Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

ميانامار: انقلاب بطعم التحدي الخفي بين الصين وأميركا

1247
news room February 10,2021

هادي جان بو شعيا 

بخطوة الانقلاب التي نفّذها الجنرالات واستيلائهم على السلطة، يُحكم الجيش قبضته من جديد على بورما في مشهد يذكّر بعقود طويلة من الحكم الديكتاتوري الصارم. واذا كان بيان الجيش يؤكد ان خطوته هذه لا تتعارض والديمقراطية ويَعِدُ بإجراء انتخابات نزيهة خلال عام؛ إلا أن ذلك لم يوقف سيل التنديد والاستنكار الدوليين في ظل الترقب وتدارس الخطوات للتعامل مع هذا الوضع الجديد في آسيا.

بانتظار تداعيات الانقلاب داخليًّا وجيوسياسيًّا وانعكاسات ذلك على الشارع في ميانمار وعلى أقلية الروهينغا المسلمة تحديدًا، نلقي نظرة على الجنرال مينغ أونغ هلينغ، الذي يقبع تحت عقوبات واشنطن على خلفية الانتهاكات بحق الروهينغا وقيامه بجرائم حرب ضد هذه الأقلية المسلمة، فهو الذي هندس الانقلاب والذي، قبل أن يتقاعد بغضون 6 أشهر.

مشهد قديم جديد في ميانمار، حيث عاد الجنرالات ليديروا دفّة الحكم في البلاد لتصبح مجددًا تحت سيطرة العسكر الذي حكم البلاد لنصف قرن من الزمن، منذ استقلالها عن الاستعمار البريطاني في الرابع من كانون الثاني/يناير 1948.

لمحة من التاريخ

استمرّ حكم الجنرالات من خلال سلسلة انقلابات عسكرية منذ عام 1962 حتى بدأت الضغوط الدولية، مطالبةً ميانمار بتكريس مناخ الديمقراطية وفرض عودة الحكم المدني وبالتالي انصاعت، بسبب هذه العقوبات، وفتحت حوارًا مع أونغ سان سو تشي إبنة الزعيم العسكري الجنرال أونغ سان الذي حكم البلاد طويلا.

في العام 1988، عادت سان سو تشي  إلى بلادها قادمةً من بريطانيا في خضم انتفاضة ضد المجلس العسكري الحاكم، حيث سُمح لها بتأسيس الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية لكن سرعان ما وضعتها السلطات تحت الإقامة الجبرية في منزلها لمدة تجاوزت الـ 15 عامًا وبعدها عادت لتسلّم السلطة. كانت الأعوام الأولى لسو تشي في السلطة قد شهدت حملة شنّها الجيش على أقلية الروهينغا المسلمة في إقليم راخين وهو ما أثار حفيظة المجتمع الدولي الذي اتهم حكومتها بالقيام بأعمال إبادة ضد هذه الأقلية.

أهمية الجغرافيا

إقليميّا، تشكل ميانمار مكانة إستراتيجية وجيوسياسية أساسية بالنسبة للصين ومبادرتها المعروفة ب " الحزام والطريق" ، حيث ستكون ميانمار دولة أساسية في هذه الخطة، نظرًا للممرات المائية والبرية وتعوّل الحكومة الصينية كثيرًا عليها خصوصًا في ظل حكم العسكر. لعلّ اقتحام مبنة الكابيتول في أميركا شجع الجيش البورمي على القيام بانقلابه، وزاد في فقد الثقة بأميركا في تلك المنطقة الآسيوية، فقيل انه حان الوقت لوقف استخدام ميانامار ضد الصين كما هو الحال في تايوان وكونغ كونغ وغيرهما.
 

بهذا المعنى، شكّلت أحداث ميانمار ورقة ضغط على الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي ومنذ لحظة توليه القيادة في بلاده ذهب اتجاه تحدي الصين بغية تعزيز صورة اميركا في المنطقة الآسيوية وتعزيز موقع الحلفاء  مثل كوريا الجنوبية واليابان وسواهما.  لذلك سارعت الولايات المتحدة لتفعيل  ما يعرف بالرباعية الأميركية المتمثلة بأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والهند، لحثّها على الوقوف سدًّا منيعًا في مواجهة الصين .

الانقلاب :

  تسلّم  الجيش بعد الانقلاب زمام السلطة واعتقل  شو تشي وكبار القادة ووضعهم قيد الإقامة الجبرية، ووعد بالعودة الى الانتخابات والحفاظ على حياة قادة الأحزاب ضمن مناطق اعتقالهم الجبرية. وهو يعتقد طبعا ان الظروف الاقليمية والدولية قد تتغير الى حينه رغم الشجب الدولي الواسع الذي جوبه به . وسوف يتطلب استقراره في السلطة دعما مباشرا من الصين وبعض الحلفاء وعدم اثارة تظاهرات ضده من قبل الرابطة وأحزاب اخرى ، كما ان العالم الذي بات منذ سنوات طويلة يرفض الانقلابات ، سينتظره عنه قارعة كل طريق لمعرفة كيف سيتصرف مع حقوق الانسان ومع اقلية الروهينغا المسلمة .  .في بلد ذي غالبية بوذية

 حتى الساعة، فرض الجيش تشددا كبيرا ، فمنع منصات التواصل الاجتماعي وقطع الانترنيت وحال دون دخول الصحافيين الاجانب، ما يعني ان جل ما يتسرب عن الوضع الداخلي هو عبر شهود عيان من المعارضة او من الذين يخاطرون بحياتهم. هذا بالضبط ما يثير القلق من اعادة انتاج نوع جديد من الديكتاتورية المقلقة. .
 .

في الختام، لطالما اعتمد الغرب سياسة المعايير المزدوجة في التعامل مع ملفات حقوق الإنسان لذلك عندما يفتح ملف ميانمار يتناسون ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط من ليبيا والعراق وفلسطين وسوريا واليمن. لأن الغرب يحمل راية حماية الديمقراطية وصونها ولكنها تبقى أداة من أدوات الاستثمار السياسي في الضغط على الصين.

لذلك الخلاف الحاصل هو صراع مصالح وليس دفاعًا عن حقوق الإنسان ومن يريد ذلك فليبدأ داخل دولته وليعترف ان هناك ارهابًا داخل بلاده قبل ان يصدّره إلى دول أخرى بحجة الديمقراطية الضالة!

الكاتب

هادي جان بو شعيا  اعلامي لبنان

الكاتب:هادي جان بو شعيا 

  • للمشاركة