Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

روسيا في عيد النصر: لولا الجيش الأحمر ماذا حلّ بأوروبا؟

972
news room May 9,2021

 سخاء حسن-موسكو

تحيي روسيا اليوم في  9 مايو/آيار   ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية ويسمى اختصارًا عيد النصر (بالروسية: День Победы). حيث يقام عرض عسكري في الساحة الحمراء في موسكو. وهو عيد وطني تحتفل فيه روسيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق باستسلام ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية . كانت حكومة الاتحاد السوفيتي أعلنت  عن استسلام ألمانيا في 9 مايو 1945، بعد أن تم الاحتفال بهذا الاستسلام في برلين. وأصبح هذا اليوم من كل عام يوما يحتفل به الاتحاد السوفيتي، ومن بعده روسيا بالانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وهي الحرب التي راح ضحيتها حوالي 27 مليون سوفييتي.

شارك فيه خلال الذكرة الخامسة والستين عام 2010 للمرة الأولى جنود من دول حلف شمال الأطلسي. ومر نحو عشرة آلاف جندي روسي في الساحة الحمراء إلى جانب نحو ألف عسكري من 13 بلد، بينها فرنسا وبريطانيا وبولندا والولايات المتحدة. وهي المرة الأولى التي تشارك فيها دول أعضاء في الحلف، الذي لا زالت ترى فيه روسيا تهديداً لأمنها.

في العام الماضي تم تأجيل الاحتفال بعيد النصر بسبب تفشي وباء كورونا ولكن لم يتم إلغاؤه لما يتمتع به هذا اليوم من أهمية كبرى لدى البلاد  وتم الاحتفال به لاحقا في 24 يونيووهو اليوم الذي تم فيه استعراض النصر التاريخي في عام 1945.  شارك في العرض العسكري الذي شهدته العاصمة الروسية موسكو ما يربو على 13 ألف من قوات الجيش الروسي. وأقيمت الفعاليات الاحتفالية في 28 مدينة روسية وهي المدن البطلة والمدن حيث تقع قيادات الدوائر العسكرية والجيوش والأساطيل الحربية. ووصل عدد من قادة الدول الأجنبية، إلى موسكو للمشاركة في الاحتفالات المكرسة للذكرى الـ 75 للنصر في الحرب الوطنية العظمى بينهم رؤساء أبخازيا و كازاخستان ، ومولدوفا وصربيا وأوزبكستان و بيلاروسيا وطاجيكستان و أوسيتيا الجنوبية .

استمرت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) والتي خلفت أكثر من 70 مليون ضحية، منهم 27 مليون من دول الاتحاد السوفياتي السابق. وقدمت روسيا في هذا المجال تضحيات جمة للانتصار على العقيدة النازية المتطرفة، التي أمعنت إجراما في العالم، وسببت ملايين الضحايا. كانت الجبهة الشرقية قد شهدت أكبر المعارك والاشتباكات العسكرية، وقد اتسمت تلك المعارك بالاستخدام غير المسبوق والمفرط للقوة، وقد نتج عن هذا دمار شامل أدى إلى حدوث تهجير جماعي، ووقوع خسائر فادحة بين الأفراد نتيجة للمواجهات التي أدت إلى حدوث مجاعات وانتشار الأوبئة والأمراض،إضافة إلى قسوة الأحوال الجوية.

بدأت الحرب العالمية الثانية  في الأول من سبتمبر من عام 1939 في أوروبا وانتهت في الثاني من سبتمبر عام 1945 ، شاركت فيها أو تأثرت بها الغالبية العظمى من دول العالم منها الدول العظمى في حلفين عسكريين متنازعين هما: قوات الحلفاء( الاتحاد السسوفيتي والصين والولايات المتحدة والمملكة المتحدة)، ودول المحور(ألمانيا وإيطاليا واليابان) وقامت  بعض الدول مثل سلوفاكيا والمجر وبلغاريا ورومانيا بدعم دول المحور بينما كانت الدول التي دعمت الحلفاء أكثر عددا وهي بلجيكا و أستراليا والدنمارك وكندا والنرويج ونيوزيلندا والهند وهولندا والبرازيل واليونان ويوغوسلافيا وجنوب إفريقيا وإستونيا وليتوانيا  ، تعد هذه  الحرب الأوسع في التاريخ، وشارك فيها بصورة مباشرة أكثر من 100 مليون شخص من أكثر من 30 بلدًا.

في 22 يونيو عام1941، قامت ألمانيا بغزو الاتحاد السوفياتي والتي سميت بعملية بارباروسا، ما أدى إلى إشعال الجبهة الشرقية وقد سجل هذا الغزو كأكبر غزو في التاريخ والذي كان بداية لأكبر دموية شهدها العالم، كانت الجبهة الشرقية من أوروبا الأكثر دموية في الحرب العالمية الثانية، وقد تم التوافق بين المؤرخين بأنها الأكثر كلفة من الناحية البشرية، والتي راح ضحيتها 30 مليون إنسان تقريبا والتي تعد أيضا أكبر التحام بري في الحرب العالمية الثانية. بعد بداية الغزو بنحو ثلاث شهور، قامت الجيوش الألمانية بضرب حصار شديد على مدينة لينينغراد والمعروف بحصار لينينغراد ، أصدر هتلر أوامره بأن تمسح مدينة ليننغراد عن وجه الأرض، فقام بقطع إمدادات المؤن الغذائية والمعدات الطبية للمدينة حتى حصلت مجاعة في البلاد، وفي أثناء ذلك ركز القصف الجوي والمدفعي على المدينة، أدى حصار لينينغراد لموت نحو مليون مدني تحت وطئته؛ 800 ألف منهم ماتوا بسبب المجاعة والحصار الذي استمر نحو 506 أيام .

إن الاتحاد السوفيتي(1941-1945) قد تحمل العبء الأكبر في الحرب العالمية الثانية لذلك بالنسبة للسوفييت فقد سميت الحرب الوطنية العظمى، كما أن أعداد القتلى من المدنيين السوفييت كانت أكثر من كل الدول التي مرت بها الحرب، تقريبا قتل نحو 27 مليون سوفيتي، منهم 20 مليون مدني قتلوا فقط في الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي، تم إحراق الكثير من المدنيين أو تم إعدامهم بدم بارد خلال احتلال الألمان للمدن، وذلك لاعتبارهم نصف آدميين في أيديولوجية الحزب النازي. قتل نحو 7 ملايين جندي من الجيش الأحمر في المواجهات مع الألمان وحلفائهم في الجبهة الشرقية، أما من جانب المحور فقد قتل لهم 6 ملايين جندي وذلك خلال المعارك أو تأثرا بالإصابة أو المرض أو المجاعة. بعض مئات الآلاف وصفوا كأسرى حرب وتم إعدامهم في المعسكرات والسجون السوفيتية.

انتهت الحرب في أوروبا بغزو الحلفاء لألمانيا، وسيطرة الاتحاد السوفييتي على برلين والاستسلام غير المشروط من قبل ألمانيا في 8 مايو( 9مايو بتوقيت موسكو) عام 1945 . وعقد بعدها مؤتمر بوتسدام قرب برلين، والذي صدر خلاله إعلان بوتسدام في26 يونيو 1945، وقامت الولايات المتحدة في 6 أغسطس و9 أغسطس من عام 1945بإلقاء قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي (على الترتيب)، تبع ذلك استسلام اليابان في 15 أغسطس.

غيرت الحرب العالمية الثانية الخارطة السياسية والعسكرية والبنية الاجتماعية في العالم، كما أدت إلى إنشاء الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي ومنع الصراعات في المستقبل، وأصبحت الدول المنتصرة في الحرب: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين والمملكة المتحدة وفرنسا أعضاء دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فيم برزت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كقوى عظمى على الساحة الدولية، وهذا ما مهد الطريق للحرب الباردة ، أما الدول الكبرى الأوروبية فقد تضاءل نفوذها، حيث بدأت حركات الاستقلال في آسيا وإفريقيا. اتجهت الدول التي تضررت الصناعة فيها إلى إصلاح وضعها الاقتصادي، أما على الصعيد السياسي، تحديداً في أوروبا فقد بدأت مرحلة تكامل سعيًا لتجنب العداوات التي تسبب الحروب، وأن يكون للأوروبيين هوية مشتركة.

في احتفالات هذا العام أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو أن أكثر من 12500 فرد سيشاركون في العرض العسكري الذي سيقام في 9 مايو المقبل على الساحة الحمراء بموسكو وذلك بمناسبة التحضيرات للاحتفال بالذكرى الـ76 للنصر  في الحرب الوطنية العظمى (1941 – 1945( وأضاف أنه يتوقع أن  تشارك في العرض العسكري بموسكو كذلك 190 قطعة من المعدات الحربية، بما فيها 35 نموذجا جديدا ومطورا من الأسلحة والمعدات، و76 طائرة ومروحية. وقال إن وزارة الدفاع قد اتخذت إجراءات احترازية للحيلولة دون انتشار فيروس كورونا بين الأفراد المشاركين في العرض العسكري. وأوضح أن الفعاليات الاحتفالية بمناسبة حلول الذكرى الـ76 للنصر على ألمانيا النازية ستقام في 377 مدينة وبلدة روسية. أما العروض العسكرية فستقام في 28 مدينة. وسيشارك فيها  47 ألف فرد ونحو 1600 قطعة من المعدات الحربية و600 طائرة ومروحية.

لهذا اليوم ذكرى خاصة لدى الروس ولاتكاد تخلو مدينة روسية من صرح أو متحف يذكر بهذا النصر فقد أُقيمت في عام 2020 في موسكو، كاتدرائية عسكرية باسم قيامة المسيح وهي "مكرسة للذكرى 75 للنصر في الحرب الوطنية العظمى"، كذلك هناك مجمع المتاحف والمعابد "درب الذاكرة " على أراضي حديقة باتريوت في ضواحي العاصمة الروسية بالقرب من المنطقة التي قام فيها الألمان بمحاولتهم الأخيرة لاقتحام موسكو في الحرب الوطنية العظمى, يتكون المجمع من كنسية أرثوذكسية تعد المعبد الرئيسي للقوات المسلحة الروسية يحيطها متحف بطول 1418 خطوة التي ترمز إلى عدد أيام الحرب ويعرض المتحف تاريخا مفصلا لكل يوم من أيام الحرب يتميز المتحف ببانوراما فوتوغرافية فريدة من نوعها فيه صور لعشرات الملايين من المشاركين في الحرب.

لايزال الروس يحتفون بفخر ب" التضحية السوفييتية" حيث شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفالات العام الماضي لدى إشرافه على العرض العسكري على الدين المترتب إلى اليوم على العالم تجاه الاتحاد السوفياتي، قائلا "من المستحيل أن نتصور حتى كيف يمكن أن يكون العالم اليوم لو لم يأت الجيش الأحمر للدفاع عنه, إن الجنود السوفييت حرروا دول أوروبا من الغزاة، ووضعوا حدا لمأساة المحرقة، وأنقذوا شعب المانيا من النازية، تلك العقيدة الفتاكة".

الكاتب

سخاء حسن -موسكو طالبة دكتوراه في إدارة المواردة البشرية

الكاتب:سخاء حسن

  • للمشاركة