Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

كورونا يكشف ضعف النظام الأميركي . ماذا لو وقعت حرب نووية أو بيولوجية؟

2922
news room April 10,2020

 

تعطَلت حركة الحياة على سطح الكوكب، توقفت حركة  الملاحة البحرية، والملاحة الجوية، واقفلت الحدود البرية بين الدول. وبذلك نكون أمام مرحلة نشهدها للمرة الأولى لا تشبه شيء ولا حتى الحروب العالمية.

 والمتأمل لهذه المحطة يرى أنَ انتشار فيروس كورونا شكَل مساراً مستجداً تراجعت في ظلِه الفرق العسكرية، وتوقفت الفرق الزراعية والصناعية والتجارية عن العمل، وهذه الفرق وقطاعاتها كانت حصدت الآف المليارات من الدولارات التي انفقتها الدول لا سيما أميركا لزيادة ترساناتها العسكرية، ولجني أرباح مالية في ظل انتشار الفقر والجوع في الكثير من أرجاء المعمورة، وحتى في داخلها . كل ذلك توقف في هذا الوقت، وحدها الفرق الطبية التي لم تكن تحظى بعناية السلطة الحاكمة على مدى عقود هي التي صارت صاحبة السلطة التي خضع لها الجميع حتى السلطة السياسية نفسها!.

ارتقى القطاع الطبي والحفاظ على الصحة وسلامة الإنسان إلى رأس سلم أولويات النظام العالمي، ودفع القطاعات الأخرى إلى الخلف. فصارت  مسألة البحث في كيفية الحفاظ على الحياة الشغل الشاغل لدول وشعوب ومنظمات الكرة الأرضية. وفي غمرة الانهماك هذه، انكشف واقع الدول كبيرها وصغيرها لجهة قدرتها على مواجهة هذه الظاهرة.

هنا لا بدَ من رصد تجربة الولايات المتحدة الأميركية. والدافع إلى اختيارها هو ظهور العجز وعدم القدرة على مواجهة موجة هذا الوباء في الوقت الذي كانت تسوق نفسها على أنها الأكثر تقدماً لا سيما في المجال البحثي والطبي،  والأكثر قوة وقدرة على مواجهة الأزمات. ففي الولايات المتحدة لا يوجد نظام تأمين صحي حكومي لجميع مواطنيها كما هي الحال في بقية الدول الصناعية المتقدمة، وتتبنى بدلا من ذلك نظاما مختلطا ومعقدا ترك ما يقرب من 28 مليون أميركي، أو 8% من إجمالي السكان[1]، من دون أي تأمين لتغطية تكاليف الرعاية الصحية المرتفعة، هذا في الوضع الطبيعي، لكن مع انتشار فيروس كورونا تبين انكشاف عشرات الملايين من الأميركيين وعجز السلطات المحلية عن تأمين متطلبات العناية الطبية حتى للمواطنين الذين يحظون بتأمين صحي. فالعجز ظهر على مستوى إمكانيات الولايات المتحدة كدولة عن تأمين الرعاية الطبية لمواطنيها، وليس فقط على مستوى التغطية الصحية الطبيعية المطلوبة..

إن اجتياح وباء كورونا لها وما خلَفه من ضحايا ، وما بيَنه من عجز وعدم قدرة على الصمود يطرح التساؤل التالي: إذا كانت واشنطن عجزت عن تأمين المستلزمات الطبية لبضعة آلاف من مواطنيها لمواجهة فيروس، كيف لها أن تواجه حرباً نووية أو بيولوجية قد تصيب مئات الآلاف أم ربما الملايين من مواطنيها؟.

كرست واشنطن نفسها مقراً لقيادة النظام العالمي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، قادت التحالفات ، وشنت الحروب، احتلت بلاد، فرضت عقوبات، مزهوةً بقدراتها التي جعلتها نموذجاً فريداً وفق ما كانت تسَوق. في السنوات العشر الأخيرة تراجعت قدراتها ولم يعد لها نفس الوهج، انتقلت من موقع المهاجم في الساحة العالمية إلى موقع المدافع عن مكتسباته، لكنها بقيت متربعة على رأس هرم النظام العالمي مصحوبة بصورة القوة القاهرة التي يصعب هزيمتها.

أنفقت أميركا العام الماضي ما يقرب من 3.6 تريليونات دولار على الرعاية الصحية، أو ما قيمته 17% من الناتج القومي الإجمالي، لكن ومع تفشي وباء الكورونا على نطاق واسع داخل راضيها، ظهر للمواطنين الأميركيين عدم استعداد بلدهم لمواجهة طبية من العيار الثقيل، على الرغم من ضخامة ميزانية الصحة.واكتشف الأميركيون عدم توفر أدوات طبية أساسية وبسيطة لا تحتاج تكنولوجيا معقدة لإنتاجها أو توزيعها أو استخدامها في مستشفياتهم. وهناك كذلك الخلل في ترتيب أولويات الإنفاق العام، وكيفية تخصيص الموارد المالية الضخمة التي تنفق في مجال الصحة وتفوق عدة مرات مثيلاتها في دول العالم[2].

اليوم مع انتشار فيروس كورونا  استيقظنا على هشاشة الدولة التي  كان يعوَل عليها في حماية العالم، إن هو تعرض إلى غزو فضائي، فإذا بها تسقط عند أول امتحان. المؤكد أن هناك إشكالية حقيقية في مقدرة واشنطن على اختراق الستار الحديدي الجديد، فلم تستطع ست عشرة وكالة استخبارية الحصول على أي معلومات دقيقة حول سبب تفشي الفيروس السريع، سواء في الصين، أو حتى في الداخل الإيراني، ولا يتوقف الفشل المخابراتي الأميركي على الصين وإيران، وإنما يمتد كذلك إلى كوريا الشمالية وروسيا".[3]

وتتضح هشاشة الوضع في الولايات المتحدة من المواقف الداخلية التي عبَر عنها حكام الولايات. في ظل قطاع نظام تأمين صحي ينقسم إلى ثلاثة مكونات رئيسية . تأمين صحي خاص: يتمتع به ما يقارب 55% من الأميركيين، وتوفره في أغلب الحالات جهة العمل مع مساهمة مالية من العاملين والموظفين.وبرنامج تأمين صحي ميدكير (Medicare) للمسنين والمعاقين: يغطي هذا البرنامج الحكومي 20% من المواطنين والمقيمين ممن تجاوز عمرهم الخامسة والستين من العمر، إضافة إلى المعاقين. واخيراً يوجد برنامج تأمين صحي حكومي ميدك إيد (Medicaid) للفقراء وشيب (Ship) للأطفال: ويغطي هذا البرنامج 17% من الأميركيين من الفقراء الذين لا يتجاوز دخلهم معدلات الفقر الرسمية.

على الرغم من ذلك نجد فحاكم ولاية واشنطن يوجه نداءاً للولايات الأخرى يعتبر فيه أنَ مساعدتهم لصمود وانقاذ نيويورك هو انقاذ لهم جميعاً وهذا يعبر عن حجم الأزمة. وكذلك نجد نيد لامونت، حاكم ولاية كونيتيكت الأميركية، يعلن أنَ المخزون الاستراتيجي الوطني الأميركي من الإمدادات الطبية خاو الآن، وإن الولاية تحاول "بمفردها" تأمين أجهزة تنفس صناعي ومعدات حماية شخصية لمكافحة جائحة كورونا. وقال "الآن نحن بمفردنا. في الوقت الحالي نبذل قصارى جهدنا للبحث عن معدات الوقاية الشخصية بقدر ما نستطيع[4]".

كانت مفارقة أن نشهد روسيا ترسل مساعدات لواشنطن !.فقد أدى انتشار الوباء إلى إرسال روسيا طائرة عسكرية محملة بمساعدات إنسانية إلى الولايات المتحدة للمساعدة في مواجهة انتشار الوباء وقالت وزارة الدفاع الروسية -في بيان- إن طائرة من طراز "أنطونوف-124" تابعة للقوات الجوية "تنقل أقنعة طبية وتجهيزات طبية أقلعت متوجهة إلى الولايات المتحدة"[5].

على الرغم من انفرادها بالريادة وبلا منافسة في جوائز نوبل في الكيمياء والطب خلال العقود الأخيرة. فإن هذا المشهد يبيِن بشكل جلِي القدرات الضعيفة التي تمتلكها واشنطن، فهي بدت عاجزة عن تأمين المستلزمات الطبية لبضعة الآف من مواطنيها المصابين بكورونا. فلو أنها تعرضت إلى ضربة عسكرية كبيرة بسلاح بيولوجي أو نووي أو غير ذلك من الأسلحة التي تخلِف وراءها الآلاف أو مئات الآلف من القتلى والمصابين لكانت عجزت عن تلقي نتائج هكذا ضربة. من هنا يمكننا القول انَ ظاهرة القوة التي كانت تسوقها واشنطن كانت استعراضية اكثر مما هي واقعية. وهي سقطت عند أول امتحان خطر يهدد داخلها. وهذا مؤشر أنَ التعاطي معها بعد انقضاء موجة الكورونا سيختلف ولن تبقى صورتها كما هي.

 

الكاتب

بروفسور علي محمود شكر. أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

الكاتب:بروفسور علي محمود شكر. أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

  • للمشاركة