Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

ماذا لو قلّد العرب ثورة الزراعة الصينية؟

1516
news room May 8,2021

لجين سليمان-الصين  

أمام تخلي دول عربية كثيرة عن ثروتها الزراعية والحيوانية، والذهاب نحو استيراد الحبوب واللحوم ومشتقات الحليب، يُمكن قراءة التجربة الصينية في هذا المجال لمعرفة كيف استطاعت هذه الدولة الهائلة، استغلال ثروتها الزراعية الى أقصى حد، بحيث أنها كانت كلما وضعت خطة وفشلت، تجترح أخرى من الفشل وتنجح. وصارت اليوم في مصاف الدول الكبرى زراعيا اضافة طبعا الى صدارتها الصناعية والتكنولوجية على مستوى العالم. صحيح أن ثمة دولا عربية كانت قد وصلت الى اكتفاء زراعي ذاتي مثل سورية، لكن لو اتفق العرب على مشروع زراعي تكاملي وجمعوا بين اليد العاملة والثروات الزراعية والحيوانية الهائلة في بلادهم لما اضطروا الى استيراد الثوم من الصين واللحوم من البرازيل واستراليا والقمح من روسيا وغيرها . 

في الفترة التي سبقت العام 1979 كان ما يسمّى  ب "مجتمع الشعب"  يدير جميع الأنشطة الزراعية بالنيابة عن الدولة، حيث ينقسم المزارعون إلى فرق إنتاجية صغيرة،  ويحصلون على نقاط مقابل خدماتهم اليومية، إلا أن عيوب هذا النظام بدأت تظهر بشكل واضح، لا سيما أنه يخلو من أي تفكير إبداعي ولم يشعر الفلاح بأي دافع للتطوير، خاصة  أنه كان يشعر بأنه مظلوم إلى حد ما ، مما جعل الإصلاحين في الصين يشعرون بهذه المشكلة ويعملون على الولوج الى فكرة  التعاقد.

 وفي الفترة الواقعة بين عامي 1979-1983 تم توقيع ما يسمّى بعقود المسؤولين بين الإدارة الزراعية وعائلات الفلاحين تقوم على المبدأ التالي: "تتعهّد تلك العائلات  بتسليم الدولة كمية متفق عليها من المنتجات وتتصرف بحرية فيما تبقى منها" لتعمم بعد ذلك هذه التجربة على الصين كلها، وفي نهاية الـ 1984 أصبح ما يزيد عن 95 بالمئة من الأراضي الزراعية، تُنتج وفقا لهذه السياسة.

وبعد نجاح هذه الطريقة زادت الدولة الأسعار التي تشتري بها المنتجات من الفلاحين زيادة كبيرة، وبشكل خاص الحبوب وفي الفترة الواقعة ببين عامي 1979-1981 ارتفعت هذه الأسعار بنحو 40%.

وهكذا بدأت الزراعة تمول الصناعة، وبتشجيع من الدولة سرعان ما نمت الصناعات غير الزراعية في الصناعة والنقل والتجارة     وبدءا من العام  1983 فككت الكومونات الشعبية وأخلت مكانها تدريجيا لأجهزة إدارية محلية ولجان قرى ينتخبها أبناؤها، تلك الكومونات كان قد أنشأها الرئيس الصيني الراحل ماوتسي تونغ، لتحويل الاقتصاد الصيني القائم على الملكية الفردية إلى اقتصاد تعاوني قائم على الملكية العامة، وهو ما يعني أن لا مقدسات أمام مشاريع التطوير والتحديث والنهوض بالمجتمعات ، بل المرجع الأساسي في تطبيق أي سياسة اقتصادية هو التجريب لمدة زمنية معينة.

وفي النصف الأول من الثمانينات اعتمدت سياسة المنتجات الزراعية الكبرى (قطن حبوب زيتون) على نظام أسعار ثنائي: أي  سعر ثابت للمنتجات التي يجب تسليمها للدولة، وسعر ثابت للسوق، وبعد أن حاولت الدولة دعم الأٍسعار قررت تحرير تجارة الحبوب، وفي العام 2004 أصبحت  الزراعات خاضعة للمنافسة، وألغيت الأسعار الثابتة والحصص ما أدى إلى انخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار، وهذا أظهر بدوره عدم وجود ضبط ناجح للأسعار وللإنتاج الزراعي، فجرى تصحيح ذلك في خطة جديدة حتى استقر الأمر على صيغة تضمن أرباحا للمزارع وللدولة معا وتنهض بالزراعة وتطور الصناعة.

هي مجموعة من السياسات التجريبية، والتي يجب على جميع الدول النامية اتباعها كي تضمن أمنها الغذائي، فمن يريد النهوض اليوم عليه مراجعة السياسة الصينية، لا بل والتفكير مليّا بتلك البلاد التي كانت تتنج 113.18 مليون طن من الحبوب عام 1949،ثم وصلت الى  657.89 مليون طن عام 2018، لتحقق في نهاية الأمر  اكتفاء ذاتيا بقدرة إنتاجية تصل إلى 95 بالمئة من الحبوب. وهي لن تتوقف طبعا.. هكذا هي الصين حركة دائمة كخلية نحل. ولو اعتمد العرب على التجربة الصينية وعقدوا اتفاقيات معها بشأن الإستثمارات والآلات والتقنيات الزراعية لربما أحدثوا ثورة فعلية في أمنهم الغذائي. وقد بدأت بعض الدول العربية ولو بخجل التعاون مع الصين في هذا المجال من إفريقيا الى الخليج فالمغرب، وهذا يحتاج الى خطة عربية واسعة وموحدة للتعاون طويلة الأمد. فأمام فشل الخطط العربية في السياسة والأمن، لماذا لا يكون تنويع التحالفات الدولية على أسس مشاريع التنمية والنهوض بالأرض أولا ؟ فالصين نفسها لم تحصر علاقاتها بحلفائها الأيديولوجيين وإنما انفتحت على أشرس منافسيها أي الولايات المتحدة الاميركية وتبادلت معها الشركات والخبرات والتجارة. هي نموذج يُمكن أن يُحتذى عربيا وينجح نجاحا باهرا. 

الكاتب

لجين سليمان : باحثة جامعية وإعلامية في الصين

الكاتب:لجين سليمان

  • للمشاركة