Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

لبنان بين الشرق والغرب

1005
news room June 26,2020

 

  لا شك أن لبنان منذ عهد المتصرفية وبعدها القائمقاميتين، كان يتقاذفه عاملان داخلي وخارجي، والغلبة دائمًا للأخير، إذ لم يكن ثمة تركيز على العامل الداخلي نتيجة ضعف اللبنانيين وتبعيتهم للخارج، فيما العامل الخارجي مقسوم بدوره إلى قسمين القريب والبعيد، نقصد المحيط الإقليمي أو العربي من جهة، والدول الغربية من جهة ثانية، إضافة إلى تأثير ضعيف كان لبعض دول الشرق كروسيا مثلًا، ولم يتغيَّر واقع الحال مع إعلان دولة لبنان الكبير في قصر الصنوبر في بيروت من قبل المندوب السامي للانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا الجنرال  هنري جوزيف غورو ،بعد فصله عن سوريا عام 1920، بل نحا لبنان أكثر نحو الغرب على حساب محيطه العربي.

  تمكن آنذاك بعض القادة اللبنانيين وبطاركة الموارنة من الوصول إلى رؤية مشتركة تراعي الإنتماء العربي للبنان وشغف وتعلق جزء من شعبه بالثقافة الغربية، لا سيما الفرنسية منها بعد إنتداب فرنسي على لبنان دام قرابة ربع قرن. فكان المثياق الوطني عام 1943. وبمعنى آخر ومن اجل بلوغ الإستقلال بعد رحيل الإنتداب الفرنسي، كان  لزامًا على المسيحيين ان يتنازلوا عن مطلب حماية فرنسا لهم، وفي المقابل كان على المسلمين أن يتوقفوا عن المطالبة بإنضمام لبنان إلى سورية لأن المسلمين كانوا أصلًا قد رفضوا دولة لبنان الكبير .

   لم يستطع ذلك الميثاق على أهميتة أن يداوى جراح وندوب الشعب اللبناني المتعدد الثقافات حتى لا نقول الشعوب اللبنانية كما يحلو لبعض الكتبة، فبعد عقد ونصف كان لبنان على موعد مع أزمة وطنية نتيجة المواجهة الشرسة بين التيار العروبي الناصري من جهة، يقابله التيار الذي كان يدور في الفلك الأميركي بزعامة الرئيس كميل شمعون من جهة ثانية، وقد رحم الله لبنان بمجيء الرئيس فؤاد شهاب بعد أزمة 1958، والذي تمكن بدوره من إمساك العصا من النصف وتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية إلى حدِ ما. إلى أن إنفجر الوضع اللبناني عام 1975، وكانت الحرب الأهلية التي قادتنا إلى إتفاق الطائف عام 1989 الذي ما زال معمولًا به حتى الآن

  وفي كل تلك الحقبات التي ذكرت كان يحكم لبنان اقتصاد حر وجهته نحو الغرب، وقد ساهم الإنتداب الفرنسي بذلك ومن ثم سطوع نجم الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، وإذا ما كان ثمة استثمارات في لبنان لا بد أن تكون غربية، هذا فضلًا عن أن تركيبة النظام المالي والجيش مثلًا مرتبطًا إرتباطًا عضويًا بالولايات المتحدة. وظل لبنان على هذا النحو حتى تاريخه.

 لكن السؤال المطروح اليوم هل يمكن تغيير الوضع القائم وتوجه لبنان نحو الشرق، او بمعنى آخر تنويع الخيارات؟

لا يستسهلنَّ أحد هذا السؤال والتعاطي معه ببساطة، أنه وبدون مبالغة مرتبط بكيانية لبنان، وليس تغييرًا ما في وجهة الاقتصاد وحسب، وكلنا نعلم منذ بدأ تسليط الضوء على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لا سيما من قبل حزب الله كيف استنفرت قيادات لبنانية ومرجعيات دينية ليس للدفاع عنه وحسب، بل للدفاع عن طبيعة الاقتصاد اللبناني. حيث أُتهِمَ حزب الله بأنه يسعى إلى فرض اقتصاد شمولي أو ما شابه، وهو بالحقيقة والجميع يعرف بأنه ليس بمقدور حزب الله ولا غيره القيام بذلك، لكن الإشكالية تقع بدعوة الأخير إلى التوجه نحو الشرق وان لا نبقى أسرى للغرب. وكان أمينه العام السيد حسن نصرالله، هذه المرة، في خطابه الأخير في 6/6/2020 واضحًا دون لبس في الطلب من الحكومة اللبنانية بفتح أبواب الاستثمارت على مصاريعها لأية دولة للبنان مصلحة فيها، وتحديدًا على الشركات الصينية المتعطشة للإستثمار في لبنان والشرق الأوسط، خصوصًا بعد جائحة كورونا وتداعياتها على استثمارات الصين واستثمارات العالم أجمع.

 علمًا أن للشركات الصينية اليوم فرص هائلة للاستثمار، سواء في الشرق الأوسط أو في دول الاتحاد الأوروبي حتى، كفرنسا وألمانيا وبريطانيا بعد البريكسيت، ولم تعد الولايات المتحدة الوجهة الأكثر جاذبية للاستثمار، لا سيما من ناحية الكلفة، ومن حيث التقنية والمتانة أضحى يُنظر إلى الصين كإحدى أبرز الدول الصناعية، هذا عدا عن طاقاتها البشرية والمادية الهائلة والغير متوفرة لدى مختلف دول العالم.

  ورغم حاجة لبنان الملحة إلى استقطاب استثمارات على طريقة ال "BOT"، والغير متوفرة حاليًا إلا بالعرض الصيني، هناك هجمة أميركية شرسة على ذلك بمساندة داخلية من قوى وأحزاب لبنانية، وراحت تأخذ منحى طائفي أيضًا على جاري عادة اللبنانيين في مختلف أمورهم التي يتم تطيِّيفها وإسدال شيئ من القداسة عليها لمنع المس بها تحت عنوان الوحدة والعيش المشترك وغيرها من العبارات التي سئم  اللبنانيون من سماعها.

  وليس مشكلتنا في لبنان مع قانون "قيصر" أكثر ما هي مشكلة متأصلة بموقعيّة وتموضع لبنان التاريخي الذي يُحَرَّم المس به، وثمة من يربط موقعية وموضعيّة لبنان المالية والاقتصادية ببقائه كدولة موحدة متماسكة، لذلك نشهد كلام خطير في الآونة الأخيرة وحنين عودة البعض إلى صيِّغ تقسيمية من فدرالية وغيرها

  ورغم التغيير الذي طرأ على خارطة نفوذ الجماعات اللبنانية، بحيث هناك جماعات وازنة من الشعب اللبناني تطالب بتنويع الخيارات الاقتصادية من استثمارية وغيرها، وعلى قاعدة التعامل بالمثل، لكن هذه المرة ليست في العلاقات الدبلوماسية، فبما أنه على الجميع ان يحترم أنصار الاقتصاد الحر بلا متمماته بالمحددات الغربية، ففي المقابل على الجميع أن يحترم أنصار تنويع الخيارات، أو بمعنى آخر توجه لبنان نحو الشرق. حيث أن الأخيرين لم يطلبوا القطيعة مع الغرب كما تصورها أميركا ومناصريها بالداخل، كل ما في الأمر فلتكن ساحة المناقصات والعروضات والمنافسة متاحة لكل من يرغب الاستثمار في لبنان، خصوصًا أن العرض الصيني لا يوازيه أي عرض غربي أو أميركي لناحية استثمار وتمويل المشاريع على طريقة ال"BOT". وربما لبنان من أكثر الدول في العالم التي تحتاج لتلك الاستثمارات بعد حالة الانهيار التي يعيشها نتيجة سوء السياسات المالية والاقتصادية وفسادها على مدار ثلاثين عامًا، والنهب المنظم للمال العام.

  جرَّب اللبنانيون وخبروا الاعتماد على الإقتراض من الغرب، من باريس واحد وأثنين وثلاثة وصولًا إلى باريس أربعة، المعروف ب"سيدر" الذي ما زال عالقًا، والاستثمارات الغربية وشروطها، والارتباط الوثيق بالغرب، جميعها باء بالفشل. فلماذا إذن هذه الهجمة الشرسة على توجه لبنان نحو الشرق، لعلَّه يكون بادرة أمل في تغيير الواقع الذي نعيش إذا ما أرفق بروحية وعقلية ومقاربة سياسية مختلفة، سمحت بإصدار قوانين عصرية في التدقيق والمحاسبة وحماية المال العام. والقيام بالإصلاحات التي لا بد منها سواء تعاملنا مع الغرب أو مع الشرق

  والسؤال المهم في هذا السياق، لماذا مسموح لكثير من الدول بالتعامل مع الصين، والتي تدور في الفلك الأميركي؟ كدول الخليج ومصر على سبيل المثال لا الحصر، ومحرمًا على لبنان، حتى إسرائيل التي تصنف الولاية الواحد والخمسين من الولايات الأميركية أو بارجة أميركية في الشرق الأوسط، والمعونات الأمريكية التي تشكل العمود الفقري لاقتصادها ولآلة الحرب العسكرية في الكيان، نراها مؤخرًا تسعى إلى تلزيم إحدى الشركات الصينية لإدارة ميناء حيفا رغم رفض الإدارة الأميركية التي تضغط لإلغاء هذا التلزيم.

  هل المطلوب إذن أن يبقى لبنان في مستنقع الإنهيار لكي ينقاد إلى الإدارة الأميركية وتفرض شروطها عليه، والتي قد تبدأ بترسيم الحدود اللبنانية الفلسطينية طبقًا للرؤية الإسرائيلية، وتوطين الفلسطينيين والسوريين النازحين حتى، وتنتهي  بنزع سلاح حزب الله!.

 

الكاتب

مهدي عقيل باحث- لبنان

الكاتب:مهدي عقيل

  • للمشاركة