Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

نجوتُ من كورونا، واجمل الأيام سيكون غدا

7743
news room July 28,2020

 

سامي كليب: يعتقدُ واحدُنا  أن الموتَ سميرُّ دائما الى جانبه، وأن الآخرين فقط يموتون. ثمة حلمٌ دفين في داخل كلٍّ منا بأن الموت سيتوقف يوما ما وتستمر الحياة الى ما لا نهاية. نصحو من الحلم حين نفقد قريبا. تصفعنا الحياة صفعا حين تغيب الأم. ننتبه فجأة الى أننا مجرد أوراق شجر تسقط الواحدة بعد الأخرى، لا فرق بينها الا بالزمن. يحملها الريح الى حيث لا يعرف غير الله مصيرها. بعضُنا يزهد بالحياة ليقينه بسخافتها، وبعضُنا الآخر يلاحق لحظات الفرح فيها قبل ان تهرب من بين أصابعنا. وبعضُنا الثالث يهربُ الى الايمان على أمل ان تكون الحياة في مكان آخر بعد الموت أجمل من التي نحن فيها.

سألتني مرة صديقة كانت غارقة باليأس بسبب قصة حب فاشلة وبسبب توقُّفِ عملها وقسوة أهلها :" هل تعتقد ان بعد الموت حياةً " فقلت : " هذا من علم الله والغيب، لكني أعرف ان قبل الموت حياةً واحاول ان اخترع فيها كل يوم سببا للفرح" . ونصحتها بأن تنسى كل هذه المآسي العابرة وتفكر ان غدا سيكون أجمل فيكون.

لا أدري اذا كنت عزيز القارئ قد شارفت على الموت يوما. عسى لا . لكن أنا رأيته بأم العين مرارا. رأيته في حرب لبنان يلامسُ اطراف ملابسي ويمر هائجا من قربي يقتل رفاقا واحبة. ورأيته في الاجتياح الإسرائيلي، يدمّر كل ما حولي ويقتل أبي ويهشم جسد امي . ورايته في خلال عملي الصحافي في حروب يوغوسلافيا ورواندا والعراق والصومال والسودان والجزائر ولبنان، ورايته في حادث سيارة انقلبت بي مرات عديدة على أوتوستراد سريع بين فرنسا وسويسرا. كنتُ أراه يقترب حتى يكاد يقطع النفس، ثم يبتعد، وكأنه يريد فقط ان يذكّرني بوجوده. أو لعلّه كان يُشفق على أمي أكثر مني، فيبتعد ، وفي ابتعاده، ينظر اليّ مبتسما بخبث.

في تلك اللحظات بالضبط، وحين يقترب الموت حتى تشعر بأنفاسه في أنفك، يمرُّ شريط حياتك بسرعة البرق، وكأنما الدماغ يذكّرك بكل ما فعلت استعدادا للمكان الذي ستذهب اليه، أو لعله يذكّرك بان الحياة كانت اجمل من أن تضيعها بمشاكل عابرة .

قبل نحو عشرة أيام دعاني الزميل الصديق عباس ضاهر مشكورا لحلقة تلفزيونية مع نائب رئيس مجلس النواب اللبناني ايلي الفرزلي لنشرّح مع ضيف ثالث هو الأستاذ حسن قبلان كتاب الفرزلي " اجمل التاريخ كان غدا" . جرت المقابلة في غاليري لبيع الأثاث بغية اختيار كادر جميل . وصلتُ الى المكان قبل الضيوف، ذلك أن في عملي ومنذ بداية مهنتي، احرص على الوصول قبل الجميع. كان فريق تلفزيون أن بي أن ، يضع اللمسات الأخيرة على المكان والاضاءة والصوت. قلتُ لهم، أتمنى ان تضعوا جميعا الكمامات لان جائحة كورونا تُطلّ برأسها مجددا في لبنان بأخبث مما سبق.  وحافظت على المسافة المرعية تماما بالابتعاد عن أي شخص لنحو مترين. لكن الابتعاد مستحيل في هكذا حالات، ذلك ان مهندس الصوت سيُركّب لك الصوت ويلتصق بك، والفريق سيمر أمامك لترتيب كل التفاصيل.

 

بعد دقائق وصل الجميع، ثم وصل الرئيس الفرزلي. كان حريصا جدا على السلام بشروط كورونا، فصافحنا من جهة الذراع وليس الكف. وجلسنا على الكنبات تقريبا جنبا الى جنب وكنتُ انا الأقرب اليه  .

 

جرت الأمور على نحو ممتاز, وكانت الحلقتان رائعتين، ولم اوفر مناكفة سياسية الا واخرجتها من كتاب " التاريخ الأجمل كان غدا" . ذلك ان الحديث مع الرئيس الفرزلي ممتع بحد ذاته، فكيف اذا تخللته المناكفات والمعلومات والذكريات التي تختصر تاريخ لبنان وكثيرا من حقائق العلاقات الصعبة والمعقدة التي حكمت لبنان وسورية في العقود الماضية.

 

كلُ شيء كان يسير على ما يرام حتى وقع الخبر الصدمة. لا بل قل الكارثة. ضج لبنان بخبر إصابة احد النواب بفايروس كورونا. سرت الشائعات كالنار بالهشيم عبر التلفزات التي تعرف كيف تأتي بالهشيم والنار في هكذا مناسبات حتى في عز الشتاء. قالت الشائعات  ان الكثير من النواب أصيبوا بالعدوى ، وان بينهم بطبيعة الحال نائب رئيس المجلس السيد ايلي الفرزلي.

 

ها هو الموت يقترب مني بخبثه مرة جديدة. لا يبتسم هذه المرة. يهجم بكل شراسته التي اصابت ملايين البشر عبر العالم منذ أشهر. شعرتُ بأنفاسه، لا بل سمعت صوته يقول : " اتعتقد يا صديقي ان الآخرين فقط يصابون بالعدوى؟" . ثم تدخّل دماغي يعيد علي شريط حياتي كما يفعل منذ عقود طويلة...

 

لكم ان تتخيلوا باقي المشهد. مزيجٌ من القلق وانتظار الموت، والأمل بالشفاء ، والبحث عن علاج..... قررتُ ان اسارع الى اجراء فحص الكورونا وانا على يقين بأني اصبت بها. قلتُ سأنام الليلة اذا اشفق علي النوم، وغدا اشرب قهوتي مودعا الحياة واذهب لاجراء الفحص... الغريب اني لم اخش الموت هذه المرة. قلقتُ فقط على اخوتي واحبتي وعلى مدبرة المنزل عندي وعلى اطور البناية وعائلته وجيراني وعلى بعض أصدقائي الذين كنت قد التقيتهم في اليومين الماضيين... لم اغير شيئا في عاداتي، لا بل حاولت ان اتمتع باصغر الأمور كشرب كوب ماء باردة مثلا.

 

لم اخش الموت ربما لأن امي ما عادت في هذه الحياة، ذلك انه كلما كان الموت يقترب مني في ساحات الحروب، كنت أرى عينيها دامعتين، فأحاول ان احمي نفسي. كنتُ اتخيل عمق حزنها لو أصابني مكروه. هذه المرة كان اقتراب الموت أقل وطاة. لكن الوطأة موجودة طبعا.

أجريت الفحوصات اللازمة وتبين اني خال من الكورونا، وجسدي سليم. ثم في مساء ذاك اليوم الطويل من التفكير بالحياة والموت، وربما من الضحك على الاثنين، ظهر الرئيس الصديق ايلي الفرزلي على الشاشات يُبشر الناس بأنه غير مصاب وبانه اجرى الفحص وتأكد من سلامته.

 

قررت ان اكتب هذا أيها الاحبة، لكي أقول لكم، ارجوكم انتبهوا، فلا أحد يعلم كيف قد يلتقط هذا الفايروس اللعين الذي قلب حياتنا رأسا على عقب، لكنه مهما فعل لن ينتصر على إرادة الحياة والفرح فينا... انا مؤمن بأن الفرح قرار مهما اشتدت نوائب الحياة ومصاب البشر. ان ناديت الفرح سيأتيك، تماما كما يستجيب الله لدعاء صادق من مؤمن ورع.  ولذلك اقتبس من عنوان كتاب الفرزلي الذي اخذه من الشاعر الكبير سعيد عقل وأقول :" ان اجمل الأيام سيكون غدا " وليس أجمل التاريخ كان غدا. بإذن الله.

 

 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة