Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

لبنان في مهبّ الصفقات، من دمشق الى موسكو وباريس

4518
news room May 5,2021

لعبة الأمم 

سامي كليب 

يروي دبلوماسي عربي من المهتّمين بوضع لبنان حاليا، أن أحد المسؤولين اللبنانيين إتصل به أمس سائلا عن حقيقة التقارب السعودي السوري، فأجابه أن ما يقال عن إتصالات يبدو صحيحا، وأن المسألة ليست جديدة، حيث جرى جسُّ نبضٍ ولقاءاتٌ سابقة لم يُكشف النقابُ عنها. وأضاف أن هذا أمر طبيعي ذلك أن تفعيل سفارتي البحرين والإمارات سابقا، كان المؤشر الواضح الى تغيير التعامل الخليجي مع دمشق، وأن إحتمال عودة سورية الى جامعة الدول العربية بات كبيرا.  

يقول الدبلوماسي نفسه :" حين قلتُ هذا، ساد صمتٌ عبر الهاتف، ثم كلام مُبهم، ثم قال لي المسؤول اللبناني نفسه بشيء من القلق:" هل علينا الآن إذا إعادة ترتيب وضعنا مع دمشق؟"، ضحك الدبلوماسي وقال :" لا حاجة للعجلة، فالأمور تُطبخ إقليميا ودوليا على نار هادئة، ولا شيء حُسم بعد، وكل الإحتمالات تبقى مفتوحة، لكن الأكيد أنه منذ انتخاب جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية تتغير وتتسارع الخطوات في المنطقة على أكثر من صعيد، وليتكم في لبنان تتبادلون التنازلات وتُنقذون وطنكم بدل إنتظار الخارج".

يعكسُ هذا الحوار القصير، شيئا من جوهر الكارثة اللبنانية. فقد إعتاد معظم المسؤولين اللبنانيين طيلة العقود الماضية، "الإستزلام" للخارج. وتناوب الخارج على إستخدامهم بيادق في لعبة شطرنج إقليمية ودولية، تارة يُحرّكهم صوب الحروب فلا يترددون في قتل شعبهم، وتارة أخرى يجعلهم أوراقاً في مهب التسويات، فيخضعون لما يُقرّر عنهم.

ولو تأكد الإنفتاح العربي على دمشق، وحصلت تحوّلات دولية، رغم صعوبة ذلك حاليا، فلن يُفاجأ اللبناني لو رأى أكثر المعادين لسورية في لبنان ( وبعضهم كان حليفا لها ثم خصما) يسرّبون معلومات ومواقف تشي بتغيير مواقفهم. هذا دأبهم على مدى التاريخ اللبناني الحديث. يسيرون كما تجري الرياح، ولا باس لو داسوا على كل المباديء.  

في هذه الأجواء يصل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان مساء هذا الأربعاء الى بيروت ويبقى 24 ساعة. سبقت مجيئه ، سلسلة من التهديدات الفرنسية بإتخاذ إجراءات ضد مسؤولين لبنانيين يعيقون الحل السياسي. وتضمّنت تلك التهديدات كلاما للناطق بإسم الخارجية يؤكد جهوزية باريس لتوسيع نطاق الإجراءات بالتعاون مع الحلفاء الدوليين. هذا يُشبه تقريبا، ما كان عليه الحال حين اتفق الرئيسان الفرنسي والأميركي جاك شيراك وجورج دبليو بوش في النورماندي على القرار 1559. قد تجدُ أميركا مصلحة في دعم الضغوط الفرنسية لو توسعت الحركةُ الروسيةُ مثلا في لبنان، أو لو فشل التفاوض مع إيران، أما الأوروبيون فقد إنقسموا حيال الموقف الفرنسي، وبعضهم عارضه بشدة.

لا شك أن فرنسا ستجد رؤوسا منحنية مرة ثانية لمبادرتها التي لا يريد أحدٌ دفنها رغم أنها تعيش على الأوكسيجين في حالة شبه موت سريري. لا أحد يريد دفنها ليس حبّا بها، وإنما كي لا يُقال إنه عطّل خشبة الخلاص الأخيرة. لكن باريس تُدرك ( أو ربما لا تُدرك)، أنها في حال أقدمت على عقوبات واسعة تطال أطرافا وازنة في لبنان، فهذا سيُهدّد مجمل دورها في بيروت، وقد يُنهيه تماما كما إنتهى الى حد بعيد في سورية.

