Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

نسيم غزّة

511
news room May 12,2021

هدى عيد 

كانت المهمة هي التي تدفعُ بنا من موضع إلى آخر ... المحطةُ الآن في غزة، إبّان المجزرة  الأخيرة... دخلناها وقد غرقتْ في دامس الظّلام ... أصواتُ النساء والأطفال بدتْ كنغمٍ  لا يريد الانقطاع. خافتٌ لكنما عنيد...أنوارُ الدّماء تكاد لا تغادر ناظريّ منذ لحظة الوصول. متنوعة : من كلّ لون وصنف ورائحة... تنشرُ إضاءةً مخيفة في كلّ زوايا السماء.

أمضي الليلَ مرعباً مذ وطأتْ أقدامُنا الأرض الصّلبة.صديقي "نسيم" يسخرمن ارتجاجي ويداعبني ضاحكاً:

- الليلُ يا أمّاه ذئبٌ جائعٌ سفّاح... هل تعرفين أنّ درويش قال ذلك ؟ لا تعرفين؟ عيب عليكِ والله.
النّهارات نحوّلها، أنا ونسيم وسائر المتطوعين، إلى مباراةٍ مستديمة للجري، نقفزُ بين الحجارة المتهدّمة، بين بقايا البيوت والأثاث وأشلاء البشر، نحاول البحثَ عن أحياء، نرفعُ الركامَ تلو الركام عسانا نرى وجها يستطيعُ فتحَ عينيه بعدُ.

في غزّة، تولّد في قلبي اليقين أنّ الإنسان يمكنُ له أن يكونَ ملاكاً كمثلِنا ، نحن المتطوعين والمناضلين، أو أن يكون شيطاناً كمثلهم، أولئك الذين لا يستطعمون سوى مَذاق الدماء، ونهشَ اللحوم... الغريب أنّي في هذه المرة،حين كنتُ آوي إلى خيمتي الصغيرة ليلاً، وأغلق عينيَّ عسى تختفي تلك الأنوار المشعّة، كانت الانفجارات ترتدّ إلى داخل رأسي مستحيلةً آلافاً من الشموع المتّقدة، صارفة عنّي أيّ إمكانٍ للمنام، فأروحُ أوقظ " نسيم" طالبةً منه أن يحكي لي حكايا جميلة، تستعطف النّعاس كي يحلً على أجفان أرهقها هولُ ما ترى في ضوء النّهار. في هذا المكان، عرفتُ أن الألم يمكن له أن يكونَ وحشاً ضاريا يفتكُ بالأحشاء، وأنه ليس من الضروري دائما أن تحملَ سكيناً لتذيق الآخر طعمَه، حسبكَ أن تنظر طفلاً يتيما فقَدَ أباه للتّو، وسار أمام جسده مشيّعاً، بذهول والتياع، أو طفلةً صغيرةً على ثوبها الممزّق بعضٌ من دماء أخوتها، حتّى يعوي الألم في داخلك، وترتفع من صدرك صلواتٌ وأصوات.

​العجيب العجيب أنهم كانوا يعدوننا طوال الوقت،بوصول الإمدادات، ويطلبون منا مزيداً من الصبر، ومزيداًمن التضحيات... نضحك بصمت ساهمين: كأننا نملك الخيار حين ينعدمُ الخيار.

قيلَ لنا الكثير عن صرخات الشّعوب المتألّمة التي تقف إلى جوار من يعانون أمامنا، وعن التّبرعات الكثيرة التي سيحصلون عليها، إذا أحسنّوا الصّمود وأتقنوا الموتَ بشجاعة الرّجال، لكنّ كلّ هذه الأخبار البعيدة لم تستطعْ أن تغسلَ آثار الدّماء عن التراب، ولا أن تعيد إلى الوجوه الصّارخة رنين الضحكات.

​في غزة نسينا أعمارنا عند أعتاب الدّمار، فنحن نكبر فجأة في مثل هذه الأماكن، ولربما رحتُ ألمح في الغبش شعراً أبيض يتدلّى على جبين صديقي نسيم، هل لمحته حقّاً ؟ أم كان غباراً نوويا تراكم على فروة رأسه الّلطيف؟ اختلط عليّ الأمر عندما استشهد، لم أفكر بما رأيته سابقاً بدقة، كيف يفوتنا أحياناً الانتباه ؟!

حين دوّى الانفجار الكبير، تناثرَ جسد نسيم فتاتاً أحمر، ولم يعثروا على الرّأس المحبّب القسمات حتّى أتمكّن من معرفة حقيقة ذاك البياض على الجبين ... في غزة كان كلّ شئ مختلفاً، تماماً مثلما كان يوماً في بغداد ... ومثلما كان في قانا لبنان...

​منذ يومين يطلبون مّنا الاستعداد للرحيل إلى مكان جديد. سيجري تحديده لاحقاً هكذا أخبرونا. لا نجادل كثيراً، طبيعة المهمة تقتضي منّا ذلك. كلّ الأماكن متشابهة، والموتُ واحد مهما تعددت وجوهه، وتباعدت حروف الأسماء ...

الجديد الغريب في هذه المرّة، أنّ "نسيم" لن يكون إلى جواري، ليحارب الموتَ بضحكةٍ فاتنة، كانت تتقن دائماً إدهاش الحياة المطعونة بشراسة ذئبٍ في مثل تلك الأنحاء ...

 

​​​​​​​​​د. هدى

الكاتب

د. هدى عيد : روائية وأستاذة جامعية

الكاتب:هدى عيد

  • للمشاركة