Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

لخضر بورقعة نسيّه العمر فبقي ثائرا

839
news room November 7,2020

سامي كليب:
 
لا أدري ماذا قادني في ذاك النهار الى مكتبة عتيقة في أحد الأحياء القديمة في باريس. أذكُرُ فقط التاريخ. فكيف ننسى تلك الأيام القاسية على كرامة كل عربي أثناء الغزو الأميركي-البريطاني للعراق بذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل وتعامله مع القاعدة وهو ما اعترف الاميركيون والبريطانيون لاحقا بزيفه. كانت أغلفة الصحف والمجلات جميعا، ما زالت تحمل صور الدمار وروايات الغزو، بعضها يُهلل للأمر من منطلق الموروث الاستعماري، وبعضها الآخر يطرح أسئلة وينشر تحليلات سطحية عن خطر الجيش العراقي، وتصمت الأفواه عن الأسباب الحقيقية للغزو، وهي أسباب تكرّرت مع كل غزو أجنبي لدولة عربية او افريقية، أي الثروات تحت وفوق الأرض.
 
لم أشأ ان اقرأ كل تلك الخزعبلات. كنتُ أبحث في ذاك المساء المعتدل الحرارة، عن كتب عن المغرب العربي، وذلك لرغبتي بتقديم مجموعة من الحلقات في برنامجي السابق " زيارة خاصة" على شاشة " الجزيرة" عن مناضلي المغرب ودورهم في طرد المستعمر. فأنا من جيل نشأ وترعرع على قصص الثورة الجزائرية، حتى كدنا نتخيل كل زاوية من أرض الأحرار ونحن في مقتبل العمر. وحين تسنى لي السفر، كانت الجزائر مقصدي الأول من بيروت في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، جئتها الى عنّابا مشاركا في مؤتمر شبيبة البحر الأبيض المتوسط، فتأكدتُ في الواقع مما كان في خيالي، حيث وجدت شعبا نابضا بحب أشقائه العرب، زارعا فلسطين في القلب، ومتابعا بدقة تفاصيل حربنا اللبنانية.
 
في ذاك المساء الباريسي المعتدل، دخلتُ الى مكتبة عتيقة، صاحبها متقدم بالعمر، تآخى مع مكتبته حتى تكاد تعتقده جزءا من محتوياتها. سألته عن جناح المغرب، فأومأ بيده الى رفوف على اليسار، والى مجموعة من الكتب التي تبادلت ألوانها في ما بينها حتى صارت جميعها صفراء كورق الخريف. كُلما سحبتُ واحدا منها تساقط شيء من الغبار، وظهر عنوان الكتاب، كمستيقظٍ للتوّ من سُبات عميق.
لفتني عنوانٌ مُستفز. قفز الى ناظري كتُحفة: " شاهدٌ على اغتيال الثورة". أخذتُه براحة كفيّ ورحتُ ازيل الغبار عن غلافه باليد الأخرى. قلّبتُ صفحاته بشيء من الخشية على جسده المتهالك قليلا بفعل الانتظار على رف المكتبة. أدركت من صفحاته الأولى انه يحكي مرارة أحد ثوار الجزائر. تردّدتُ قليلا، كدتُ اعيده الى مكانه، فقد كان حُبي للجزائر وثورتها يجعلاني أبتعد عن كل ما يشوههما حتى ولو كان حقيقة مجرّدة. ثم اشتريته.
 
هي قصةُ الرائد لخضر بورقعة. لا داعي لأسردها لكم فأنتم في الجزائر الحبيبة تعرفونها عن ظهر قلب. كانت المرةُ الأولى التي اٌقرأ فيها بقلم أحد القادة الثوّار من جيش التحرير العريق عن معاناته مع مجموعة من رفاقه الذي هالهم أن يتقدم من لم تكن له علاقة وطيدة بأصل الثورة الى صفوف قاطفي ثمارها. هكذا قرأت. قرّرتُ مرة أخرى ألا اصدّق رغم صدق الكلمات أمامي. قلتُ لا بُد أن في الأمر تصفية حسابات بين الرفاق كما يحدث في معظم الثورات حين تستقر الأوضاع. لكني اعلامي، ومن طباع الإعلاميين البحث عن الحقيقة من كل جوانبها.
 
جلستُ في المقهى الباريسي أرتشف شيئا من القهوة. وضعتُ الكيس البلاستيكي الى جانبي. نظّرَ الي الفرنسيُ الجالسُ الى الطاولة المجاورة بشيء من الريبة. فكلُ عربي أسمر صار في الغرب مشبوها حتى يُثبت العكس.  نظر الى الكيس ثم الي واصطنع الابتسام. فتحتُ الكتاب وقرأته مرة واحدة. وفي اليوم التالي سعيت لأعرف هل ان الكاتب ما يزال على قيد الحياة ام فارقها. سُعدت بأنه ما زال في عزّ حيويته وعنفوانه. تواصلت معه هاتفيا، فرحّب بي بصوته الواضح القوي.
 
كانت تلك بداية معرفتي بسي لخضر بورقعة، بعمي لخضر، بعرقوب مهند عرقوب، بالأخضر بن مسعود. وحين سألته عن كل هذه الأسماء وغيرها، أخرج لي من درج مكتبته بطاقات قديمة كان يستخدمها في تنقلاته.
 
أدهشتني في لقائنا الأول صلابة جسده رغم مرور العمر. يقف كالرمح. ويجلس كشاب في العشرين من العمر، يصافح بخشونة يد تُشبه أيادي الفلاحين في بلادي، ويرسم على محياه ابتسامة ترشح بالمحبة والصدق. روى لي قصة كفاحه ضد المُستعمر. حدّثني عن عدد من المعارك الحاسمة وعن قيادته لجزء من الثوار. كانت عيناه تلمعان بالعنفوان، فتغضبان كأنما المُستعمر حاضر أمامه، ثم تدمعان في الحديث عن الرفاق الشهداء. حدثني عن سبب تنافره مع الرئيس الراحل هواري بومدين، فقلتُ له:" لكننا في الشرق نحبه، ونحب الرئيس أحمد بن بلا، ونحب الرئيس الشاذلي بن جديد...لا يهمنا كيف ولماذا ومتى جاؤوا الى السلطة او غادروها، لكنهم بالنسبة لنا رموز للثورة ولدعمنا في الماضي والحاضر". ابتسم وقال:" سأروي لك قصتي مع سي الهواري ..." ورواها، كما رواها سابقا ولاحقا عشرات المرّات.
 
ثم التقينا في مؤتمرات قومية عربية، وفي لقاءات كان جوهرها دائما دعم فلسطين أو القضايا العربية المعاصرة. كلما التقينا، اجده أكثر شبابا من المرة التي سبقت، وأكثر عنفوانا، وأكثر حماسة للقضايا العربية، وأكثر لعناً لما يعتبرها مؤامرات على الدول العربية في العقود الثلاثة الماضية، وأكثر انتقادا لمن يصفهم ب " الحكام العرب المتخاذلين".
 
كان لقاؤنا الأخير في الجزائر. دعاني الزميل الصديق سُفيان الى منطقة أهله واجداده " بوسعادة". ذهبنا مع الزميل والصديق رشيد ولد بوسيافة برفقة عمّي لخضر بورقعة. أطلق الرائد السابق في الثورة العنان لروايات النضال والكفاح في تلك المنطقة التي نزورها. حدّثنا عن رجال جابوا الجبال والوديان والقفار يقاتلون المستعمر حتى ركلوه ركلا الى خارج البلاد.  أخبرنا عن سبب معارضته السلطة تاريخيا لأنه أرادها عربية وراهنا (أيام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة) لأنها فسدت. حكى لنا رحلته الأخيرة الى سورية ولبنان ولقائه بالرئيس بشار الأسد وعن رحلته السابق الى العراق ولقائه بالرئيس صدام حسين، أخبرنا عن سبب تسمية ابنيته جولان وسيناء. وكلما توقفنا لالتقاط صورة، كان يسبقنا الى النزول والصعود حتى في المناطق الصخرية الوعرة بينما كانت ريحٌ تعصف فنخالها ستقتلع السيارة من مكانها.
 كان الشيخ الثمانيني العمر العشريني الجسد والفكر، الطيب القلب، يحكي لنا عن الثوار هنا وعن استشهاد اثنين من القادة الثوريين عند هذه التلال بكمين نصبه المستعمرون. أسأله عن سبب غياب أي نصبٍ تذكاري للقادة والشهداء.  الجواب هو نفسه مجبول بالعزة والتواضع:" نحن لا نقدس الشهداء والقادة ولا نقيم لهم تماثيل ولا نتاجر بأسمائهم، بل نعتبر أنهم قاموا بواجبهم وصاروا في رحاب الله وجنّاته خلافا لما هو الأمر عندكم في الشرق". تذكرت تلك التماثيل في دول عربية عديدة ،لأبطال وهميين لم يشتركوا في أي معركة، وضحكت.
 
بعد اندلاع ثورة الجزائر الأخيرة، ومتابعتنا في الشرق لأخبارها الرائعة وامنيتنا بأن تنتقل سلميتها وفعاليتها الى بلادنا كي نرتاح نحن أيضا من الفساد والمحسوبيات والعصابات، فرحتُ بانضمام سي لخضر بورقعة اليها بحيويته وصدقه، تابعتُ يومياته وتصريحاته. حزنت حين اختلف مع الجيش، فالجيش الجزائري بالنسبة لنا هو ذاك الذي ما يزال واقفا يقاتل المستعمر في الجبل والفيافي والوديان، هو تلك المؤسسة الاصيلة التي ساندت علانية او بصمت كل قضايانا. وحزنت أكثر بسبب الشائعات التي حاولت تشويه تاريخ عمي لخضر، لكني وكما في كل مرة يتعلق الأمر بالجزائر، كنتُ أعرف أن الجزائريين يقدّرون كل من ساهم بثورتيهم، وان الرجل الذي كرّس حياته حالما بالثورة والنضال لأجل بلاده وكل دولة عربية مظلومة، سيبقى مكانه في قلب الشمس وتبقى صورته  ناصعة على الجبين المرفوع.
عمي لخضر بورقعة الذي نسيه العمر وبقي شابا ثائرا متمردا منتفضا لأجل كرامة مجتمعه ومجتمعاتنا، كان لا شك يحلم بأن يستشهد في فلسطين لا أن تقتله جائحة خبيثة. لكنه في كل الأحوال مات شامخا واقفا كنخلة.  رحمة الله عليه، وتعازي لعائلته ولكل محبيه ولجزائرنا الغالية، فقد فقدنا بفقده واحدا من أهلنا الذين نضع صورتهم في القلب باعتزاز كبير.

ملاحظة : المقال نشرته صحيفة الشروق في الجزائر 
 
 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة