Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

شعبية أميركا في العالم بلغت الحضيض في عهد ترامب

2106
news room September 21,2020

مفيد الديك

منذ أن تولى دونالد ترامب منصبه كرئيس للولايات المتحدة في العام 2017، تأثرت صورة الولايات المتحدة في العديد من مناطق العالم سلبا. وكما يوضح استطلاع جديد لمركز بيو للأبحاث الأميركي (Pew Research Center) الذي يحظى بالاحترام داخليا وخارجيا، شمل 13 دولة، فإن سمعة أميركا قد تراجعت بصورة غير مسبوقة خلال العام الماضي بين العديد من الحلفاء والشركاء الرئيسيين للولايات المتحدة. وفي العديد من هذه البلدان، انخفضت نسبة الجمهور التي تنظر بصورة إيجابية للولايات المتحدة أكثر من أي وقت منذ أن بدأ مركز بيو في إجراء استطلاعات الرأي العالمية حول شعبية الولايات المتحدة في العالم منذ ما يقرب من عقدين من الزمن. اللافت في الأمر أن هذا التراجع الهائل في شعبية الولايات المتحدة يتحقق رغم الميزانيات الضخمة التي تخصصها الولايات المتحدة لبرامج الدبلوماسية العامة التي يقصد منها أساسا تحسين صورة الولايات المتحدة عالميا.

فحسب الاستطلاع الأخير لمؤسسة الأبحاث الأميركية الذي نشرته قبل أيام فقط، فإن 41٪ فقط من سكان المملكة المتحدة، التي تعتبر تاريخيا الحليف الأقرب للولايات المتحدة في العالم، يعبرون عن رأي إيجابي تجاه الولايات المتحدة، وهي أقل نسبة مسجلة في أي استطلاع لمركز بيو للأبحاث هناك في التاريخ. وفي فرنسا، التي تربطها أيضا علاقات إيجابية تاريخية مع الولايات المتحدة، يرى 31٪ فقط الولايات المتحدة بشكل إيجابي، وهي نسبة تساوي النسبة القاتمة السابقة التي سجلتها صورة الولايات المتحدة في آذار/مارس 2003، في ذروة التوترات بين الولايات المتحدة وفرنسا بشأن حرب جورج بوش على العراق. أما الألمان فقد كانوا أشد قسوة على الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب في الاستطلاع: 26٪ قيموا الولايات المتحدة بشكل إيجابي، وهي نسبة قريبة من النسبة التي سجلت في ألمانيا للولايات المتحدة، 25٪ في نفس استطلاع آذار/مارس 2003.

حسب الخبراء الذي أجروا الاستطلاع، وهو استطلاع سنوي للمركز منذ 20 سنة، يرتبط جزء من التراجع في صورة الولايات المتحدة عالميا خلال العام الماضي بكيفية تعامل الولايات المتحدة مع جائحة فيروس كورونا. ففي الـ 13 دولة التي شملها الاستطلاع، قال متوسط ​​15٪ فقط إن الولايات المتحدة قامت بعمل جيد في التعامل مع تفشي هذا الوباء. وفي المقابل، يقول معظمهم إن منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي قاما بعمل أفضل بكثير من إدارة ترامب. وفي جميع الدول الـ 13 التي شملها الاستطلاع، أعطى مواطنو هذه الدول لبلدانهم في المجمل علامات إيجابية على التعامل مع الأزمة (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كانتا استثناءين ملحوظين). وتعتقد نسب ليست كبيرة أن الصين تعاملت مع الوباء جيدًا، على الرغم من أنها حصلت على تقييمات أفضل بكثير من تقييمهم للولايات المتحدة في تعاملها مع الوباء.

الملاحظ في استطلاع الرأي الأخير لبيو هو أن أرقام شعبية الولايات المتحدة انخفضت بشكل غسر مسبوق في السنوات الأربع الماضية، أي منذ بداية عهد ترامب في هذه الدول، وطوال فترة رئاسته، ويستمر هذا الاتجاه هذا العام. وجاءت أكثر التقييمات السلبية لترامب من بلجيكا، حيث قال 9٪ فقط إنهم يثقون في الرئيس الأميركي للقيام بالشيء الصحيح في الشؤون العالمية. وكان أعلى تصنيف له في اليابان، مع أن ربع اليابانيين فقط أعربوا عن ثقتهم في ترامب.

لطالما كانت المواقف تجاه ترامب أكثر سلبية من تلك تجاه سلفه، باراك أوباما، بل وحتى سلف سلفه، الرئيس بوش الابن الذي سجلت أرقام الولايات المتحدة في عهده أيضا انخفاضا ملحوظا لكنها لم تكن بهذا السوء أبدا كما هي في عهد ترامب، وخاصة في أوروبا الغربية. ففي المملكة المتحدة وإسبانيا وفرنسا وألمانيا، تتشابه تقييمات ترامب، وهي قريبة من تلك التي حصل عليها بوش الابن قرب نهاية فترة رئاسته. ولكن ذلك كان عائدا في غالبيته للحرب المدمرة التي شنها بوش على العراق في 2003 دون أي مسوغ قانوني دولي وتقريبا رغم بقية العالم.

والأسوأ لترامب في هذا الاستطلاع هو أن الجمهور العالمي الذي شمله الاستطلاع ينظر إليه بصورة أكثر سلبية من عدد من قادة العالم الآخرين. من بين القادة الستة الذين شملهم الاستطلاع، حصلت أنجيلا ميركل على أعلى الدرجات: فنسبة 76٪ من سكان الدول التي شملها الاستطلاع يثقون في المستشارة الألمانية. كما حصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تقييمات إيجابية إلى حد كبير. تقييمات رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون جاءت منقسمة تقريبًا. وكانت تقييمات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ سلبية بشكل كبير، وإن لم تكن بالسلبية التي بلغها بترامب.

ما لاحظه خبراء الاستطلاع، وإن لم يكن مستغربا في الواقع، هو أن وجهات النظر تجاه ترامب جاءت أكثر إيجابية بين الأوروبيين الذين لديهم وجهات نظر مؤيدة للأحزاب الشعبوية اليمينية في بلدانهم، على الرغم من أن الثقة به ظلت منخفضة نسبيًا بين جميع المجموعات الأخرى من سكان ذات البلد. على سبيل المثال، لم يكن مستغربا بشكل خاص أن ينظر مؤيدو حزب فوكس الإسباني اليميني المحافظ إلى ترامب نظرة إيجابية: 45٪ أعربوا عن ثقتهم في قدرته على التعامل مع الشؤون الدولية، مقارنة بـ 7٪ فقط بين بقية الإسبان الذين لا يؤيدون هذا الحزب اليميني. 

باختصار، يُظهر الاستطلاع الحالي انخفاضًا كبيرًا في تقييمات شعبية الولايات المتحدة عن ما كان عليه الحال العام 2019. وشهدت اليابان أكبر انخفاض، حيث أعرب 41٪ فقط عن رأي إيجابي في الولايات المتحدة بشكل عام في العام 2020، مقارنة بـ 68٪ في العام 2019. (رأي اليابانيين في ترامب شخصيا هو أقل بكير، 25% فقط يثقون بترامب). وشهدت كل دولة أخرى شملها الاستطلاع في كلا العامين انخفاضًا بنسبة بين 12 و 18 نقطة مئوية عن العام السابق.

ويقول مركز بيو إن "وجهات النظر تجاه الولايات المتحدة بشكل عام تسير متناغمة مع الثقة في الرئيس الأميركي عادة." ويضيف المركز أن "وجهات النظر الإيجابية تجاه الولايات المتحدة انخفضت بشكل حاد في العام 2017 خلال السنة الأولى من عهد ترامب وانخفضت بشكل أكبر في كل دولة شملها الاستطلاع في كلا العامين اللاحقين باستثناء إسبانيا." 

ويخلص المركز إلى القول إن "الآراء الإيجابية في الولايات المتحدة الآن هي عند أو بالقرب من أدنى مستوياتها على الإطلاق في معظم البلدان التي تتوفر فيها هذه الاتجاهات."

ختاما، مسألة شعبية الولايات المتحدة في العالم هي مسألة مهمة توليها الحكومة الأميركية أهمية خاصة منذ الحرب العالمية الثانية، إذ أقدمت واشنطن بعد هذه الحرب مباشرة على إنشاء العديد من المؤسسات الإعلامية الأميركية التي تشرف عليها الحكومة الأميركية بصورة مباشرة كصوت أميركا ووكالة الإعلام الأميركية والآن تلفزيون الحرة وراديو سوا وإذاعة أوروبا الحرة وغير ذلك مما يسمى ببرامج الدبلوماسية العامة. والهدف من هذه البرامج هو الحفاظ على صورة إيجابية للولايات المتحدة عبر العالم لأن ذلك يسهل عليها تنفيذ برامجها الدبلوماسية والسياسية، بل والعسكرية الأخرى، عبر العالم. وتبلغ ميزانية الولايات المتحدة التي تخصصها لهذه البرامج سنويا ما لا يقل عن ملياري دولار. وإذا كانت شعبية الولايات المتحدة قد بلغت الحضيض في السنة الماضية حتى لدى شعوب أقرب حلفائها، فماذا سيقول دافع الضرائب الأميركي عن هذه الإنفاقات الكبيرة للحكومة الأميركية التي لم تأت بأي طائل؟؟

 

 

 

الكاتب

مفيد الديك إعلامي ودبلوماسي أميركي سابق.

الكاتب:مفيد الديك

  • للمشاركة