Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

مصر: العروبة ليست صدقة جارية

1572
news room January 27,2021

لعبة الأمم

سامي كليب:

السفير المصري في لبنان ياسر علوي الواسع الاطلاع والثقافة المتنوّعة، كتب مقالاً في العام 2009 في صحيفة الشروق المصرية، بعنوان:"اسطورة "مصر أولا"، الدور الاقليمي ليس صدقة جارية". يخلص فيه الى نتيجة مفادها:"أهمية بلورة تصوّر ما للعروبة، لمصرَ مصلحة أكيدة فيه، تصور يستخدم "المدخل العروبي" كرباط حداثي ديموقراطي يؤسس للتعاون والتنمية وحماية الأمن المشترك لدول المنطقة، ويحمي مصالح مصر المتشعبة في المنطقة".

ياسر علوي أكاديمي من طراز رفيع، ترعرع ودرس في بريطانيا حيث أحد منازل أجداده وخدم لفترة في السفارة هناك كما رئيساً للقسم السياسي في سفارة مصر بالولايات المتحدة قبل أن يصبح مستشارا للشؤون العربية في وزارة الخارجية، الأمر الذي أفسح المجال أمامه لنسج شبكة علاقات عربية، ولا سيما في الملفين السوري والعراقي، ثم عاد الى لبنان سفيرا في خريف العام 2019، ليستعيد شبكة علاقات واسعة نسجها في بيروت في عز مرحلة 8 و14 آذار 2005 حتى العام 2010 مرورا بمرحلة أيار/ مايو 2008، التي عاشها بأدق تفاصيلها مع زميله القنصل طلال الفضلي، قبل انتقال علوي إلى واشنطن والفضلي إلى القاهرة. والمفارقة أن نزيه نجاري سلم علوي في العام 2005 مهامه القنصلية وعاد علوي في العام 2019 ليتسلم من نجاري المركز الأول في بيروت.

 مقاله أعلاه نُشر قبل عامين من تنحّي الرئيس حسني مبارك على وقع ثورة مصر. لم تكن الأحوال الإقتصادية في مصر جيدة، وانما كان مُبارك، وبرغم كل المآخذ الداخلية عليه، من أكثر القادة العرب نشاطا وعلاقات دولية، عزّزت اعادة محورة دور مصر في المشهد الاقليمي والدولي بشكل كبير. ورفع مبُارك في سنواته الأخيرة مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني وأميركا وفرنسا لواء التصدي لما وصفوه بـ"الهلال الشيعي".

ما يهّمنا في الأمر، ان هذا المقال، يعكس جزءا لا بأس به من التفكير العميق للدبلوماسية المصرية. قلقُ مقال عام 2009، يتجسد سلسلة حقائق اليوم.  ويمكن ان نسوق الأسباب والتجليات التالية:

·     برغم توقيع مصر اتفاقية كامب دافيد مع اسرائيل منذ أكثر من نصف قرن وتحميلها آنذاك مسؤولية تسلل اسرائيل الى الجسد العربي، الا ان السفير الاسرائيلي وكل الاسرائيليين لا يستطيعون النزول الى الشوارع ولا الجلوس في المقاهي بحرية، ما يعني أن السلام الرسمي لم ينزل لا الى المستوى الشعبي ولا الى اي مستويات اخرى، وبقي في اطار دبلوماسي ورسمي محدود، بينما نُلاحظ ان اتفاقيات التطبيع العربية اللاحقة سُرعان ما شهدت انفتاحا واسعا على مستويات عديدة قبل توقيع الاتفاقيات وبعدها، فما عاد المرء قادرا على رصد مجالات الانفتاح والزيارت المتبادلة والمؤتمرات وغيرها. هذا التفكك العربي حيال اسرائيل، يُقلق مصر ضمنيا، حتى ولو أنها تعلن تأييدها له رسميا. 

·     صحيح أن القتال توقف بين مصر واسرائيل منذ توقيع كامب دافيد، لكن الأدبيات العسكرية الاسرائيلية ما زالت تعتبر الجيش المصري الأكثر خطرا عليها، نظرا لكفاءاته العالية، وأسلحته المتطورة، وتنوع مصادر هذه الاسلحة، ناهيك عن العقيدة الضمنية التي وان نسّق اصحابها مع اسرائيل في سيناء، الا انها لم تتغير جذريا لتعتبر اسرائيل صديقا او حليفا.

·     تتفكك منظومة الأمن الاقليمي حول كل المحيط المصري، فسوريا التي ما زال جيشها يُعتبر الجيش الأول في مصر منذ أيام الوحدة، غارقة بالحرب الضروس وحروب المحاور على أرضها، والبحر الأحمر مُخترق من قبل اسرائيل (راجع المقال المهم للزميل أمين قمورية على موقع 180)، والسودان اقتيد الى التطبيع، وجزء من الخليج طبّع، بينما مستقبل المملكة السعودية يبقى غامضا، حتى تنجلي السحب بين ادارة جو بايدن  وولي العهد السعودي محمد بن سلمان من جهة، ومعرفة هل يُصبح الأمير الملك المقبل أم لا وفق الشروط الداخلية والخارجية من جهة ثانية. أما في الجوار الفلسطيني، الذي تسعى اسرائيل لتعزيز حضور خليجي ومغربي فيه بعيدا عن مصر، فالمستقبل أيضا محفوف بمليون سؤال، وتحاول القاهرة اعادة لملمة البيت الداخلي الفلسطيني، على صعوبة ذلك، ناهيك عن تحديات سيناء الأمنية وقضية سد النهضة والخطر الغربي المتأتي من الحدود مع ليبيا.

·     ثم في الاقليم، يتقدم الدوران التركي والايراني على نحو مُقلق لمصر، ليس أمنيا فحسب وانما في صلب صراع العقائد اذا صح التعبير. فمرشد الثورة الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي سارع بعد ثورتي مصر وتونس الى اعتبار الأمر "صحوة اسلامية" و" حادثة اعجازية"، والقى خطبة مفصّلة باللغة العربية لشرح التغييرات الكبرى في مصر ضد "الاستكبار" ولصالح الشعوب. كان يقين طهران ان علاقة عضوية مع الاخوان المسلمين آنذاك ستقلب وجه المنطقة. والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رأى في الثورة حصان طروادة لاسقاط الحكم واقامة نظام اسلامي اخواني مكانه يساهم في استعادة حلم الامبراطورية العثمانية.

في القناعة المصرية العميقة اليوم، تماما ما يُعبّر عنه السفير المصري في مقاله الآنف الذكر، بأنه كلما تقدّم المشروع الاسلامي، هُدّد المشروع العروبي.

·     الدبلوماسية المصرية، عارضت بالعمق سقوط الدولة السورية، ورفضت وضع علم المعارضة مكان علم الدولة السورية في جامعة الدول العربية، وقالت لمن زارها من المعارضين آنذاك: ان كنتم قادرين على اسقاط النظام واقامة نظام ديمقراطي مكانه سنكون أول من يعترف بكم، اما اذا جئتم الينا لنُسقط النظام معكم فلن نفعل. ويعرف الذين تواصلوا مع الدبلوماسيين المصريين في أوج اعتلاء الاخوان المسلمين سدة الحكم، ان الدبلوماسية العميقة رفضت رفضا قاطعا، شطحات الرئيس محمد مُرسي بقطع العلاقة مع دمشق. كما ان مصر التي أبقت على سفارتها مفتوحة في دمشق، حيث نسج الدبلوماسي النشيط محمد ثروت سليم علاقات مع مختلف قطاعات المجتمع، وأسست "منصة القاهرة" للمعارضة السورية التي كان من بين اهدافها الحد من المشروع الاخواني والتدخلات الاقليمية.

·     لُبنان بدوره يُشكل عامل قلق للدبلوماسية المصرية، ولا يعرف كثيرون ان المبادرة الفرنسية انما هي مبادرة فرنسية - مصرية، ساهمت القاهرة في بلورتها وتمريرها. مصر قلقة من انفراط عقد البلد، وانزلاق الطوائف الى التطرف، فهذا سيؤسس لاندلاع موجات تكفير وارهاب في بعض البيئات. صحيح ان القاهرة مقتنعة بأن الركائز التاريخية للبنان ( القطاع المصرفي والسياحة والخدمات والمرفأ  والاعلام والجامعات والطب...) تغيّرت جذريا، وما عاد لبنان ساحة الثقل في الصراعات التي صار لها ساحات أكبر كما في سوريا والعراق واليمن وغيرها، لكن الصحيح أيضا أن القاهرة مدركة أن ضرب لبنان سيكون لصالح مشاريع غير عربية. 

من هذه المنطلقات ومن المصالح الاقتصادية لمصر، يبدو أن ما قاله السفير علوي قبل 12 عاما، ما زال صالحا حتى اليوم، أو ربما اليوم صار صالحا أكثر من اي وقت مضى، فمصر لا تستطيع الانكفاء على نفسها تحت شعار "مصر أولا"، ومصر لا تقوم بواجبها العربي من أجل الآخرين فقط ولا من منطلق "صدقة جارية"، وانما لأنه ليس أمامها أي خيار آخر سوى اعادة تفعيل مشروع عروبي حداثي نهضوي اولا لانقاذ ما يُمكن انقاذه بعد، وثانيا لحماية مصر نفسها، وثالثا للتأسيس لمشروع يطرح بديلا مقبولا عند الشعوب العربية، ذلك ان فراغ الساحة من أي مشروع يفتح الأبواب على كل المشاريع الاخرى.

لكن كيف سيخدم ذلك فلسطين ويحد من تمدد اسرائيل؟ يبدو ان الدبلوماسية المصرية التي تخلّت عن فكرة الصراع العربي المسلح مع اسرائيل منذ نصف قرن، تُدرك ان الديموغرافيا وثبات أهل فلسطين ووحدتهم وانبعاث مشروع عربي، امور تحدد حتمية المستقبل...

 يكفي أن نلقي نظرة على يوتيوب لنشاهد كيف تتم سرقة التراث العربي بمجمله، فتقوم السهرات الفنية الاسرائيلية على السماع للسيدة أم كثلوم وغيرها ، في سياق اختراع تاريخ وثقافة ملفقين،، لكن هذا لن يزوّر التاريخ والجغرافيا ولن يحد من الديموغرافيا. هل نتذكر أن مصر تنجب مليوناً كل تسعة أشهر، أي أنها تنجب بلداً سنوياً بمعايير الديموغرافيا العربية؟

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة