Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

ناظم حكمت طلّق زوجته والقافية لأجل الحرية والفقراء

975
news room January 17,2021

نوال الحوار:

اذا كانت الحريّة الحقيقة تتجسد في رجل فهي حتما تجسدت بالشاعر التركي العالمي ناظم حكمت، واذا كان النضال الحقيقي لأجل الفقراء يستحق فعلا العناء والمنفى والسجن، فلا شك أن التاريخ يذكر هذا العاشق للحرية بأنه من أكثر المناضلين ثباتا على مواقفه التي كلّفته الكثير.

"أنا الذي تجسدت فيه مدينة إسطنبول.. فاشهد يا شعب تركيا، 

وآن لك أن تشهد ما أعاني من آلام".. هكذا كان يصيح  بعد تعرّضه لظلم وطنه بالرغم مما كان يحمله من حب له وما عاناه من الهرب منه ثم العودة اليه مرارا متخفيا بأسماء مستعارة كثيرة. فكانت مدينة اسطمبول عشيقة الروح لم تنافسها أي عشيقة اخرى من كل عواصم العالم التي جابها في رحتله الأدبية والشعرية والسياسية والنضالية.

آمن ناظم حكمت بقضايا الناس، كان قريبا لهمومهم، عاكسا معاناتهم والظلم الذي يتعرض له الفقراء والمحرومون. عكسها بقصائد، بدأت موزونة مقفاة، ثم تفلّتت من عقال وقيد القافية، وصارت حرة كنسر في الاعالي تراقب بعين أدبية ثاقبة وتنقض على الحاكم الفاسد دفاعا عن البؤساء.

 

قُدّر لحكمت أن يموت خارج بلده بعد أن بذل أقصى ما يمكن أن يبذله إنسان في حب وطنه. بقيت الحرية هاجسه الأكبر داخل وخارج السجون والمعتقلات والمنافي. عشق الحرية لدرجة انه طلّق زوجته التي كانت جزءاً من روحه وقلبه في سبيلها.. فقد رأى أن بقاءه في السجن المؤبد سيحكم عليها بالقيد وهي خارج القضبان  فأرادها حرة.

 

يعدّ حكمت من أهم شعراء الحرية وأفضل من كتب عنها وناضل لأجلها بالرغم من انتمائه لطبقة النبلاء والإقطاع. ولد في عائلة ارستقراطية ثرية، لكنه تخلّى عن هذا الموروث العائلي لحقوق المسحوقين والمتألمين في العالم .  تخلّة عنها ، وراح يكتب عن الفلاحين والمضطهدين وجشع الرأسمالية ، فتم فصله  من المدرسة البحرية العسكرية .

في العام 1920 نشر حكمت أولى قصائده وكانت على وزن "الهجا" التركي التقليدي الذي يعتمد على القوافي . وما أن صدر ديوانه الأول حتى  اُدخل السجن ولكنه استطاع الهرب لتترنح حياته مد وجزر، فتارة  يقبع مسجوناً وتارة اخرى منفياً، او متخفيّا.

يقول في إحدى قصائده: 

إذا لم أحترق أنا، وإذا لم تحترق أنت،

وإذا نحن لم نحترق، فمن الذي سيبدد الظلمات؟

كان ينشر أحياناً بأسماء مستعارة وبخاصة المقالات في أثناء سنوات حرب الاستقلال. وعندما سافر  إلى روسيا للمرة الأولى تغيرت عنده بنية القصيدة بعد أن تأثر بالشاعر الروسي الشهير فلاديمير ماياكوفسكي .بدأ بكتابة الشعر الحر الذي حرره من وزن الهجا ومن القوافي التي رافقته في البداية وأصبح الرمز الأول للقصيدة الحرة ورائداً من روادها وسار على طريقه كثير من الشعراء لاحقاً.

يقال ان شعراء عربا تأثروا به ومنهم نزار قباني، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري، كما انه عاصر كبار الأدباء والشعراء الاوروبيين والروس والاميركيين وبعض العرب.  

وحين عاد حكمت من روسيا أيد انقلاب كمال اتاتورك ،لكنه اصطدم بفكرة الديكتاتورية فعارضها بشدة ، رغم ان  اتاتورك نفسه كان يحب سماع أناشيد حكمت بصوته ...

دخل السجن مرة ثانية وحكم عليه مدة ٢٨ عاماً. أضرب عن الطعام بعد ١٢ عاماً من دخوله سجن أسكودار بإسطنبول. وفي العام 1950 أُطلق سراحُه ليفرّ بعدها إلى الاتحاد السوفيتي، فأسقطت عنه الحكومة التركية الجنسية بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي.

كانت لغة ناظم حكمت في الشعر  حية ونابضة وقريبة من لغة العامة البسطاء   . أصبحت قصائده شعاراً ترفعها الأحزاب والحركات السياسية داخل تركيا وخارجها. كانت نصوصه تعبيرا عن همه الشخصي وهمه السياسي و وهمه الإنساني.

 يقول في إحدى قصائده:

إذا كان نصف قلبي هنا أيها الطبيب

فنصفه الآخر هناك في الصين

مع الجيش الزاحف نحو النهر الأصفر

وكل صباح، عند شروق الشمس

يطلقون الرصاص نحو قلبي في اليونان

 

في كتابه "ثلاث سنوات ونصف مع ناظم حكمت الزنزانة":  يقول  كمال أورهان  إنّ السجن كان مختبراً حقيقيّاً لشعر حكمت المؤمن بمقولة  أن "الشاعر مهندس الأرواح"، ولذلك اهتم بتجديد المضمون الشعري أكثر من الأسلوب. كذلك نقل أوهان أراء حكمت في التيّار الشعري التركي التجديديّ الصاعد آنذاك.  

لم يضعفه كسر القافية والوزن، على العكس تماما هو اراده بمحض عقله رغم اتقانه للمقفى والموزون. كان ذلك تعبيرا عن ريادته في مجال التجديد، فيقول عنه رفيق سجنه : صحيحٌ أنه كان يستسيغ المنضوين تحت هذا التيّار والذين كانوا يستخدمون مفردات سهلة من اليوميّات في شعرهم، إلّا أنّ الشاعر التركي الثوري كان من الداعين إلى الإفادة من إمكانيّات تطوّر الشعر عبر العصور، بعيداً عن "التصفية"، لكنه يأخذ على شعر المجدّدين إهماله القضايا الإنسانيّة الكبرى، والانغماس في التغريب. 

ولشدة تعلقه بعامّة الشعب ، كان يلجأ دائما الى حذف العبارات التي لا يفهمها المساجين والبسطاء.

في نص "حياة حافلة" يلخص حكمت تجربته كاملة كمن يشاهدها من شرفة الحياة بتأمل فيقول :

 

وُلدتُ في 1902

لم أعد أبداً إلى مسقط رأسي

أنا لا أحب العودة إلى الوراء

في الثالثة كنت حفيدا لأحد الباشوات في حلب

في التاسعة عشرة طالبا في الجامعة الشيوعية في موسكو

في التاسعة والأربعين عدت إلى موسكو كضيف لحزب التشيكا

وكنت شاعراً منذ أن كنت في الرابعة عشرة

في الثلاثين أرادوا أن يشنقوني

في الثامنة والأربعين أن يمنحوني جائزة السلام

وهذا ما فعلوه

في السادسة والثلاثين افترشت أربعة أمتار مربعة من الإسمنت المسلح طوال نصف عام

في التاسعة والخمسين طرت من براغ إلى هافانا في ثماني عشرة ساعة

لم أر أبداً لينين ووقفت أراقب تابوته في الرابعة والعشرين

في الحادية والستين القبر الذي أزوره هو كُتـُبُهُ

حاولوا أن يزيحوني بعيداً عن حزبي

ولم ينجحوا

ولا انسحقت أنا تحت الأصنام المتهاوية

في الحادية والخمسين أبحرت مع صديق شاب عبر أسنان الموت

في الثانية والخمسين قضيت أربعة أشهر راقداً على ظهري بقلب مكسور

منتظراً الموت

كنت غيوراً على النساء اللاتي أحببتهن

لم أحسد تشارلي تشابلين أبداً

خدعت نسائي

لم أغتب أصدقائي مطلقاً

شربت ولكن ليس كلّ يوم

كسبت مال خبزي بأمانة ويا للسعادة

 

لا شك ان ناظم حكمت كان وسيبقى شعلة متقدة تنير دروب المناضلين الحقيقيين لأجل الحرية والطبقات المسحوقة.

الكاتب

د.نوال الحوار كاتبة وشاعرة واعلامية

الكاتب:نوال الحوار

  • للمشاركة