Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

موسيقى على ضفة النهر

610
news room February 17,2021

ساره العريضي 

كل شيء من خلال  نافذتها كان يوحي بالبهجة والفرح. فأضواء المدينة والموسيقى الصادحة من البيوت والحانات المجاورة توحي بأن ساكنيها يريدون وداع العام المثقل بالهموم لاستقبال العام الجديد بكثير من الفرح . وحدها كانت من على كرسيها الخشبي تناقض كل ذلك المشهد الصاخب. هنا الحزن إستولى على المكان، والقنوط والكآبة إستوطنا داخل كوخها . خمسينيّة العمر هي، غزت التّجاعيد  جبينها ومحيط عينيها  السوداوين الكبيرتين ففقدتا بريقهما المعهود الذي ترك مكانه لدموع متقطّعة. وجهها الأبيض الورديّ شابه الشحوب فتناقضت على مساحته قسمات الحزن والجمال كما  تناقض جمال يوسف وحزن أبيه. كحّل البياضُ سواد شعرها في تناسق دقيق للحزن والعمر . وتكوّر الجسد الجميل على نفسه تحت فستانها الأسود الطويل حتى تسارعت خطواته صوب الثمانين حولا وهو في الخمسين.  

التقت ماري وزوجها على ضفاف الموسيقى . كانت في ذاك المساء الربيعي تُلاعب أوتار غيثارتها قرب النهر ، لم تنتبه الى وجود الناس بالقرب منها، ولا انتبهت للعصفور الذي ينقد بكثير من اللذة والخوف بقايا الأكل من الصحن الأبيض قربها. وقف روجيه  يراقبها من على مسافة شبه قريبة، ، ثم اتكأ على جذع الشجرة في الحديقة العامة، ليرسل كل سمعه صوب أناملها المتمايلة برشاقة باهرة على الأوتار تنقرها . لم يتحادثا، ولا رأته.

اعتاد أهل القرية على سماع الموسيقى مرة كل أربعاء من آخر كل شهر. عرف روجيه انها ستكون هناك. لم يسأل عنها أحد، وهو القادم من سفر سبعة أعوام فاقدا كل بوصلة المعارف القديمة. جلس خلفها بمقعدين. راقب حركة أصابعها على ظهر المقعد خلف ظهر الشاب الصغير الجالس الى جانبها. كانت تنقر بالأصابع على خشب المقعد كأنها واحدة من بين العازفين على المسرح. تُسرّع حركة الأصابع لو أسرعت الأوركسترا، وتتمهل لو أعطى المايسترو اشارة التمهل.  لا بد ان الشاب الجالس قربها هو شقيقها او قريبها او صديق لها، لكنه حتما ليس حبيبها ففارق العمر جليّ.

 ما ان انتهت الحفلة حتى اقترب منها قائلا :" اعذريني يا آنستي، رأيتك تعزفين على مقعد الكرسي بانسجام تام مع الاوركسترا، هل انت عازفةٌ محترفة، اعذري تطفلي لكني أحب الموسيقى ومنذ عدتُ الى هنا فقدت بوصلة الأشياء الجميلة"، نظرت اليه بشيء من الاستغراب والخجل، شدّت على يد قريبها، ثم قالت :" لا ، اني فقط هاوية موسيقى، واعتقد ان الانسان يفتقر لجزء من روحه ان لم يحب الموسيقى، أما عملي فلا شيء مهم حاليا سوى اني اتابع دراسة علم اللسانيات في الجامعة " .

كانت أضواء المدينة تتلألأ في نهاية هذا العام، وماري تسرح بناظريها من خلف الأضواء صوب السماء، راحت تتذكر تلك اللحظات التي جمعتهما قبل أن يتزوجها ويعيشا سويا أكثر من ثلاثين عاما. ثم انخفض راسها قليلا صوب صدرها وكأنها تتلو صلاة أو دعاء. قامت من مقعدها صوب زاوية الدار. اخذت القيثارة، مسحت بعض الغبار بكم قميصها عن طرفها الأيسر، وضعتها بين قدميها وساقيها، ثم عادت تنظر الى المدينة.

 مالت القيثارة صوب قلبها ، واستند الرأس الى القيثارة. ففي لحظات الحزن العميق كما في الفرح العميق، تتوحد الموسيقى والانسان بغض النظر عن فرح أو حزن نغماتها، وكأنما لقاء الروح الذي جمع ماري وروجيه قبل الجسد ، يعود ليتجسد سلّما موسيقيا زاخرا بنغمات الحياة  بكل تفاصيلها المرحلة والقاسية، فتحضر ملائكة السماء والحب والموسيقى لتحتضن جسدها النحيل.

القيثارة رفيقة ماري الوحيدة والموسيقى رفيقتها في وحدتها ومسكّنًا لآلامها. كانت  تملأ المكان بالأنغام الشّجيّة، وتعطّر الهواء برائحة الذكرى، عندما  تجزع  فان أنغام الموسيقى تواسيها، واذا ما فرحت فالانغام تلاقيها.  راحت ملامحها تنقبض تارةً وتفرح تارةً أخرى، فهي تتقلّب مع تقلّبات النّغم. كلّما تذكّرت لحظاتهما السّعيدة القديمة تتحوّل أناملها لتصبح رقيقة تلاعب الأوتار بمشاعر الصفاء لتؤلّف أنغامًا حيّة تليق بمقام الذكريات. وتسافر هذه الأنغام وتنتقل في الغابة وأحياناً تتسلّل خلسةً لتصل إلى المدينة، متشرّدة تبحث عن مجروح تداوي جراح قلبه وتواسيه.

كانت النّغمات تترجم أيضا عجزها وضعفها وذكرياتها،  وهل أصدق من الموسيقى للتّعبير عن الذّات؟

الموسيقى كالمصباح، تنير وتنوّر، تطرد ظلمة النّفس وتجعل الإنسان يسبح في سماء الذّكريات، تطهّر الأعماق ،تريح القلب وتحرّك أوتاره. تظهر المشاعر كالمرآة الجلية، فكم من عاشق لخّصت حياته قطعة موسيقيّة فمات هو وبقيت مشاعره حيّة مدى الأزمان.

الألحان  ترافق الأرواح، واللّه أوجد النغم والإيقاع من حولنا، فزخات المطر توسينا، والرياح توقظنا وزقزقة الطيور تجعل صباحنا أجمل، وموج البحر يفتح خلايانا ، وكأنما في كل ذلك سر الانسجام الذي أراده الله بين الانسان وما حوله ليشعر أنه انسان.   

رحلت ماري قبل أيام، وجدوها مستقلية على الأرض، وجهها الحزين منذ رحيل روجيه يبتسم، الغيثارة نائمةعلى صدرها، في يدها اليمنى صورة روجيه،  وفي أرجاء  المنزل تدور اسطوانة موزار على نفسها بعد أن نثرت كل نوتاتها فوق الجسدين الممددين على الأرض مع الصورة.

ليس مهما كيف ماتت، الأهم هي أنها عاشت مع الموسيقى والحب، ولأجلهما ورحلت معهما ولأجلهما.

الكاتب

ساره العريضي متخصصة بتعليم الأطفال وطالبة جامعية ، ومتدربة على فنون الصحافة في موقع خمس نجوم.

الكاتب:ساره العريضي

  • للمشاركة