Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

نحو إطار جديد لفهم التطرف:

226
news room December 24,2020

د. ذوالفقار علي عبود 

الفصل بين "تطرف الرأي" و"تطرف الفعل" هو السبيل الأهم لعدم التعامل مع التطرف في الرأي على أنه مرادف للإرهاب أو مقدمة حتمية لحدوثه.فثمة اسئلة عديدة  حول العوامل التي قد تدفع البعض إلى التطرُّف العنيف في حين لا يفعل أقرانهم من حاملي الآراء المتطرفة ذاتها ذلك، ثم كيف يصبح الأفراد متطرفين؟ وماهي  آليات التنبؤ بـمَن هو المرشح من بين هؤلاء ليصبح إرهابيًّا؟ وكيفية التقدم من مرحلة اللاعنف إلى التطرف ثم إلى الإرهاب؟ وما هو الدور المنوط بالمجتمع لمنع الشباب من تبنِّي التطرف العنيف.؟

هناك نظرية في التطرف السياسي تدعى "نموذج الهرمين"، Two-pyramids Model للتفرقة بين التطرف في الرأي والتطرف في الفعل،  حيث أن الخلط بين النسقين يضر ضررًا بالغًا بمعالجة القضية، وقد يؤدي إلى تزايُد وتيرة العنف والإرهاب من جَرَّاء توجيه إجراءات مكافحته في صورة عقاب جماعي لأفراد أو جماعات لمجرد انتمائهم إلى فكر أو عقيدة معينة، فالتشدد الفكري يختلف عن ذلك الذي يقود أصحابه إلى القيام بأفعال متطرفة أو إرهابية، ذلك انهما ظاهرتان مختلفتان من المنظور النفسي.

نموذج "هرم الرأي" يتألف من أشخاص يتشاركون مستويات متسارعة من الأفكار المتطرفة، ونموذج "هرم الفعل" يتضمن مستويات تتراوح ما بين السلبية passivity إلى النشاط القانوني legal activism والعنف السياسي political violence والإرهاب terrorism.
وسنستعرض بعض أسس التفكير ومعالمه في ظاهرة التطرف السياسي:
1-هرم تطرف الرأي: قاعدة هذا الهرم تضم الأفراد الذين لا يهتمون بقضية سياسية محددة (المحايدون)، ويليها طبقة أخرى تضم الأفراد الذين يؤمنون بقضية لكنهم لا يبررون العنف (المتعاطفون)، ثم يأتي في الطبقة التالية الأفراد الذين يبررون العنف دفاعًا عن قضية أو معتقد (المبررون)

 2-هرم تطرف الفعل: يأتي في قاعدة هذا الهرم الأفراد الذين لايفعلون شيئًا لصالح جماعة سياسية أو قضية (الخاملون)، ثم يأتي في الطبقة الأعلى من الهرم الأفراد الذين يشاركون في أفعال أو أنشطة قانونية أو سياسية لمناصرة قضية أو جماعة سياسية، (الناشطون)، ويليهم في الطبقة الأعلى الأفراد الذين ينخرطون في أعمال غير قانونية من أجل القضية أو الجماعة،(المتطرفون)، وفي قمة الهرم يأتي الأفراد الذين يقومون بأعمال غير قانونية تستهدف المدنيين، وهؤلاء يُطلَق عليهم (الإرهابيون)

ما يدفع باتجاه تبني نموذج الهرمين المنفصلين (تطرف الرأي/تطرف الفعل) هو أن مَن يمارسون أعمالًا إرهابية عنيفة يمثلون نسبة ضئيلة جدًّا ممن يتعاطفون مع فكر متطرف أو يتبنونه أو يعتنقونه .


دوافع الإرهابيين:

إن سبب الخلط بين التطرف في الرأي والتطرف في الفعل أو الارهاب، هو صعوبة التنبؤ بالإرهاب، إذ تحول البحث تجاه التركيز على التطرف كمرادف للإرهاب، ولسهولة الكشف عن الأفراد الذين يتم تحويل أفكارهم إلى أفكار متطرفة فقد أضحى مفهوم القضاء على التطرف بديلًا موضوعيًّا لمفهوم استباق الفعل الإرهابي.
عند سؤال الإرهابي عن دوافعه للقيام بفعله، غالبًا ما تكون الإجابة الصادقة عنه: لا أدري. وهكذا فإن الدوافع للسلوك الإرهابي شديدة التعقيد، لدرجة أن مَن يقومون بالعمل الإرهابي أنفسهم قد لا يدركونها بوضوح في كثير من الأحيان ،فبينما يعرف قسم منهم  بعض دوافعهم بوضوح، فإن الكثيرين منهم ليست لديهم أدنى فكرة عن الصراع الطائفي والمذهبي الذي يُلقون بأنفسهم في طياته


حقيقة فارقة:

هناك حقيقة فارقة في أن الكثيرين ممن ينفذون أعمالًا إرهابية لا يعتنقون فكرًا متطرفًا من الأساس، حيث هناك العديد من الديناميات التي تخلق لدى الأشخاص دوافع للقيام بأعمال إرهابية بخلاف الدافع المعتاد الحديث عنه وهو اعتناق فكر متطرف، وهنا يجب التركيز على العامل الشعوري النفسي والديناميات المتنوعة التي تخلق دوافع عديدة لدى بعض الأشخاص للانخراط في الارهاب والعنف في كثير من الأحيان دون تبني أجندة فكرية متطرفة أو حتى التعاطف مع فكر متطرف معين

 من بين هذه الديناميات

الرغبة في الهروب من المشكلات، أو البحث عن مكانة أكبر أو قوة أكبر، أو الارتباط الشعوري (الحب) بأفراد منخرطين في أعمال إرهابية.
و المسافة بين التطرف في الرأي والتطرف في الفعل كبيرة جدًّا، بمعنى أن قرار القيام بعمل إرهابي يلزمه دوافع مختلفة تمامًا عن دوافع تبنِّي رأي متطرف، حيث أن النتائج المترتبة على كلٍّ منهما تختلف اختلافًا كبيرًا


شروط الفعل الإرهابي:

لم تثبت أيٌّ من دراسات علم النفس السياسي وجود أية علاقة حتمية بين اعتناق فكر متطرف -أيًّا كانت درجة تطرفه- وممارسة نشاط إرهابي.
والثابت أن التطرف الفكري قد يؤدي إلى تشوهات فكرية وشعورية تجاه الآخر.  ولكن لا بد من التفريق بين الفكر والفعل من جهة والتعصب والإرهاب من جهة أخرى؛ لكي يتسنى لنا استخدام الأدوات المناسبة للتصدي للمفاهيم أو الأفعال ذات الصلة بالتطرف والإرهاب.

هناك عدة شروط للفعل الإرهابي، وهي أنه فعل اختياري مخطط له وليس عفويًّا أو تلقائيًّا، ويتسم بالرمزية بمعنى أن المستهدف في أغلب الحالات ليس أشخاصًا بعينهم بل رموز.


بعض خصائص الفكر الإرهابي:

يتسم الفعل الإرهابي  بـتثبيت الآخر بمعنى عدم الاستعداد للاستماع له أو تفهُّمه، فالفكر الإرهابي يعتبر فكر الآخر غير قابل للتغيير، ومن هنا يمكن القول إنه يبدأ بعد ما يمكن أن نصفه بافتراض استنفاد كل الفرص للحوار الذي يؤمن الطرف العنيف بأنه بذلها، كما يتسم العقل الإرهابي باعتبار جماعته تعبر عن الأغلبية حتى لو كانت أقلية في الواقع، ومن هنا بالتحديد تبرز الضرورة الموضوعية للحوار.

الكاتب

د. ذوالفقار علي عبود  كاتب واستاذ جامعي

الكاتب:د. ذوالفقار علي عبود 

  • للمشاركة