Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

لبنان: تصفية النظام الطائفي وريث الاستعمار

682
news room October 5,2020

 

 

حسين الغور :

بحسب الأسطورة الفينيقية القديمة، يموت لبنان ولكنه ينهض من جديد من تحت الرماد. بعد الحرائق التاريخية والغزوات الأجنبية والحروب الأهلية، يبدو أن هذا القول يبدو صحيحاً، خاصة بالنسبة للبنانيين الذين لطالما اعتبروا أنفسهم ناجين. ومع ذلك، عندما تضيف الفساد العميق الجذور والإهمال الإجرامي - الذي أظهره الانفجار المميت والمدمّر في 4 آب - إلى كل هذه النكبات، فمن الصعب رؤية لبنان ينهض من جديد.

 

على مر السنين، أصيب كثير من اللبنانيين بخيبة أمل من الحكومات المتعاقبة والمؤسسات العامة بسبب ارتفاع مستويات الفساد، ونقل السياسيين أموال دافعي الضرائب إلى الخارج، والدين العام غير المستدام، وزيادة الخصخصة، وركود الأجور، وارتفاع التضخم، وارتفاع معدلات البطالة.

 

الآن، بما أن النظام الطائفي في لبنان تم بناؤه وترسيخه تاريخياً، فلماذا نناقش العلمانية؟ للحركات العلمانية أيضاً تاريخ طويل في لبنان. على الرغم من هيمنة "زعماء الطوائف" على النظام، إلا أن الحركات اليسارية لعبت دوراً مهماً كمحور للسياسة العلمانية. لم يدخلوا السلطة بأي شكل من الأشكال، ولكن قد يكون للعلمانية فرصة في لبنان: فالوعي الوطني آخذ في الازدياد بسبب خيبة الأمل من النظام الطائفي الحالي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وعدم قدرة الدولة على إدارة العديد من القطاعات كالكهرباء والاتصالات، والفساد المستشري في كل مرافق الدولة. مع استمرار احتجاجات العصر الحديث في لبنان، من المهم استكشاف تاريخ الطائفية العميقة الجذور، وتقييم احتمالية انتقال لبنان نحو نظام أكثر علمانية.

 

 

الوقائع التاريخية

قبل قيام الجمهورية اللبنانية، عمل النظام السياسي اللبناني كنظام متعدد الطوائف حيث تم توزيع السلطة على الطوائف الدينية المختلفة. في عام ١٩٢٠، أعلن الجنرال الفرنسي غورو عن تشكيل دولة لبنان الكبير، وتوسيع محافظة جبل لبنان التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي العثماني سابقًا. في ظل الانتداب الفرنسي، اكتسبت الطائفة المارونية قدرًا هائلاً من السلطة. 

 

مع الاستقلال عن الانتداب الفرنسي عام ١٩٤٣، أضفى لبنان الطابع المؤسسي على ميثاق اجتماعي يتمحور حول الهوية الطائفية من خلال توزيع السلطة السياسية على أسس طائفية. نتيجة لذلك، كان ارتباط كل مجتمع بالدولة من خلال ميثاق اجتماعي مع نخبهم الطائفية. عليه، أصبحت الدولة، في جوهرها، ساحة للتنافس بين النخب الطائفية التي تتنافس جميعها لتوجيه موارد الدولة إلى مجتمعاتها، وفقاً للعقد الاجتماعي الموروث.  سعت كل طائفة الى زيادة تمثيلها السياسي وتحرير بيئتها من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي.

 

أدت الحرب الأهلية في البلاد (١٩٧٥-١٩٩٠) إلى إنهاء التساؤلات حول شرعية الدولة. ومع ذلك، لم تفعل سوى القليل لإرساء السلام الذي من شأنه أن يقوي الدولة ويحسن قدرتها. بدلاً من ذلك، فشلت الحكومات المتعاقبة منذ الحرب الأهلية في توفير أبسط الاحتياجات الضرورية. تبدو الحلول لتحديات أكثر تعقيدًا مثل التدهور البيئي والركود الاقتصادي أو إعادة بناء بيروت بعد الانفجار أبعد من ذلك. بسبب النظام الطائفي والميثاق الاجتماعي الذي يقوم عليه، فإن وزارات الدولة والبلديات والوحدات الإدارية الأخرى غير قادرة على توفير الخدمات الأساسية. بدلاً من ذلك، أصبحوا إقطاعيات لأي حزب طائفي يسيطر عليهم، ويوزعون الموارد (وظائف القطاع العام، والمشاريع الاستثمارية، وما إلى ذلك) على مجتمعاتهم الموالية، كل ذلك تحت ستار تقاسم السلطة وإهمال أهداف التنمية الأوسع التي تفيد المواطنين ككل.

 

اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية وعزز القوة السورية في لبنان، زاد من ترسيخ ميزان القوى الطائفي. في نهاية الحرب ونتيجة لهذا الاتفاق، تولى جميع "الزعماء" الذين كانوا أمراء الحرب، المناصب الاساسية في السلطة. في عام ١٩٩١، سنت الحكومة اللبنانية قانون عفو عام عن الجرائم السياسية التي ارتكبت خلال الحرب، مما أعطى أمراء الحرب السابقين القدرة على العمل في الخدمة العامة مع الإفلات من العقاب. كان لاتفاق الطائف دور فعال في إنشاء نخبة سياسية تتميز بالمحسوبية والزبائنية، وفي تعزيز سيطرة الجيش والمخابرات السورية ليس فقط على الأجهزة الأمنية اللبنانية ولكن أيضاً على السياسيين اللبنانيين. 

 

وبحلول أوائل عام ٢٠١٠، بدأ النظام في الاقتتال حول الغنائم بسبب تضاؤل أهمية الانقسام السياسي بين ٨ و١٤ آذار، والذي حرض الائتلافين السياسيين الموالين لسوريا والمناهضين لها ضد بعضهم البعض في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام ٢٠٠٥. عملت هذه الثنائية في البداية على تقوية الأحزاب الطائفية وصرف انتباه المجتمعات عن أوجه القصور في الحكم. تلاشى الانقسام السياسي مع الربيع العربي عام ٢٠١١، ودخول سوريا اللاحق إلى الحرب الأهلية، والصدمات الاقتصادية المتكررة، ما أدى الى زيادة الشكوك حول ديمومة النظام الاجتماعي القائم. 

 

وصل انتقاد النخبة الطائفية والنظام الذي يحافظ على السلطة إلى ذروته في تشرين الاول ٢٠١٩. في أعقاب الاستجابة غير الكفؤة بشكل كارثي للحرائق الهائلة التي اجتاحت أجزاء من البلاد. فرضت الحكومة، الساعية للحصول على عائدات في ظل اقتصاد غارق، ضريبة على تطبيق WhatsApp، وقد أدى ذلك إلى اندلاع مظاهرات واسعة النطاق ضد الطبقة السياسية غير الراغبة في رؤية المعاناة التي تثقل كاهل غالبية اللبنانيين. سعى المتظاهرون إلى تفكيك النظام الحالي واستبداله بنظام أكثر إنصافاً وشمولية واستجابة لاحتياجات المواطنين. وبشكل أكثر تحديداً، كان هدفهم هو هدم الطائفية السياسية والطبيعة الإقصائية للنظام الذي يقترن بالهوية والفرصة - سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية – والذي يُخضع الدولة ومؤسساتها عن قصد للطبقة السياسية الطائفية.

 

أولئك الذين يستفيدون من الوضع الراهن يقاتلون بجد للحفاظ عليه. يستمر هؤلاء المؤيدون في الاستفادة من التركيبة الطائفية، ويعتقدون أن زعيمهم الطائفي فوق الشبهات، ويواصلون اعتبار الهوية الطائفية العلامة الأسمى للهوية اللبنانية. وحتى بعد الانفجار الكبير في المرفأ في ٤ آب، أظهرت مقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي بعض الزعماء الطائفيين يزورون مناطق حول المدينة محاطة بالموالين لهم يشيدون بهم ويدافعون عنهم من المتفرجين الغاضبين. هؤلاء هم نفس الموالين الذين حشدتهم أحزابهم السياسية لمهاجمة وتقويض الحركة الاحتجاجية المعارضة لحكمهم على مدار الأشهر القليلة الماضية. إذا لم تقطع إحدى الانفجارات "النووية" الأكثر تدميراً في تاريخ لبنان ولاءها، فيجب إنشاء حوافز أخرى ودعمها للدخول في نظام سياسي جديد متجذر في ميثاق اجتماعي شامل.

 

تمكين المجتمع المدني اللبناني 

سیكون من الصعب تغییر المیثاق الاجتماعي في لبنان، نظراً إلى عناد المیثاق القائم وإرث المؤسسات الطائفية الراسخ في البلاد. ومع ذلك، فإن العملية التي بدأت على مدار العقد الماضي قد أنتجت أساساً متیناً لتحقيق التغییر. خذ على سبیل المثال ظهور العديد من المنظمات الشعبية خارج تأثير المؤسسة السیاسیة التي تعید انتاج ما یعني أن تكون جزءاً من المجتمع اللبناني. 

على الرغم من أھمیة هذه الجھود التصاعدية في ظهور ميثاق اجتماعي جدید، إلا أنھا غیر كافیة في حد ذاتها. وبالفعل، فإن هذه المنظمات بحاجة إلى إصلاحات ھیكلیة یمكن أن تحفز تفكیك الطائفیة السیاسیة. لحسن الحظ، فإن بعض هذه الإصلاحات موجودة بالفعل في الدستور اللبناني. تدعو المادة ٢٢ من الدستور إلى إنشاء مجلس تشريعي من مجلسین، یكون فیه مجلس النواب خالیاً من الاعتبارات الطائفیة ویتمتع بتفویض للتعامل مع مقتضیات الحكم الیومیة. على الرغم من أن الغرفة العلیا مخصصة للنخب الطائفیة، إلا أنه سیتم تجریدھا من مسؤولیات صنع القرار خارج القضایا الوطنیة الرئیسیة مثل إعلان الحرب. وھذا من شأنه أن یحول النخب الطائفیة بشكل أساسي إلى بقایا رمزیة من حقبة ماضیة. بالإضافة إلى ذلك، تدعو المادة ٩٥ من الدستور إلى خطة انتقالیة لإنھاء الطائفیة السیاسیة. 

ھناك حاجة أيضا إلى سیاسات اقتصادیة جدیدة وتحفیز توطید میثاق اجتماعي جدید. حتى قبل الانفجار في ٤ آب، كان لبنان غارقاً في أزمة اقتصادیة شدیدة لدرجة أن العملة الوطنیة فقدت ما یصل إلى ٨٠ في المائة من قیمتھا ، مما أدى إلى القضاء على مدخرات المواطنين ودفع ما یقرب من نصف السكان الى خط الفقر. الأزمة ھي نتاج نموذج اقتصادي یعتمد بشكل كبیر على التحویلات، والسیاسات المرقعة التي تھدف إلى إثراء النخبة الطائفیة بدلا من إیجاد حلول دائمة للبنیة التحتیة المتداعیة في البلاد. شركة الكھرباء التي تدیرھا الدولة، على سبیل المثال، مسؤولة عن ٤٠ في المائة من الدین العام الضخم للبلاد، والذي یمثل ١٥٠ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. 

تم طرح الإصلاحات الانتخابية والانتخابات المبكرة كوسيلة للخروج من المأزق الحالي. على الرغم من مظاھر الدیمقراطیة، تم وضع قوانین انتخابية لإبقاء النخبة الطائفية في السلطة، وغالباً دون أي منافسة حقیقیة على مقاعد البرلمان البالغ عددھا ١٢٨ مقعداً. كان المبدأ الأساسي لھذه الصیغة ھو جعل الدوائر الانتخابیة تتطابق مع التركیبة السكانیة للحزب السیاسي للسماح للأحزاب السیاسیة بتعبئة مؤیدیھا في صنادیق الاقتراع من خلال الخطاب الطائفي. ضمنت هذه القوانین إبعاد أي حركة سیاسیة خارج المؤسسة الطائفیة التقلیدیة عن النظام. في حالة إجراء انتخابات برلمانیة مبكرة، یجب أن یكون ھناك قانون انتخابي عادل یكافئ الفرص ویعطي القوى السیاسیة الجدیدة فرصة حقیقیة لدخول النظام. 

من المؤكد أن النخبة الطائفیة القدیمة لن تفقد نفوذھا بین عشیة وضحاھا، حیث لا یزال لدیھا قواعد دعم كبیرة ترعاھا. یجب الترحیب بھذا لأنه یجعل التغییر أكثر وضوحاً لتلك النخب الأكثر مقاومة له من خلال الاستمرار في منحھم حصة في النظام، خاصة عندما یواجھون وضعاً غیر مسبوق حیث أدت الضغوط الدولیة والمحلیة على حد سواء إلى وضعهم في مواجهة مع المجتمع الدولي. في الواقع، من شأن الإصلاحات المذكورة أعلاه أن تساعد في تعزیز العملیات الرامیة إلى التخفیف التدریجي لسلطة المؤسسة السیاسیة التقلیدیة ودفع البلاد نحو میثاق اجتماعي ونظام حكم أكثر شمولاً واستجابة.

 

الأمل بولادة ميثاق وطني جديد

 

مع أخذ هذه التطورات بعين الاعتبار، أتساءل ما إذا كان لبنان يتجه إلى مرحلة ما بعد الطائفة. في حين أن الوحدة حول المصالح الاجتماعية والاقتصادية ومكافحة الفساد تساعد في تآكل بعض الخطوط الطائفية في المجتمع اللبناني، إلا أن هذا لا يعني أن الطائفية المتجذرة تاريخياً وسياسياً ستختفي. إن ترسيخ الهوية الوطنية اللبنانية العلمانية عملية طويلة، لا سيما بالنظر إلى أن لبنان "أمة" حديثة السن ولدت من رحم الاستعمار، لكن هذه المظاهرات الموحدة هي خطوة أولى حاسمة. على الرغم من أن الطائفية المتجذرة بعمق لن تختفي على الفور، فإن الدستور اللبناني هو مكان جيد لبدء عملية القضاء عليها. وتفترض المادة ٢٤ من الدستور أن الطائفية إجراء مؤقت لحين سن قوانين انتخابية غير طائفية. هل حان الوقت لسنها؟

 

هل حان الوقت للتخلي عن نظام التعددية الطائفية؟ كمواطن لبناني، أعتقد أنه لو كان النظام الطائفي كما نعرفه قد صُمم ونُصّب من قبل رعاة الاستعمار، ألن يكون إلغاؤه واستبداله بنظام سياسي علماني عملاً من أعمال تصفية الاستعمار؟ ألم يحن الوقت لأن نحرر أنفسنا من تحديد هويتنا الذاتية كطوائف؟ ألم يحن الوقت لأن نبني هويتنا الوطنية، خالية من الافتراضات الاستعمارية حول أنفسنا؟ الأنظمة السياسية الحالية في جميع أنحاء الشرق الأوسط هي إلى حد كبير إرث الاستعمار الأوروبي، وبالتالي فهي ليست نتيجة خيالنا. ألم يحن الوقت لاستخدام خيالنا السياسي؟ دعونا لا ننسى، كما قال بنديكت أندرسون، أن الدول "مجتمعات سياسية متخيلة". لذلك، عندما نناقش انتقال النظام السياسي الطائفي اللبناني إلى نظام علماني، لا يمكننا إغفال أهمية إعادة تصميم هويتنا الوطنية بطريقة تناسب العلمانية وتخرج لبنان من تاريخه الطائفي. هذه العملية ليست سهلة، لكنها كلها تبدأ بخيالنا.

 

إذن ما الذي يمكن أن يتخيله المواطنون اللبنانيون؟ كيف سيكون شكل الأمة اللبنانية ما بعد الطائفية؟ ماذا تعني الهوية الوطنية اللبنانية؟ الإجابات غير واضحة، ومعظم اللبنانيين سيواجهون صعوبة في محاولة الإجابة على هذه الأسئلة، لكن المهم أننا نتعامل معها.

 

الكاتب

أ.د. حسين الغور ​أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية ​مدير مختبر الأنظمة المدمجة والمترابطة

الكاتب:حسين الغور

  • للمشاركة