Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

شارع شيكاغو وقصة الحب الآكلة للزمن 2-3

3313
news room August 30,2020

معظم خطوطه مذهلة.. والبعض يشوبها الملل

ياسمين حنّاوي

على عكس المفهوم الشائع عنها لدى معظم البشر؛ فالدراما بحسب تعريف الفيلسوف اليوناني (أرسطو) هي محاكاة فعل الإنسان، وليست الحالة المرتبطة بالمآسي والأحزان، والدراما الناجحة هي تلك العاكسة للأفكار والقيم الاجتماعية لبيئةٍ معينة، والتي تحافظ في الوقت عينه على المسيرة المنطقية لشكل الحكاية ومضمونها، وتنفرد بأسلوب ونوعية المعالجة والطرح، وتوصل المضمون للجمهور بسلاسةٍ معتمدة على مختلف التقنيات الفنية، وهذا ما حافظت عليه حلقات (شارع شيكاغو) الخمسة وعشرين لحد الآن؛ فبالتجاوز عن بعض التفاصيل غير المنطقية، والمشاهد المتضمنة لمبالغات لا معنى لوجودها، ما زال فريق المسلسل يحصدون نسب مشاهدة عالية لم يشهدها أي عملٍ آخر في السنوات العشر الأخيرة، الأمر الذي يدلّ على مجهود يُحترم ويقدَر من جانب، وعلى احتوائه لكلّ مقومات إثارة الجدل من جانبٍ آخر؛ لاسيما في كسره ل(تابوهات) أو محظورات الجنس والسياسة والدين كذلك الأمر.

وعن جدوى توظيف التعبيرات والصور والمفردات الخادشة للحياء – برأي البعض- والمنفّرة للذوق وغير المنسجمة مع الأعراف والتقاليد، أجد أن الأمر يحمل عدة اتجاهات بعضها يصب في منطقية ذلك التوظيف على اعتبار أنه عاكسٌ لواقع المكان ونوعية سُكانّه، والبعض الآخر يتماشى مع رومانسية الستينيات؛ تلك السنوات التي صُنّفت في عصرنا الراهن على أساس أنها (الزمن الجميل)، بينما تندرج فئة ثالثة في خانة اللاموضوعية؛ حيث ثمة مَشاهد لا جدارة لوجودها من النواحي الفنية قبل الأخلاقية، فإن سلّمنا بحرص المخرج محمد بن عبد العزيز على توثيق هذه المرحلة الزمنية وتلك البقعة الجغرافية على وجه التحديد، نراه أصاب في معظم الأحيان وأخطأ تارةً فالمُعايش لتلك الفترة يدرك - على سبيل المثال لا الحصر - أنّه لا فتيات يقفن في وسط (طريق بورسعيد) لاحتساء المشروبات الكحولية والتشبث بالمارّة وجذبهم للولوج إلى البارات والحانات والملاهي الليلية، ويدرك أيضاً أنّ المنتمين لحزب الإخوان المسلمين هم أشخاص طبيعيون من ناحية المظهر الخارجي حتى يكاد غير المخالط لهم يعجز عن التعرف على انتماءاتهم إلّا بصعوبة، فما المغزى من تصويرهم بذاك الشكل الكاريكاتوري أحياناً؟! أو قصر دمشق المصغّرة عليهم أو على رواد شارع شيكاغو فحسب؟!

ومن الملاحظ مع مرور حلقات العمل استمرار مستويات التشويق والإبداع العالية؛ وعلى منطق السبب والنتيجة بدأت التوقعات بالتشكل في أذهان المتابعين الذين قوي تيار الشحنات الشعورية في قلوبهم ليطرح مجموعة من التساؤلات؛ لعل أبرزها: مَن الشخصية التي ستصعد إلى هرم البطولة كاشفة مصير ميرامار؟ وهل تتضمن الرسالة المسلّمة إلى مراد عكاش من أخت ميرامار تفاصيل الحكاية؟ وإلى أي مدى سينجح السارد في إيجاد مبررات منطقية لكلّ حركة وتصرف؟ لكل فعل وقول ظهر في مجريات المسلسل؟ وفي حال تغاضينا عن المزج البطيء بين بعض اللقطات، والغرابة من عدّة صور غير مبررة كسكين مراد الملطخة بدم كهرمان التي سلّمها برهان للطاووس كدليل على مقتلها، وكالقوة الخارقة التي نبعت في جسد مراد ليهرب من ثلاثة من عناصر المكتب الثاني على مرأى الحراس رغم ضربه لساعات طويلة، وكجلسات المساج غير المتناسبة مع الطبيعة الشخصية لصحفي قوي عنيد ومثقف مثل مراد، التي يخصصها لستيلا، وعدم نجاح المخرج بالإمساك بزمام كامل الشخصيات؛ وقد بدا ذلك واضحاً في مشهد سماهر مع ناظم صاحب المناقصة وهو يسبح في حوض الفيلا الخاصة به؛ الذي بدا وكأنه مقتطع من مسلسل في الثمانينيات أو التسعينيات على أفضل تقدير.

كلّ ما سبق لا ينفي أن (شارع شيكاغو) قادر في لحظة ما على رفع هرمون الأدرينالين بالصوت والفكاهة والموسيقى التصويرية والإثارة والجذب، مع المحافظة على الإبهار البصري والمضمون القصصي بذكاءٍ إخراجي يؤسس للخبرات الجمالية ويصنع المفاجأة، ويعود الفضل في هذا للممثل الشريك، الذي وجد نفسه مسؤولاً بشكل كامل عن تألق العمل ووصوله إلى المستوى المطلوب بعيداً عن أنانية نجاح دوره فحسب، وينطبق هذا الأمر على (سلاف فواخرجي) التي استطاعت باحترافيتها المعهودة، وخبراتها المكتسبة أن تخلق المساحة المناسبة لتجمع بها العاطفة والخيال معاً منغمسة بشغفٍ في الدور، ومؤمنة أن البطل الحقيقي من يؤدي عمله كصاحب صناعة ولا يلهث وراء الاستئثار بالأضواء؛ إذ لطالما أشارت إلى أن النجاح للفريق لا للبطل الأوحد. لقد تشرّبت أحاسيس ميرامار بطريقةٍ وازنت بها بين المعقول واللامعقول. الممكن والمستحيل، فأصبحت الشخصية ذات هوية متحررة - بحكم فقدانها لحاسة البصر - من قيود الزمان والمكان وبطش الإنسان. تمتلك صوتاً تدرّب على لهجة معينة، ومصطلحات معينة وضحكة مميزة تُحاكي ما يمكن أن يكون لفتاة دمشقية في بيئة محافظة زمن الوحدة. وكلّ هذا على مبدأ: "لست ممثلة فحسب. أنا من تقمصت ميرامار ولَبِسْتها وأحببتها وأحبتني للدرجة التي حرمتني بها النوم فمنحتها حالة العشق. العشق الإلهي أولاً.. والبشري الفني ثانياً".

أتذكر أنني قرأت مرة أنّ وراء  كلّ مشهدٍ جعلنا مبهورين ومصفقين ومتسائلين إن كان واقعيًا كما شعرنا أم أنه لا يخرج من نطاق التمثيل والخيال؟ وراء كلّ مشهد كهذا كواليس صعبة وشاقة. استرجعت هذه العبارة عندما كوفئت بالعيش مع مشهد ميرامار وأخيها برهان في الحلقة عشرين عند عثوره عليها في حارات دمشق القديمة. حينها اكتشفنا أنهما توأم، وأنها فقدت بصرها قدرياً بسببه، وأنّهما حقاً الأخوة الأعداء؛ فأصبحتُ بعدها متأكدة أن (جوان خضر) وبرهان قطان واحد لا ينفصلان، وأنّ سلاف تمتلك من الصدق والاحتراف ما جعلها تتمتّع بهذا الأداء الخارق والقدرة العالية على تقمّص الدور باحترافية تنافس الممثلتين: الإسبانية (بيلين رويدا)، والأمريكية (جيسيكا ألبا) اللتين قدّمتا فيلمي (Julia's Eyes)، و(The Eye)، إن لم تتفوق عليهما، وتتوازى في رومانسيتها مع خط الجميلة (نجلاء فتحي) في ثنائياتها مع محمود ياسين؛ وتصنع حالة شبيهة بما فعلته سندريلا الشاشة (سعاد حسني)، ولا تشبه في المحصلة إلّا نفسها؛ ممّا جعل جوان أمام تحدّي حقيقي لإثبات موهبته بحضور من وفّرت لمعاهد التعليم المسرحي وفنون التمثيل مادة خصبة تصلح للتدريس في سنة التخرج الأخيرة لشدّة ما بها براعة ومهارة وإتقان.

 ولا يمكن التجاوز عن فكرة أن الإيمان بالوجوه الشابة الجديدة إلى حدٍّ ما كان أحد أهم عناصر نجاح العمل، ونذكر المثيرة للإعجاب (علا سعيد) التي أدّت دور شمس بائعة الهوى في تياترو ستيلا، و(ريام كفارنة) التي أدّت دور سارة الفنانة التشكيلية وابنة برهان، و(خالد شباط) الذي أدى دور تيم طبيب الأطفال ابن أخ مراد والعاشق لسارة، و(سماح سرية) وهي سمر الأخت الصغرى لسماهر اللاهثة وراء حبّها بتمثيل عفوي يُشاد به، وحبيبها جواد الذي أدى شخصيته (همام رضا) الرائع حقاً باهتمامه بالتفاصيل وتشرّبه للدور، و(مصطفى المصطفى) الذي أثار إعجابنا بدور كرمو الصبي المرافق لسماهر، وأخيراً وليس آخراً (حسام سلامة) الذي مثّل بشكلٍ مقنع نعمان كحل الليل في مرحلة الشباب.

وفي الوقت عينه لا يمكن أن نغفل القيمة العالية المضافة من أسماء قديرة رفعت سوية المسلسل كالمذهل (دريد لحام) الذي ينتظر الجميع حركة بسيطة من يديه أو نظرة مؤثرة من عينيه؛ وإن أتى كضيف شرف في ثلاث حلقات تقريباً فقد منح (شارع شيكاغو) نكهة مختلفة ضاعفت من أهميته لدى القنوات التلفزيونية، ولدينا كذلك الأمر، والمذهلة حدّ السعادة (انطوانيت نجيب) التي لم يعيق تقدمها في السن من استمرار إبداعها، والقدير (رضوان عقيلي) الذي - ورغم ظهوره المحدود - ترك تأثيراً طيباً لاحقاً لكلّ مشهد أدّاه بطريقة غير متكلفة. وفي المقابل بدا بعض الممثلين بشكلٍ نمطي وممل ومكرر خاصة من ناحية (الإيفيهات) المستخدمة؛ وكأننا أمام مشاهد منسوخة وملصوقة على مدار الحلقات كالذي حصل مع (تيسير إدريس) الذي شكّلت شخصيته عبئاً على القصة هو وزوجته (إيمان عبد العزيز)، فصار المتفرج ينتظر مرور مشاهدهم للغوص في خطٍّ آخر أكثر جذباً من خطّ عائلة مطر.

أحتاج أن أشيد بالجميل (عباس النوري) الذي غاص في عمق النص وصنع للدور حوافاً إنسانية من ناحية الأداء والأدوات والصورة الخارجة عن النمطية، والتي طبعت في أرواحنا إحساساً بحالة الجنون العشقي؛ خاصة في المشاهد التي جمعته بميرامار المُتخيلَة في ذهنه على صورة أم كلثوم، فلا قبل صوتها ولا بعده، ولا أنثى تحلّ مكانها من كلّ نساء الأرض، وإن كانت تلك المرأة سماهر التي أطلق عليها برهان اسم ميرامار. سماهر التي أضحكتنا في محلّات كثيرة فهذا ملعب السيدة (أمل عرفة)؛ وإن كنت آمل لو غاصت أكثر في عمق الشخصية ولم تكتفِ بالاستعراض الكوميدي الذي تتقنه بشدّة، دون أن ننكر أن عدد من مشاهدها سيبقى مطبوعاً في الذاكرة لعمرٍ طويل.

وقبل أن أختتم الجزء الثاني من هذه الدراسة عليّ أن أنوه إلى أنّ حوار المسلسل قد نُسج – في محلّات معينة - بخيوط فتاة عاشقة؛ الأمر الذي يؤكد فرضية فتح المسلسل لبوابة نهضة درامية سورية جديدة كما ذكرت في الجزء الأول، وأنّ ميرامار - التي تجلّت ورأت بفضل انكشاف بصيرتها حقائق الأمور وبواطنها في ظلّ التطرف الأعمى الذي اكتفى بسطحيات القصص - باتت لغزاً حان موعد حلّه بعد خمسين عاماً، وأعتقد أن أسلوب الحل المترافق مع النهاية سيكون رائعاً كما المفاجأة التي أذهلتنا بها سلاف فواخرجي بغنائها لمجموعة من الأغنيات المختارة بعناية الحكيم، ما يُعدّ نقطة ضوء تُحسب لمحمد عبد العزيز الذي لم يجد إحساساً أهم من تلك التي فتح الله في روحها عيناً لا يمنحها في مقام العشق إلّا للأولياء؛ فتسلّحت بالقوة القدسية الآتية من القدّوس.. تلك التي فتحت أمامها دروب النور؛ وإن عاشت في الظلام للأبد يكفيها انكشاف حجابها بهداية الحق، وأنّها مهما حصل لا تموت.

الكاتب

ياسمين حنّاوي كاتبة وروائية

الكاتب:ياسمين حنّاوي

  • للمشاركة