وتصاعدت بتركيبتها تدريجياً من عفاف قطان العاشقة للعود، المتأثرة بوالدتها حدّ التماهي، والتي تربطها بالرب علاقة صوفية فريدة، فميرامار المحققة لحلمها بالغناء والعاثرة على ضوء عينيها بعد عمرٍ من العتمة، وأخيراً المستسلمة لحتفها الذي تحسست رائحته قبل وقت من الزمن ومع ذلك قبلتهُ بارتياح يشوبه الخوف. تاركةً وراءها إرثاً يرضي المطالبين بعودتها والحزينين على غيابها، ودماً يشابه ما ذرفته سوريا المعذبة التي دفعت ثمن المؤامرة والتنكيل وزرع التشدد ووو.

لقد أغنت العمل ب(كاريزماها)، وأدارت عجلة قيادة خطوطه وحبكاته وتشابكاته بتطبيقها –ومحمد- للشروط الفنية الأهم والأحدث؛ لتحيل مغامرة خطيرة إلى نجاح ملموس بإيجادها للحب الضائع في الشام بين غياهب وحدة عربية مفككة، وشعارات لا تتجاوز كونها حبر على ورق، وإبداعها في رسم أبعاد الشخصية لتكون من لحم ودم وروح مدهشة، وتصويرها لقيم الرومانسية والسريالية والإنسانية والسلام الملون؛  فكسرت النمطية وحرقت التقليدية وتفوقت على نفسها كما تفعل في كلّ مرة. هي عمود مسلسل سيكون فخراً لكل فرد من طاقمه، وسينقل صناعتنا الدرامية كسوريين من مصاف العربية للعالمية طالما أن بطلته وهبت الحياة لأهل الحب على مبدأ الحلاج "كلّهم موتى وأهل الحب أحياء".

استمتعنا وعشقنا وتعودنا. بكينا وفرحنا وانتظرنا حلقاته يوماً تلو آخر لاستكمال حكاية الغريبة والقريب. شممنا رائحة الشوارع الدمشقية، وتعرّفنا على حقبتين زمنيتين من سوريتنا الغنية بالتنوع الديني والعرقي والمذهبي والثقافي والمنهجي. تعلقنا بتفاصيل حسني وجورجيت. شمس وستيلا وأم رياض. سارة وتيم. سمر وجواد. سماهر وبرهان. يوسف ولميس. كروان وكحل الليل. الطاووس والقاق. عبد الجبار وأوغلو. مراد وميرامار. من كتموا وجعهم ومن تمردوا على التقاليد. من حفظوا الوصل والود ومن أجرموا بلا هوادة. من ربطونا روحياً بوثاق من تخاطر ولم يتركونا إلَا وقد وضعنا أنفسنا تحت رحمة الحب.

الكاتب

ياسمين حنّاوي روائية وكاتبة

الكاتب:ياسمين حنّاوي

  • للمشاركة