تحتاج المبادرة الفرنسية كي تنجح الى رافعة أخرى بعدما عجزت رغم كل الدعم المصري لها عن تحقيق أي إختراق .تحتاجها، لأنها وحدها لا تستطيع السير في حقل الألغام اللبناني. وهذه الرافعة يجب أن تكون سعودية وإيرانية قبل كل شيء. لكن اذا توفّرت هذه الرافعة السعودية الإيرانية في حال نجاح الحوار بين الرياض وطهران، فلماذا تُهدى أصلا الى فرنسا؟ ستُهدى حتما الى الولايات المتحدة الأميركية، لأن الصفقات الكبرى في المنطقة، لو حصلت، فستكون على خط أميركا-إيران-السعودية، لا على خط باريس.  

يتغيّر المناخ في المنطقة، لكنه مازال في مراحل جس النبض. البوادر الإيجابية الأميركية-الإيرانية، والإيرانية السعودية، والخليجية السورية، والتركية العربية، كثيرة، ولكن لبنان لن يكون أكثر من ورقة في الملفات العديدة المطروحة على الطاولات الاقليمية والدولية. فهو وخلافا لكل المُعلّقات الشعرية التي تُنظم حول دوره ومحوريته، الاّ أنه فقد منذ زمن بعيد أهميته لصالح دول خليجية.

سنكتشف بعد فترة، أن اللبنانين لم يقرّروا أي شيء، لو نضجت الصفقات، أو أنهم مستعدون للتقاتل مُجدّدا لو انهارت الصفقات. لم يتعلّم ساسةُ هذا الوطن الجريح شيئا من عِبَر التاريخ. يُمعنون إنهاكا في جسد الوطن، ثم ينتظرون خلف الأبواب المُغلقة، أن يأتيهم الراعي من الخارج.

كانت باريس كما دول عديدة أخرى تنتظر أن تساهم انتفاضة المجتمع المدني في تشكيل قوة ضغط هائلة على هؤلاء السياسيين. لكنها سُرعان ما أعلنت هزيمتها في الإعتماد على مجتمع بدا أضعف مما اعتقدت بسبب موروثات مذهبية وطائفية وتبعيات عمياء وعدم توفّر مشروع جامع وقيادة كاريزماتية ثم بسبب جائحة كورونا التي أنعشت الطبقة السياسية وأضعفت إنتفاضة الناس .

 عبّر الرئيس  الفرنسي إيماونيل ماكرون ومساعدوه صراحة عن خذلانهم من المجتمع المدني . ثم اكتشفت فرنسا أن الحماسة الكبيرة التي تحدّث بها ماكرون من قلب بيروت، كانت تحمل مُغالاة أكبر من الحماسة، أو ربما عدم إلمام بسياسة الذئاب الضالة التي يريدُ كل ذئب منها نهش شيء من لحم الوطن ليعزّز مكانه. 

الحضور الروسي في لبنان حاليا، صار أهم من الحركة الفرنسية، والأميركي يراقب الزيارات اللبنانية الى موسكو. واذا كان ماكرون تقدّم خطوة مهمة بإتجاه حزب الله في بيروت، فان العاصمة الروسية فتحت ذراعيها لتعاون أوسع وأعمق مع الحزب قبل إستقبالها الرئيس سعد الحريري ورئيس التيار الوطني الوزير السابق جبران باسيل.

يُمكن الجزم بأن الدبلوماسيات الغربية والشرقية تقف عند نقطة واحدة، مفادُها أن ساسة لبنان أعجز من أن يُقرّروا مصير بلدهم بأياديهم، وأنه لا بُد من وصاية خارجية. وهذه الوصاية ستفرزها المفاوضات الإيرانية الأميركية والسعودية الأيرانية وطبيعة تطوّر الملف السوري والمفاوضات التركية العربية.

باب الوصاية مفتوح الآن على مصراعيه، واللاعبون الدوليون والإقليميون كثيرون، بينما معظم الساسة  اللبنانيين ينتظرون خلف الأبواب المُغلقة ليعرفوا لمن سيبيعون مواقفهم المقبلة...لا بأس أن يجوع الناس ويتضاعف فقرهم، فهؤلاء الساسة، لم يحسبوا أصلا أي حساب في تاريخهم لرأي الناس، هم إعتادوا على أن يسير مناصروهم خلفهم، مهما فعلوا ومهما جاروا ومهما فسدوا. فمن يَدري، قد يطرقون أبواب سورية مُجدّدا.   

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة