Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

لماذا تحرّك الكونغرس الأميركي لبنانيا؟

1714
news room May 22,2021

هادي جان بو شعيا 

وجّه  خمسة وعشرون نائبًا في الكونغرس الأميركي  رسالة إلى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أعربوا فيها عن قلقهم الشديد حيال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزرية التي يعيشها لبنان، ودعوا إلى اتخاذ خطوات عاجلة بالتعاون مع الشركاء الدوليين لمساعدة الشعب اللبناني والحيلولة دون إنهيار بلاد الأرز، تفاديا لتهديد أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها.

 أقتراح النواب في رسالتهم هذه،  تضمّن مجموعة من الخطوات العملية بغية حلحلة العقد السياسية في لبنان، وابرزها أربع :

أولاً، الدفع نحو انشاء مجموعة دولية تضم فرنسا وغيرها من الحلفاء الدوليين بهدف التنسيق لتقديم مساعدات مالية.

ثانيًا، تأسيس برنامج إصلاحي بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بهدف عودة الإستقرار للاقتصاد اللبناني، ريثما يتم التوصل بين الافرقاء اللبنانيين إلى إنتاج أو تشكيل حكومة قادرة على التجاوب مع مطالب شعبها.

ثالثًا، مطالبة المشرعين الأميركيين البدء بتقديم مساعدات إنسانية مباشرة، مع الأخذ بعين الاعتبار الحرص على احترام القوانين الأميركية، فضلاً عن التحقق التام والكامل من خلفية من يتلقّاها من أشخاص ومؤسسات وتوفير مزيد من المساعدات للجيش اللبناني.

رابعًا، الطلب بإجراء تحقيق دولي مستقلّ حول تفجير مرفأ بيروت الذي وقع في الرابع من شهر آب/أغسطس من العام الماضي والذي أودى بحياة أكثر من 230 ضحية، بالإضافة إلى آلاف الجرحى والمصابين والمفقودين، وما أنتجه من دمار طال جميع القطاعات الاقتصادية الحيوية وتحطيم منازل السكان الذين يعانون الأمرين في بلد لا يحترم قيمة الإنسان وحقوقه الدنيا في العيش الكريم.

اللافت أن الرسالة المقدمة تضمنت تحذيرات من استغلال حزب الله، فضلاً عن  "شبكات إجرامية " مدعومة من قوى خارجية على غرار إيران وروسيا، الأوضاع المتدهورة في لبنان.

 الواقع أنه منذ إنحدار لبنان الى  طريق الهاوية الاقتصادية والسياسية والتي تتهدّد النسيج المجتمعي، بدا الاهتمام الأميركي به محصورا إلى حدّ كبير بمواجهة حزب الله، سواء في خلال حقبة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أو مع مجيء الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة الرئيس الأميركي الحالي جوزيف بايدن، فضلاً عن الدعوة إلى إصلاحات تضع البلاد، المشلولة بالكامل والمسلوبة، على سكة الحلول التي من شأنها إخراج لبنان من أزماته المتتالية.

وقد برزت مؤخرًا أصوات من داخل مجلس النواب الأميركي تدعو إلى إيلاء لبنان الإهتمام اللازم والحؤول دون تدهور الأوضاع أكثر، بالتزامن مع ما يحدث في المنطقة بدءًا من مفاوضات ڤيينا للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، والتي على ما يبدو ستجد نورًا في آخر النفق المظلم،  مرورًا بانفجار القضية الفلسطينية مجددًا والنزاع العربي الإسرائيلي الذي أعاد عقارب الساعة إلى الوراء، بما لا يتناسب مع تطلعات الإدارة الأميركية الجديدة وتوجهاتها الاستراتيجية للخروج من مستنقع الشرق الأوسط والتركيز على الخطر الحقيقي الذي يتهدّد مستقبلها والمتمثل بثنائية الصين وروسيا، ناهيك عن الرغبة الأميركية بانهاء حرب اليمن بعدما استكمل الانسحاب من افغانستان.

لكن مع توجيه 25 نائبًا ديمقراطيًا وجمهوريًا رسالة إلى بلينكن للإعراب فيها عن قلقهم الشديد من التطورات في لبنان والتي تهدّد أمن الشرق الأوسط واستقراره ما ينسحب حكمًا على أمن الولايات المتحدة الأميركية القومي، محذّرين من مغبة استغلال حزب الله وقوى خارجية كايران وروسيا الأوضاع المتدهورة لتحقيق مآربهما وإحكام سيطرتهام على لبنان بشكل كامل، يكون من البديهي القول أن طروحات النواب الأميركيين قد تجد صداها في أروقة وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض في ظل الحراك الحاصل في المنطقة، حسب ما أفادت به مصادر مطلعة عن كثب على مجريات الأمور هناك، حيث تسود حال من الريبة والشك من إقدام محور الممانعة والمقاومة على القيام بأي عملية غير محسوبة النتائج، يُخشى من أن تعيد خلط الأوراق مجددًا في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة للخروج  من المنطقة التي كلّفتها الكثير من الخسائر على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية كافة.

كيف يتلقف لبنان هذه المبادرة؟

من المؤسف القول أن المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية يتعاملان مع القضية اللبنانية وكأن لبنان بلد منكوب جرّاء تعرّضه لزلزال  مدّمر أو عاصفة طبيعية أو حتى حرب طاحنة أدت إلى تهشيم المؤسسات وسواها. إلا أن الأمر مختلف تمامًا عما هو عليه، فلبنان اليوم، ومنذ مدة زمنية طويلة، خاضع لكباش سياسي حاد بين من يتهم حزب الله وإيران باحتلال لبنان، وبين من يرى ان محور المقاومة بقيادة طهران ربح حروبا كثيرا في المنطقة ومن حقه توسيع دوره السياسي في الداخل حتى لو تطلب ذلك تغيير بنية النظام القائم.  لذلك فأن بعض المراقبين يرون أن الهدف الأميركي والغربي الجاري حاليا هو التوصل الى صيغة تؤدي الى نزع خطر السلاح وتطبيق القرار 1559 وباقي القرارات الصادرة عن مجلس الأمن بشأن بسط السيادة اللبناني وأحادية السلاح بيد المؤسسة العسكرية والأمنية .  

أما الحديث عن حلّ اقتصادي في لبنان دون الولوج إلى إنتاج حلّ سياسي نهائي يبقى كلامًا لا يستند إلى بديهيات العلوم السياسية في العالم. حيث من المستحيل إعادة تعويم اي إقتصاد دون تأمين سقف سياسي يراعي أسس الاستقرار الأمني.

لعلّ الحلّ الأبرز هو توقف المجتمع الدولي وتحديدًا الولايات المتحدة عن استخدام لبنان كورقة ضغط تفاوضية في الملف النووي الايراني، والتركيز على أن المعضلة اللبنانية هي نتاج المشاكل الدائرة بين إيران ومحيطها العربي. وبالتالي الكلام عن الخروج من المأزق الحالي لن يتم بأي شكل من الأشكال طالما استمرت أميركا وخلفها العديد من الدول بتجاهل هذه الحقيقة والواقع القائم الذي يترجم إلى مزيد من المشاكل.

الكلام عن إجراء انتخابات نيابية وسواها من الحلول "الترقيعية" عبر مساعدات اقتصادية ومالية من هنا وخطابات طنّانة ورنّانة من هناك لن يسد جوعًا ولن يأتي بحلول جذرية لمشكلة لبنانية تزداد استعصاء.  . صحيح أن لبنان دخل حال الطوارئ ويحتاج إلى إنعاش اقتصادي ومالي، إلا أن الانعاش الحقيقي يكمن في المساعدة على تحقيق سيادة لبنانية حقيقة دون أي تبعية للخارج، و إعادة بناء اقتصاد منتج، متحرّر من سيف العقوبات، يعيد لبنان إلى مصاف الدول القادرة على التفاعل مع محيطها العربي ومع العالم بأسره.

 

الكاتب

هادي جان بوشعيا إعلامي-لبنان

الكاتب:هادي جان بوشعيا

  • للمشاركة