Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

صدام الأديان، حروب تدميرية مستدامة

2047
news room July 8,2020

 

سامي كليب: يُمكن الجزمُ اليومَ بأن الدينَ هو بارود الشعوب، ذلك أن تأويلاتِه المتعددة والمتناقضة، وقناعة كل أهل مذهب او دين بأنهم منتصرون، أبعدته عن جوهره، وجعلته مادة لحروبٍ ستكون طويلة وتدميرية، ذلك أن كل طرف يعتقد بأن رسالته السماوية هي الأصدق، وأنّ لا سبيلَ لنصرها سوى بتدمير الآخر.

 

لا ضرورة للعودة الى النظريات الكبرى لصراع أو تلاقي أو صدام أو تنافر الحضارات، فلا صامويل هانتغتون هو مخترعها، خلافا لعمليات الترويج المقصودة التي كادت تجعلنا نُصدّق أنه أول من أطلق مفهوم " صراع الحضارات"، ولا هذه الصراعات وليدة العصر، كي نجزم بأن لا أحد بحثها سابقا. فالبروفسور  الأميركي المتخصص بالعلوم السياسية ( المتوفّي عام ٢٠٠٨)، كان حظُه بالترويج مثلا أكبر بكثير من عالِم الاجتماع والدراسات المستقبلية المغربي المهدي المنجرة الذي سبقه الى فكرة " الحرب الحضارية" وصراع الحضارات، لا بل ان هانتغتون نفسه استشهد به.

 

لا ضرورة للعودة الى النظريات التاريخية او المعاصرة اذا، طالما أن الحاضر واضحٌ كعين الشمس. نعم نحن في صلب صراع الأديان، الذي يتخطى بمخاطره كل الصراعات السابقة، والجميع مسؤول عما ستؤول اليه حياتنا من دمارٍ في العقود المقبلة، ما لم نعد الى الحوار وقبول الآخر وإيجاد قواسم مشتركة تنقذ الإنسانية، وما لم تنتقع إسرائيل بأنها لا تستطيع الانتصار على أحزاب وتيارات تعتمد مثلها تماما على يقين الانتصار من مفهوم ديني.  

 

هذه بعض الظواهر :

 

·    لم تعرف إسرائيل في تاريخها هذا الانحراف الكبير نحو الدين، حيث صارت للمتدينين سيطرة كبيرة على الجيش والمدارس والمجتمع، وما عاد رئيس حكومة قادرا على تشكيل حكومته بدونهم، ما دفع الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية الجنرال شلومو غازيت الى القول :" ان الجنود المتدينين يذكرونني بالولاء المزدوج للضباط في الجيش النازي". ذلك ان الضباط والجنود المتدينين لا يؤمنون بالديمقراطية ويعتبرون ان الحاخامات هم مرجعيتهم وليس المسؤولين السياسيين او العسكريين. أما الحاخامت والمتدينين في المجتمع، فيقينهم برسالتهم الدينية تجعل مهمتهم الوحيدة هي زيادة تطرف الحكومات في سرقة الأراضي وقتل من يعترض.  

نشر فريقُ الأبحاث " مولاد" تحقيقا في العام ٢٠١٧، كشف فيه طغيان التعاليم الدينية على المدارس والنظام التربوي، فأكد : " أن دروس التربية اليهودية تتلقى مساعدات من الدولة أكثر ب ١١٩ مرة من تلك المتعلقة بالديمقراطية والتعايش"، ناهيك عن الجمعيات الدينية اليهودية التي فرّخت كالطحالب في السنوات الماضية.

في مؤشر آخر على هذا الأمر، يقول تقرير لمنظمة  التعاون والتنمية الاقتصادية الدولية OCDE: ان ١٤ ساعة من التعليم في إسرائيل مخصصة أسبوعيا للدين، أي أكثر بثلاث مرات ونصف عما هو في أوروبا، فكيف لا يقول وزير التربية السابق رافي بيريتز " أننا نعود اليوم الى مرحلة النبوة في ارض إسرائيل بحيث تكون التوراة مكان الجامعات"  ( راجع مجلة لوبوان الفرنسية 13.08.2019)  .

 

·    في أميركا التي عرفت مرحلة "التبشير الايديولوديني" ( أي الأيديولوجي-الديثني) بشكلها النافر والدموي مع جورج بوش الابن الذي رفع شعار "الخير" و" الرسالة الإلهية" قبيل غزو العراق، فقد استعادت هذا المفهوم ولكن بشكل أعمق وأخطر، مع وصول الرئيس دونالد ترامب الى السلطة محمولا على اكتاف الطبقة المؤمنة بتفوق العرق الأبيض، ولكن المؤمنة أيضا بتناغم مصالح دينية مسيحية يهودية في طريق قيامة الهيكل في إسرائيل. شيئا فشيئا بدأ مفهوم " الانجيليون الصهاينة" يحل مكان " المحافظين الجدد، ويثمر اعترافا بالقدس عاصمة ابدية لإسرائيل وتشريع الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري وصولا الى  الضم الحتمي للضفة الغربي وغور الأردن.

