Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

من الجبل الى بيروت...حيث العشق أخضر.

809
news room February 3,2021

سامي كليب :

كان والدي رحمه الله يُحبُّ القراءة والقواعد العربية واللغة الانكليزية. وكانت الحربُ ضروسا في لبنان. هي واحدة من الحروب الكثيرة التي عرفها ويعرفها وطننا الجميل، لكننا لم ولن نعرف لماذا بدأت وكيف تنتهي. ففي بلادنا نكتفي بعدّ القتلى واحصاء الشهداء. ربما تسألني عزيزي القاريء لماذا أقول " قتلى وشهداء"، ذلك أننا هنا أيضا لم نتفق حتى اليوم بشأن من هو القتيل ومن يستحق لقب الشهادة. وأما خالق هذا الكون فهو لم يميّز بين البشر، وجاءت الآية الكريمة تقول : " ولا تّحسَبَنًّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون". لم يقل شهداء، قال أحياء. والمصيبة أنه في لبناننا، كل طرف يعتبرأن قتلاه، انما قُتلوا في سبيل الله. فلكلٍّ إلهه، فصار الاقتتال على الكتب والتأويلات أهم من الطريق الى الله.
دعنا من حديث الموت، ولنعد الى أحاديث الحياة. فالله لم يخلق هذا السحر من حولنا كي نموت، وانما كي نعيش ونفرح به. ولكي نفرح به، يكفي أن نتأمل ما حولنا من سحر الطبيعة، وانسجام الكون، ورقة النسيم، وتعاقب الفصول، وتنوّع الألوان.
كان والدي يشتري جريدة ويطلب منّي أنا أقرأ له أبرز مقالاتها ونحن في طريقنا من بيروت الى قريتنا الجميلة. كنتُ أقرأ كثيرا وافهم قليلا، فأتفنن في تقطيع صوتي كي أعجب أبي ، وأقطّع القراءة بفترات من الصمت كي أتأمل الطبيعة من نافذة السيارة. لا يقول والدي شيئا، لكني أشعر برغبته بأن أكمل ما أقرأ دون تقطيع. أنا اصطنع عدم فهم رغبته، وهو يصطنع عدم الانزعاج. فاتفاقنا الضمني مبني على الحب. وحين تُبنى الاتفاقايت على الحب والمحبة تصمد وتنتعش وتكبر.
كانت الطبيعة من حولنا تستقبلنا بسحر الشجر الأخضر على جانبي الطريق، وبهاء الجبال الهانئة بسنديانها وصنوبرها ودلبها وأنواع أخرى ما زلت حتى اليوم أجهل أسماءها. وكانت عصافير وطيور كثيرة تحلّق حولنا وفوقنا كأنما تعزف سمفونية بين الأرض والسماء، بعضها يُرسل الينا زقزقته، وبعضها الآخر يتفنن في الرقص والتلاعب بالأجنحة كما تُبدع الراقصات على مسارح الباليه.
كل شيء من حولنا يناقض عناوين الصحيفة. هناك السحر واللوحات المتعددة الأشكال والألوان، وهنا أخبار القتل والدمار والاقتتال والنار.
حين أتعب من القراءة في المسافة الطويلة، يُشعل والدي سيجارة المارلبورو الحمراء، يُمسكها بيده اليسرى التي تخرج قليلا من نافذة السيارة كي لا ينحرف دخانها صوبي، ثم يبدأ بامتحاني بقواعد بعض الكلمات. تنفرج أسارير وجهه حين أعربها على نحوها الصحيح، وتنقبض لو أخطأت، ويضحك لو اخترعت قاعدة جديدة ، ثم يتركني لحالي وخيالي أتأمل رونق ما حولنا، ويفتح راديو السيارة على اذاعة بي بي سي يستمع الى درس اللغة الانكليزية، ذلك ان رحلتنا من بيروت الى الجبل كانت تتزامن مع وقت بث البرنامج، أو ربما كان والدي يُرتب الرحلة مع وقت البرنامج. وقد التقطت بلاوعيي كلمات كثيرة من تلك الرحلات ساعدتني لاحقا في التعرف على بعض اسرار لغة شكسبير بعد أن امضيت السنوات الاولى من عمري المدرسي في معارج لغة موليير.
هكذا كانت رحلتنا في سيارة المارسيديس ذات السقف القابل للفتح بحيث نرى ما حولنا وما فوقنا، تتراوح بين أخبار الصحيفة وانكليزية البي بي سي وجمال الطبيعة، لكن دماغي الصغير آنذاك، كان يعرف كيف يعيد فرز كل هذه الصور المتناقضة، فلا يبقى منها قبل نومي سوى ألق الطبيعة وخرير النهر في منطقة "ملتقى النهرين"، وضوء السماء، ودلال بعض الغيوم فيها، فتأتي أحلامي منسجمة مع رغباتي لا مع عناوين صحيفة أبي.
تذكّرت كل تلك التفاصيل، وانا عائد قبل أيام من الجبل الى بيروت. استعاد عقلي الباطني رائحة عطر والدي الممزوج بدخان السيجارة. استعدتُ جلسته الانيقة على مقعد السيارة وقميصه الأبيض الناصع وياقته المكوية باتقان. لم أحب عادة التدخين في حياتي، لكني فتحتُ النافذة رغم الجو البارد قليلا. وضعتُ يدي على حافتها.اقفلت هواتفي، ورحتُ أقلّب ناظري بين اليمين والشمال. ما زال بهاء الجبال على حاله رغم تقدم بعض البيوت اليها. ها هي أشجار السنديان والصنوبر والدلب نفسها تبادلني الحب بالتلويح بأغصانها. كلُ العلوم الحديثة عن الطبيعة تؤكد ان الاشجار والنبات وكل شيء حيّ في هذه الدنيا يتمتع بمشاعر حقيقية، لعل بعضها يفوق مشاعر البشر. هي مشاعر بقيت حقيقية ناصعة ونحن اخترعنا لها ألف سبب كي تموت.
لا شك ان الكاتب الفرنسي العظيم فيكتور هوغو كان يسير كما أسير أنا اليوم في مكان رائع كهذا حين قال : " ان الطبيعة تعطي الانسان أجمل ما عنده، فشمسها تهديه النور، ونارها تمنحه الدفء، وحيوانها يعطيه الغريزة وزهورها تحممه بالعطر، فهذه وسيلة الطبيعة لقول حبّها للانسان، ولذلك وجب على الانسان ان يعيد للطبيعة والانسانية ما فيه من ضوء ونور وحرارة وعطر وحب" .
تبدو السماء رمادية بفعل غيوم هذا الفصل، لكن زرقتها تتسلل من بين الغيوم كأنها تريدنا أن لا ننسى وجودها العائد حتما بعد أشهر قليلة. تنزل الغيوم رويدا رويدا صوب رؤوس الجبال كأنها الأم تلامس برفق رأس وليدها. كم كان المهاتما غاندي عميق البصيرة حين رأى أن " الطبيعة تُنتج كل يوم ما يكفي لحاجاتنا، ولو ان كلا منّا أخذ منها ما يحتاجه فقط، لما كان فقرٌ في هذه الدنيا ولا موتٌ من الذل أو القهر أو الجوع"
يرتفع الدخان من بعض مدافيء البيوت القرميدية ، فتوحي باستمرار هناءة ساكنيها رغم قساوة ظروف الحياة في حاضرنا. تنساب السيارة في الطرقات الهادئة الا من صوت عصفور غامَرَ في البقاء رغم الشتاء، ثم ينساب الينا صوت أول شلال في منطقة جزين المجاورة. أتوقف لالتقاط صورة، افتح باب السيارة، فيدخل شيء من الطقس البارد كأنما الطقس يريد شيئا من الدفء. أشتم اريج الأشجار، فاغمض عيني وأنظر الى السماء تارة والى الشلال تارة اخرى ثم يسرح النظر في ذاك المجال الأخضر البهيّ.
افتحُ اذاعة بي بي سي، أول عناوين نشرتها عن جائحة كورونا. اقفل المذياع بعد العنوان الأول، أراقب أشجار الصنوبر في منطقة "بكاسين" القريبة لقريتنا، اراها تعاتبنا، وكأني بها تقول :" لو حافظتم علينا لما اجتاحتكم الأوبئة".
الطبيعة تعطينا بقدر ما نعطيها، ولعلّنا أخذنا منها كل شيء ولم نعطها غير الحروب والاقتتال والحقد، فضاع الانسجام بين البشر والكون. لن نستعيد رونق الحياة الا اذا أعدنا الانسجام الى حيث أراده خالق كل هذا السحر.

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي آخر كتاب : الرحّالة

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة