Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

مدنٌ تُلغي فقراءها...ماذا عن دمشق؟

1598
news room January 17,2021

لجين سليمان- الصين

تدور عجلة الحركة الديمغرافية في الدول بين مدٍ وجزر للفقراء ومتواضعي الحال. فهم يهربون أولا من فقر حالهم في الأرياف، حالمين بأن يحقِّقوا في المدن أحلامهم الصغيرة، لكن سرُعان ما يسحبهم الجزر الى الضواحي أو الى أحياء الفقر فيتراكمون فوق بعضهم البعض ويتراصون كحبوب الزيتون في الوعاء. هكذا كانت مثلا العشوائيات قرب دمشق وفيها.

هذه أيضا حال الكثير من مدن العالم،  ذلك أن نموها غالبا ما  يناقض أحلام الفقراء، فمع كل تقدّم عمراني جديد، يندفع البؤساء إلى الأطراف، فيما تولد مشاريع جديدة وبنايات فخمة ومحال الكماليات، وتولد معها طبقة ثرية أكلت من عرق الفقراء وقتلت أحلامهم، وهو ما يؤسس لخلل حقيقي في النظام الاجتماعي . 

المنتجة التلفزيونية "باربارابيل" التي تشغل مركزا مهمّا في وسائل الإعلام التي يملكها رجل الأعمال الأمريكي "تيد تيرنر" في "أتلانتا" عاصمة ولاية "جورجيا" الأمريكية، علّقت على إقامة دورة الألعاب الأولمبية في "أتلانتا"  عام 1996 قائلة "حتى فترة وجيزة كانت هناك أحياء سوداء فقيرة رخيصة الإيجار تفصل بين أبنية سي ان ان وكوكاكولا. لقد اقتضى بناء القرية الأولمبية العالمية، هدمَ هذه المنازل،فصار بإمكان العاملين لدى المؤسستين التنقل من مؤسسة إلى أخرى دونما إزعاج"... ازعاج البؤساء حتما.

هو الأمر ذاته الذي حدث لسكان منطقة "خلف الرازي" في العاصمة دمشق، عندما تمت الموافقة على اقتلاعهم وتهجيرهم بشكل عشوائي، لبناء "ماروتا سيتي" مدينة الأثرياء، تلك المنطقة التي ذاع صيتها دون أن يظهر طابق واحد فوق سطح الأرض لأيّ من أبنيتها. وها هي  مفاهيم جديدة تتقدم في الخطاب المجتمعي والاقتصادي وحتى السياسي تتحدث عن مشاريع "المدن الذكية"  (smart cities)   وكأن البلاد ليس فيها عشوائيات تخطّت نسبتها الـ 40% . ربما كان المجتمع السوري بحاجة أكثر الى ذكاء حكومي للبحث في كيفية اسكان الفقراء في بيوت لائقة وتحسين مستوى اقتصادهم، قبل الانتقال الى المرحلة التكنولوجية المتقدمة بشأن ذكاء المدن.

في كتاب "فخ العولمة" لكاتبه "هانس بيتر مارتين" تبرز فكرة  "تصدّع العالم الواحد" إذ يقول الكاتب "لقد أخذت تسود أرجاء المعمورة مدن لا تهتم بالمشاعر الإنسانية، بحيث تبقى فيها المناطق الثرية جسما غريبا عما حولها من الاماكن والشوارع"

هو الأمر ذاته يُسقطُ على دمشق. كل يومٍ يبرز أحد وجوه  الثراء الفاحش والمثير للريبة، فتتحول أحياء قديمة أو عريقة او فقيرة الى شيء لا يشبه تاريخ وحضارة أقدم المدن المأهولة في التاريخ. فها هي مثلا أحياء بكاملها  مثل "أبو رمانة والمالكي"، تبدو كأجسام فضائية غريبة عن الأحياء المجاورة، وكأنها سيدة ارستقراطية أوروبية من القرن السابع عشر جاءت بمعطفها الفرو، وبقبعتها المزيّنة بالرئيش وكعبها العالي، تشرب القهوة بشيء من الاشمئزاز في خيمة عربية. وكلما ازدادت هذه المظاهر الغريبة التي عززتها الحرب، كلما انكمش السكان الأصليون والفقراء والبؤساء على ذواتهم.

إلا أن اللافت فيما سبق، أن معظم المدن التي اتجهت نحو إعطاء أثريائها مزيدا من الميزات، لم تكن خارجة لتوّها من الحرب،  فبعد معاناة استمرّت عشر سنوات، تأبى "المالكي" مثلا  أن تقترب من الدويلعة، ترفض "أبو رمانة " الاقتراب من "جرمانا" فيستمرّ ما كان، وكأن حربا لم تقع.

هي دروس تمرّ دون أن نتعلّم منها شيئا، فتسلك الطريق ذاته، لتقع بعد حين في المطبات نفسها، ما لم يقم مشروع عمراني مجتمعي اقتصادي سياسي يعيد رسم المدن والأحياء على نحو يقلل الفروقات ويزيد العدل وتوزيع الفرص، ويلغي بالتالي احتمالات الانفجارات المقبلة.   

هل نتعلّم، فنتفادى؟

الكاتب

لجين سليمان اعلامية طالبة جامعية في الصين

الكاتب:لجين سليمان

  • للمشاركة