في كتابه " حروب سورية" يُفنّد السفير الفرنسي السابق ميشال ريمبو بعمق ومعلومات وجرأة كبيرة، الأفكار المؤسِسة لهذا النزوع الديني التبشيري عند المحافظين الجدد، وتطوره صوب الارتباط العضوي بالأفكار التوراتية الصهيونية ،وذلك منذ قال شاييم وايزمن ( الذي أصبح اول رئيس لإسرائيل) في مؤتمر فرساي عام ١٩١٩ :" ان التوراة دستورنا" حتى اليوم

·    في ايران الحديثة التي اعادت صياغة سياستها الخارجية على مفاهيم دينية منذ الثورة الإسلامية برفعها شعار " لا شرقية ولا غربية وانما جمهورية إسلامية" ( قبل ان تعود الى التحالف مع روسيا) ، نجد أيضا أن هذا النزوع الديني هو في أساس العديد من التوجهات الكبرى في السياسة الخارجية، فهي  تُسمي اميركا " الشيطان الأكبر" و "دولة الشر" وغيرها. لكن الأهم من هذا هو ان فلسطين نفسها تظهر هنا من منظور ديني محض .

في كتابه الحامل عنوان " الولي المجدد" يقول الشيخ نعيم قاسم نائب أمين عام حزب الله مسألتين مهمتين:

+ أولا، هو ينقل عن الأمام الخامنئي قوله :" ان اميركا هي ضد الإسلام وليست ضد ايران"  وانها عجزت عن النصر بفضل :" متانة وصلابة هذا البناء وبسبب قيامه على مبدأ الأيمان بالله، وان الذين ساروا على هذا الدرب انما قاموا بعمل إلهي"  

+ ثانيا : ان المُرشد علي الخامنئي يقول ان " قضية فلسطين هي قضية عقيدة قلبية وايمانية"  وان اليقين الديني هذا يدفع الولي الفقيه الى القول :" فلسطين سوف تتحرر، ولا يخالجنكم أي شك أو شبهة في هذا الخصوص". ويقول الخامنئي بوضوح ان تحرير فلسطين :" تكليف ديني وتكليف إسلامي ، فالقضية قضية دينية واعتقادية".

 

·    عند حزب الله، يبدو هذا اليقين الديني الإيماني كبيرا أيضا ومرتبطا كذلك بالولي الفقيه، لا بل انه السندُ الغيبي الأول في الايمان بحتمية الانتصار على إسرائيل. وهنا أيضا يمكن العودة الى كتاب الشيخ نعيم قاسم " حزب الله- المنهج-التجربة- المستقبل) لنجد انه دائما ما يربط انتصار الحزب او نجاح التعبئة ب " انسجامه مع تعاليم الإسلام" ويقول :" ان الأصل-على أساس الارتباط بالدين-هو الاندفاع الى الشهادة وليس الهروب منها" . ولو راجعنا خطابات الأمناء العامين للحزب وفنّدنا بينها خطابات امينه العام الحالي، سنجد ان هذا المفهوم الغيبي حاضرا في الكثير من كلام النصر والحرب والجهاد وغيرها.  بهذا المعنى يُمكن أن نفهم شعار الحزب الشهير " الانتصار الإلهي".

·    اليقين الايماني نفسه هو المُحرّك الأول للتيارات الاسلامية المقاتلة في فلسطين من حماس والجهاد وغيرها، ولعل هذا ما جعلها أكثر بأسا من التيارات اليسارية السابقة رغم التضحيات الهائلة لهذه الأخيرة منذ ٧٠ عاما حتى اليوم.

 

ماذا يجمع بين هذه الأطراف ؟

 

رغم تناقضهم وانخراطهم في حروب كثيرة، الا ان هذه الأطراف أي إسرائيل والمحافظين-الانجيليين وايران وحزب الله والتيارات الإسلامية المقاتلة في فلسطين، يلتقون على فكرة غيبية ايمانية تقول بأننا حاليا نعيش مرحلة نهاية وتدمير إسرائيل، فالمسيحيون المتشددون الجدد ومعهم اليهود المتشددون يقولون ان قيام الهيكل يأتي بعد تدمير إسرائيل وان عودة السيد المسيح تكون ثمرة ذلك، والحزب وايران يعتبرون، دون الإفصاح علانية عن ذلك، ان هذه هي المرحلة المؤاتية للانتصار الإلهي النهائي.

منسوب هذا اليقين الديني يرتفع بصورة كبيرة عند الطرفين، ما يزيد كثيرا نسبة الصدام والحروب.

 

ولو وسّعنا الفكرة أكثر، سنجد دولا عالمية وإقليمية عديدة، تبني استراتيجيتها على هذا المفهوم الديني. أي اليقين الغيبي بالانتصار. فكم من مرة استخدم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان العبارات الدينية كجسر لسياسته الخارجية، كمثل انه يريد الصلاة في المسجد الأموي في دمشق، أو ان " القدس خط أحمر لمسلمي العالم"، ناهيك عن البيئة الايديولودينية التي يتحرك فيها ذات العمق الإخواني.

 

بهذا المعنى أيضا ، لا يُمكن فصلُ ظهورِ تيارات متشددة او إرهابية على الساحات العراقية والسورية واللبنانية في السنوات الماضية، الا من خلال استخدام الدين للانتصار على الآخر، رغم ان هذا الاخر هو مُسلم. لعل ثمة من رأى ان ضرب المحور الذي تقوده ايران لا يُمكن ان يتم فعليا الا من خلال نخر سوس البيئة التي تتحرك فيها بتيارات ترفع هي الأخرى شعار الإسلام السني. فكان الصدام السني-الشيعي الذي لم يخدم لا السنة ولا الشيعة. واللافت ان الطرفين صارا عند الغرب "إرهابيين".

 

لو بحثنا أكثر سنجد أيضا في المحور الشيوعي السابق، وفي مقدمه روسيا نفسها وبعض الجمهوريات وريثة الاتحاد السوفياتي، نزوعا نحو الأفكار الدينية. فموسكو اليوم تقدّم نفسها قائدة الارثوذوكسية في العالم ( ولا يخفي بوتين نفسه هذا التعلق الديني والايماني في حواراته مع المخرج الأميركي اوليفر ستون الذي نشر كتابا مهما يلخص هذه النقاشات)  ولذلك تتعرض الكنيسة الروسية الارثوذوكسية لضربات وانشقاقات مدعومة من خصومها، وثمة جمهوريات سوفياتية سابقة انتعشت فيها الحركات الإسلامية بشكل لافت، وبعضها ( مثل اوزباكستان انو الشيشان) ورّدت الآف المقاتلين المتشددين والإرهابيين الى العراق وسورية.  

 

لو أضفنا الى كل ما تقدّم، تنامي الاسلاموفوبيا ( الخوف من الإسلام) في الغرب وبعض الشرق ايضا، لكون المسلمين قد يصبحون أغلبية في بعض المجتمعات، ولأنهم بدأوا يطالبون بحقوقهم. ولو أضفنا اليه ثانيا تلاشي الأفكار الأخرى التي شغلت العالم عقودا طويلة من يسار وشيوعية واشتراكية وحركات قومية، ولو اضفنا اليه ثالثا أوضاعا اقتصادية مُحرجة في العالم، وانكفاء التيارات الثقافية المنادية بتلاقي وتلاقح الثقافات والحضارات، فلا شك أننا نكون في أخطر مرحلة عالمية، كل طرف فيها يعتقد بأن الزمن مناسب لانتصاره.

لا شك أن الكون يعيش حاليا على برميل بارود او قل على بركان، ومن المؤسف ان الشرق الأوسط والوطن العربي هو مكان التفكير الأنسب... فحين تتصارع الأديان، يُصبح من الصعب إيجاد قواسم مشتركة، واذا كانت بعض التيارات الدينية قد انكفات بالقوة مثل الاخوان المسلمين في مصر، او التيارات المتشددة في السعودية ( التي قمعها الأمير محمد بن سلمان)، او الإرهابيين الذين انهزموا مؤقتا،  الا ان الارتدادات محتملة في أي وقت.

في صراع الأديان لا أحد ينتصر، لان المتدين هو مقاتل انغماسي، لا يتراجع حتى يُقتل.

ولا شك ان إسرائيل وحلفاءها هم سبب ما وصلنا اليه، فلو طبقوا مفهوم السلام الحقيقي وقامت فلسطين بحدود معترف بها، لانتهت كل الصراعات ولما وصلنا الى صدام الأديان الذي يعاني منه المسلمون مرتين، الأولى لانهم هدفٌ للكثير من الدول الخائفة منهم او الطامعة بهم، والثاني، لانهم يتقاتلون بين بعضهم البعض، فيما كل الآخرين مستفيدون من صراعهم.

لا يُمكن انقاذ العالم، بما فيه وطننا العربي، الا بحوار حقيقي وعميق بين الثقافات الحضارات والاديان، ومن الأفضل ان نبدأ بداخل مجتمعاتنا قبل ان نطلب من الشرق والغرب حوار.  

 

 

 

 

    

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة