Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

شارع شيكاغو وقصة الحب الآكلة للزمن (1-3)

6668
news room August 21,2020

ياسمين حنّاوي :

بالنظرِ إلى الحبّ الذّي اعتبره الإغريق الركيزة الأساسية – إن لم تكن الأولى – من ركائز الفلسفة؛ وبالإنصات إلى مفهوم فاعلية "النظرة الأولى" في التأسيس لمجموعة مشاعر عاطفية تؤدي في المحصلة إلى تشكيل روحٍ واحدةٍ في جسدين؛ رأيتُ واستمعتُ وتناولتُ قصة المسلسل السوري المثير للجدل – حتى قبل عرضه – "شارع شيكاغو".

وقبل التعمق تحليلاً وتفنيداً في تفاصيل هذا العمل الدرامي؛ دعوني أخبركم أيها القراء الأعزاء أنّني لم أفوت تقريباً حرفاً واحداً كُتب ونُشر عن المسلسل حتى تاريخ كتابتي لهذا المقال ولم أطلّع عليه، وأحيطكم علماً بأنه سيتم نشر الدراسة الخاصة بشارع شيكاغو على ثلاثةِ أجزاء؛ أفتتحها بالإفصاح عن رأي مبدئي بعد عرض تسعة عشر حلقة؛ هذا الرأي الذي قد لا يُعجب الكثيرين ممن هاجموه بحنقٍ وغضبٍ وسطحية مدفوعة بالتسرع أو رفض الآخر فقط لأنّ أفكاره لا تُمثّلهم في أي شيء، فمن وجهة نظر نقدية نرى أن المسلسل يؤسس لمرحلة درامية حديثة بالعموم تختلف عن كل ما سبقها من أعمال هبَطَت وتراجعت عن القمة التي وصلنا إليها كسوريين في مجال الدراما ما قبل حرب العقد الأخير.

والمقصود بالحداثة هنا: التأسيس لتبني نصوصٍ جريئة ومختلفة ابتداءً من النقطة الأولى في التمهيد للشخصيات، وحتى كلمة النهاية في الحلقة الأخيرة، ولا أعني بالجرأة تلك المستندة على أهدافٍ تجارية بحتة، بل العاكسة للواقع، والفاتحة لبوابة البحث والتأريخ والغوص في أحياء دمشق (العاصمة الأقدم تاريخياً) شارعاً شارعاً، وزُقاقاً زقاقاً وصولاً إلى المنطقة الواقعة وراء سينما الأهرام وقبل جسر فيكتوريا وتحديداً "شارع بورسعيد" الذي كُنّي بهذا الاسم ما بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وهنا يلعب (محمد عبد العزيز) مؤلف ومخرج العمل على وتر الخيال الإبداعي بخلقه قصة خلّاقة تُعتبر الابن البكر لحارةٍ بسيطة ربما، أو صغيرة المساحة حتى. مُرتكزاً على فكرة أننا لسنا بحاجةٍ إلى الأسماء المعروفة للشوارع كي تكون جزءاً من رواياتنا وأفلامنا ومسلسلاتنا، فالمغزى يكمن في الاستفادة من الواقع التاريخي الذي يحتله مكانٌ احتضن النادي العربي تماماً كما احتضن الملاهي الليلية، وشهد المشاجرات التي قد تصل إلى درجة ارتكاب جرائم القتل في بعض الأحيان تماماً كما شهِد أول مؤتمر سوري عام بتاريخ حزيران 1919 ما بعد الاستقلال عن الدولة العثمانية وإعلان المملكة السورية العربية.

نفسها الدولة التي تركت في وطننا آثارها الفكرية المتطرفة مُمثّلة بالتشدد الديني والعدوان العاطفي والمادي على المتحررين والليبراليين وغيرهم من أبناء المجتمع؛ المشكلين لفسيفساء شبيهة بمرايا "شارع شيكاغو" الراصد لمرحلتين زمنيتين يفصل بينهما خمسين عاماً. الأولى في زمن الجمهورية العربية المتحدة عام 1959، والثانية في سوريا التطور والتحديث عام 2009.

ولأغراض الدراما التشويقية جاءت شخصية "ميرامار" المنسوجة بخيوط الخيال والمعرفة، والمبنية بذهنية التواصل والذكاء الاجتماعي؛ لتُشابه في عمقها شخصيات سينمائية اعتُبرت الأكثر تأثيراً في العالم ك (هان سولو)، و(هاري بوتر)، و(أنتوني مونتانا)، وأعتقد بأنّ هذا سبب موافقة الفنانة سلاف فواخرجي على تأدية هذا الدور المصنّف على أنّه غاية في الصعوبة؛ إذ لم تكتفِ بتمثيل شخصية الفتاة الكفيفة الشغوفة بالغناء والرومانسية كما يعتقد البعض، بل استخدمت كلّ ما يمكن أن يملكه بشري من أدوات كي يخرج لنا بحالة شعورية لإنسانة تستند في حياتها لبصيرتها القوية. ترى أكثر ممّا نرى، وتحسّ بأضعاف ما نحسّه. درّبت حواسها الباقية كي تعوض الظلام المادي المحيط بها.

هالةٌ من نور ومحبة تُرافقها في قراراتها المجنونة تارّة، جنباً إلى جنب مع إيمانٌ مطلق برعاية الله الذي تجمعها فيه علاقة عشق إلهي لا تُماثلها علاقة أخرى، وهاأنذا أتذكر مقولة: "ثمّة من يعبد الله بالصلاة، وآخر يعبده بالصيام، وفئة ثالثة تتقرب منه بالرقص"؛ وهذا ما حصل مع عفاف قطّان التي ما إن تدور حتى تنفصل عن الكون بكليّته مستجلبة روح والدتها وموسيقى الرب المُسيّر لكافة أمور حياتها لاسيما وإن جاء بصيصُ ضوء متخللاً تلك الأمور عبر البطل مراد عكاش المناضل بقلمه، والمشاغب بتصرفاته، والعاشق حتى الثمالة من النظرة الأولى كما ذكرتُ في بداية المقال.

عارفةٌ ومغرمة وصاحبة حدس لا يُخطئ، ولا ريب أنّه في فنون التمثيل تكاد تكون شخصية الأعمى هي الأكثر صعوبة بلا منازع نظراً لما تتطلبه من جهد فكري ومتابعة رصينة لتقديمها بتعقيداتها المتنوعة من أجل عكسها كما هي بعيدةً عن الهشاشة وقريبة من البصيرة في ممارسة الحب (الأعمى كذلك الأمر)؛ وتتجلّى تلك البصيرة في عدم تعثرها على الطريق، بحفظها للروائح، وتخيلها للأشكال والألوان، وحتى في تجربتها لاستخدام الكاميرا. لم تُوقف إعاقة البصر من طموح عفاف العاشقة للغناء ومن احتضان خطواتها لأحجار شارع شيكاغو فقط لأنه المكان الذي يعشقه حبيبها. وبذا أستطيع القول أن سلاف بدت الناقلة الصادقة لكينونة الأعمى ووجوده في الحالات المجتمعية المختلفة، وميرامار هي بطلة الدراما العاطفية والإثارة في نص المسلسل - الذي تعود فكرته للباحث والمفكر التربوي السوري الراحل برهان بخاري-

فحَولها تدور محاور الزمنَين، ومن أجل جريمة قتلها ومحاولة اكتشاف حصولها من عدمه تدور بقية القصص وتتشابك الأحداث بذكاء وتكثيف مشهدي تارةً وبإدخال بعض المُتفرّجين في متاهات لا معنى لها أحياناً عبر تشتيت تحليلهم بمشاهد وثائقية حقيقية لتلك المرحلة تارةً أخرى؛ ورغم إعجابي الشديد بسينوغرافيا المسلسل إلّا أنّه لا بدّ أن أُشير لبعض السقطات التاريخية البادية في ديكورات العمل، ففي الوقت الذي تشهد فيه دمشق زيارة البطل الكوبي المناضل تشي غيفارا في يونيو 1959، يعود مراد عكاش ليشاهد جدته تتابع عرضاً عسكرياً بمناسبة عيد الثورة على شاشة التلفزيون، علماً بأنّ التلفزيون دخل سوريا في يوليو 1960 أي بعد ذلك بعامٍ كامل!! كما يظهر في ملصقات الأفلام الظاهرة وراء الممثلين والتي لا تتوافق فترة إنتاجها مع المرحلة التي يصورها المسلسل وأذكر على سبيل المثال لا الحصر فيلم الحب الكبير الذي تمّ إنتاجه في عام 1969!!

ورغم ذلك فأنا لا أنتقص من حلول محمد عبد العزيز الإخراجية، ولغته السينمائية، والإثارة التي نجح في تشكيلها على مدار حلقات العمل، مع مشاكل مونتاجية طفيفة جداً لن يلحظها الكثير من المتابعين، لاسيما وإن لحقت عيوننا بكاميرته الرشيقة وهي تجوب أركان المكتب الثاني أو لنقل نواة جهاز المخابرات السورية بإمرة "السلطان الأحمر" عبد الحميد السراج، وفيه يظهر برهان قطان الأخ العدو لعفاف ويؤدي شخصيته (جوان خضر)، هذا الدور الذي أظهر فيه كفاءته وإبداعه وسيطرته على التفاصيل متبنياً إياه للأقصى بلغة الجسد ونبرة الصوت والعيش المشترك مع شخصية الضابط الممتلئ بالعُقد.

وحرّي بالذكر الإشارة للواقعية الشديدة في تسليط الضوء على بقايا الإخوان العثمانيون في شخصيات فايز قزق وحسام الشاه، ومهاجمتهم للشارع مطالبين بإغلاقه مراراً وتكراراً، في دلالةٍ على الروح السلطوية التي يتمتع بها ذوو الفكر المتطرف، وفي المقابل يردّ عليهم أصحاب محلات شارع شيكاغو بمواقف مفادها أن (الشام تتسع للكلّ)، لستيلا اليونانية صاحبة التياترو والتي صنعتها شكران مرتجى بموهبتها الفذة وإبداعها غير المنقطع، وجورجيت المترجمة الأسبانية اليهودية (نظلي الرواس) التي لا يختلف على إضافتها لكلّ دورٍ تُقدّمه اثنين، والعديد من الشخصيات الأخرى المكتوبة بعناية شديدة على مبدأ التعرف على الإنسان وشرح أفعاله ودوافعه التي ستقودنا لاحقاً لتتبع الحدث وفهمه دون نمطية باتت تشوب العديد من السيناريوهات في الآونة الأخيرة.

عمدت ورشة كُتاب شارع شيكاغو إلى الاهتمام بالعمر والجنس والانطباع السائد والمظهر الخارجي والتعبيرات الكلامية لكلّ بطل على حدا، وأذكر هنا شخصية "سماهر" التي أدّتها الاسم البارز في عالم الدراما السورية أمل عرفة، وهي من تعرضت لمشاكل أسرية تمثلت في تزويجها وهي صغيرة فانفجرت وتبلدت حسياً وتمّسكت بلازمة (لاحقين نموت)، وأخيها المقدم يوسف (وائل رمضان) الذي رغم اقترابه من حافة الموت ومعاناته الشخصية والمهنية يصرّ على تتبع خيوط الحكاية بحنكة وصدق وجهاد قلّ نظيره.

ما زال العمل مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فإمّا أن يستمر في سياقه التصاعدي إبداعاً وإبهاراً وتشويقاً وصولاً إلى حلّ كل العقد وعلى رأسها (أين ميرامار؟)، ويؤدي كافة الممثلين أدوارهم كصُنّاع وشركاء لا مجرّد مؤديين، فعنصر ناجح واحد لا يكفي للحكم النهائي على النتاج الفني ككل. أو أنّ يسقط في فخ الحشو والملل والتطويل وهذا ما لا نرجوه من مسلسل نأمل أن يستكمل رسمه لخارطة الدراما السورية الحديثة بأسمائها اللامعة، ومواهبها الجديدة الذين سأتطرق لهم في الجزء الثاني من الدراسة، وحتى ذلك الوقت أترككم مع الأجواء الموسيقية التراثية المجاورة لقصص الدمشقيين في الستينيات. أترككم مع مشرب أم رياض، وسينما الدنيا الشاهدة على قصة حب أكلت وستأكل الزمن بصورها وعلو أنفاس أبطالها لما يزيد عن قرنٍ إلى الأمام.

الكاتب

ياسمين حنّاوي كاتبة واعلامية

الكاتب:ياسمين حنّاوي

  • للمشاركة