Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

لبنان ما بين دولة المواطنة والاتجار بالمواطن

271
news room May 25,2021

الياس نمر صليبا:

انبثق مفهوم الدولة مع معاهدة وستفاليا كخطوة اولى، و معها إنتقل الانسان الى الحياة السياسية المعاصرة ، التي رسخت تدريجيَّاً  حتى أصبحت تشكل بنية النظام الدولي الراهن. تعرف اتفاقية مونتيفيديو – Montevideo الدولة بأنها "مساحة من الأرض تمتلك سكان دائمين، إقليما محددا وحكومة قادرة على المحافظة والسيطرة الفعَّالة على أراضيها، وإجراء العلاقات الدولية مع الدول الأخرى".

 بالرغم من اعتبار الدولة مؤسسة عالمية ضرورية، فواجباتها متعددة تبدأ بحماية شعبها ، حماية حدودها، تأمين مستلزمات مواطنيها الإجتماعية، الإقتصادية، الثقافية، البيئية ، الصحية ،  وإحتكار إستخدام القوة إذ لا يعلو سلطانها اي سلطان .   

نرى أن هناك  مسؤوليات تقع على عاتق الحكومات، و تلعب دورا أساسيا بحياة المواطن فهل يصنف لبنان بين دول المواطنة أم الاتجار بالمواطن .

إن دول المواطنة هي تلك الدول التي تساوي بين أفرادها تحت لواء القانون ، تحمي الحريات الفردية ، تصون حق الملكية ، تعزز القيم العالمية كحماية البيئة ، المساواة الانسانية ، ينعم أبناؤها بالحرية الفردية ، و تفرض عليهم عنصر المحاسبة المكرس بالانتخابات ، تكون اللجان الانتخابية مقرات توعية سياسية ، تعرف المواطن على حقوقه و واجباته .

 يتم الفصل بين السلطة الدينية و الدنيوية، و للمواطن حق اللجوء الى المحاكم الدستورية من أجل تحصيل حقوقه المدنية ، يغيب التشنج المجتمعي و التحريض الطائفي و العنصري، و تلجم الدولة بقوتها هذه اعمال الشغب و التمييز يحاسب الجميع بمن فيهم الرؤساء .

عادة يسود مفهوم  المحاسبة في سياسة الشعوب ، فالحاكم ينفذ أجندته الانتخابية و يحاسب بعدم إنتخابه ، تراقبه المعارضة و تسلط الضوء على أخطائه ، يعتبر الوزير، الرئيس و كل من اعتلى سدة الرئاسة موظف لدى الشعب ، تقع على عاتقه مسؤولية الشأن العام و يحاسب على أي هدر اذ ما ارتكبه بحق الشعب .

تعرف هذه الدول الحكم الرشيد الذي يسعى الى التنمية المستدامة ، تحفيز دور المرأة والسعي الى العدالة الاجتماعية ، معتمدين عنصر الكفاءة بعيدا عن التمييز الطائفي ، العنصري رافضين أي نوع من التمييز.

تسعى دولة المواطنة الى تعزيز إقتصادها و تأمين الرخاء لمواطنيها و تخصصهم بتعويضات و أجور في كبر سنهم ، تحترم عجائزها، و مؤتمنة على كرامتهم فلا يشحدون في أخر عمرهم ، لا يبحثون عن خبزهم في القمامة، بل ينعمون بمعيشة هادئة ، إذ يسافرون للتمتع بما تبقى من حياتهم .

 تتهم هذه الانظمة بأنها فاسقة و مخادعة و مهيمنة من قبل دولة الاتجار بالمواطن فمن هي دولة الاتجار بالمواطن .

تتمييز دولة الاتجار بالمواطن بالمحاصصة و الاستزلام للحاكم ، تستغل الدين لتعميق الانقسام ، و تضرب البيئة المجتمعية الحاضنة ، فيتشتت المواطن ما بين الولاء للوطن و الهجرة .

تقلل دولة الاتجار بالمواطن  فرص العمل لتتمكن من شد الخناق على رقاب مواطنيها ،

و كي تتمكن من إرتهان المواطن  للحاكم ليس هو فقط بل و عائلته ، طوال عمره لرد جميل التوظيف ، و ما هو ذلك التوظيف سوى نوعا من البطالة المقنعة يدفع ثمنها الشعب.

تستنزف مقومات الدولة و المال العام لخدمة مصالح الحاكم  و خدمة أتباعه ، تختفي مقومات الحكم الرشيد فإقتصاد هذه الدول يعتمد عادة على الاستيراد ، تٌغَيَب الصناعات الانتاجية ، تَغيب خطط الطوارئ في بلد المفاجأت ،  تعم البطالة و الجهل و الفقر ، فيرزح الانسان تحت وطأة المعيشة و ينشغل بأموره الخاصة هنا يغيب الاهتمام بالشأن العام ، فتنحسر ميزة الوظيفية لاتباع الحاكم ، كي يبنون قصورهم من الرشاوة و إبتزاز المواطن ، يغيب عنصر المحاسبة ، و يشعر الفرد أنه مرتبط بالحاكم إرتباطا وثيقا ، فثورته لا تحقق التغيير بسبب الخوف من المجهول لانه أصلا يفتقر للرؤية المستقبلية .

دساتير دولة الاتجار بالمواطن مستوردة و لا تحاكي الحاجة الاجتماعية ، يتمتع النظام بالجمود لمصلحة الحاكم ، يحكم لعقود  يغيب الشباب عن الساحة السياسية ، و يكون توظيفهم لخدمة الدولة العميقة ، تسود الواسطة ، فالمواطن محدود ، بعلمه و حريته .

مساوىء دولة الاتجار لا تحصى تقتل مواطنيها، بسبب إهمالها و لا محاسبة بسبب غياب قضائها كما تفرح بفك الحصار عنها فوق نعوش مواطنيها ، تستخدم المدنية في سياساتها وتستغل الدين في أمور الاحوال الشخصية ، يضيع المواطن، فيكون سلعة بيد حكامه الذي يركض ورائهم لنيل الرضى و لا يعلم أنه من يحدد مصيرهم .

ننظر الى كلتا الدولتين و نحكم عقولنا أين يجب أن نكون ، أي وطن نريد ، أي قضية نريد أنريد وطنا جامعا ،أم بلدا ينجز إملاءات خارجية ، أي تغيير نريد، بالحقيقة ما نحتاجه اليوم نظام توليفي بين عراقة القديم و حداثة الجديد ، نظام جديد ليس مستوردا ، نظاما يحاكي المتطلبات الاجتماعية ، يكرس أرضية فكرية مشتركة بين أبناء الوطن الواحد، علنا ننتقل من الاتجار بالمواطن الى صون كرامة المواطن .   

الكاتب

الياس نمر صليبا: خريج الجامعة اللبنانية الفرع الثاني ماجستير علوم سياسية

الكاتب:الياس نمر صليبا:

  • للمشاركة