Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

كتاب فرنسي يُكذّب رواية نتنياهو : لا دور للمفتي في تصفية اليهود

1413
news room December 17,2020

                 

 

سامي كليب: سعى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ سنوات لتحميل العرب مسؤولية المحارق المأساوية التي تعرّض لها اليهود على يد النازية، وسلط الضوء على شخصية فلسطينية تاريخية هو الحاج أمين الحسيني، متهما اياه باقناع زعيم النازية أدولف هتلر بتصفية يهود فلسطين. لكن كاتبا فرنسيا متخصصا بشؤون المنطقة وبالعرب وفلسطين، كذّب هذه الرواية في مؤلف جدير بالقراءة : "الهيمنة على اسرائيل. نتنياهو ونهاية الحلم الصهيوني" ، حتى ولو ان الكتاب بحاجة الى تدقيق من مؤرخين عرب لكونه يقلل من اهمية الحسيني ويضعه تارة في مصاف العمالة لبريطانيا ومرة اخرى في خدمة النازية.   

اليكم أولا  الوقائع

·     في 20 تشرين الأول/اكتوبر 2015، القى بنيامين نتنياهو خطابا أمام المؤتمر الصهيوني العالمي في القدس، عشية زيارته الى المانيا، قدّم فيه روايته عن اللقاء الذي حصل بين أدولف هتلر ومفتي القدس الحاج أمين الحسيني في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1941، فقال :" سافر الى برلين، ولم يكن هتلر آنذاك يريد تصفية اليهود، لكن الحاج امين الحسيني قال له اذا طردتهم فهم سياتون الينا. ساله هتلر ما العمل، فأجاب :احرقهم"

·     كعادتهم العرب لم ينتبهو طبعا الى خبث هدف نتنياهو من خلال هذه الرواية، وبأنه يريد تحميل مسؤولية المحرقة للعرب لتبرير استكمال قضمه لكل فلسطين. فالمعروف تاريخيا ان الكثير من العرب شجبوا المحارق وأدانوها ووقفوا ضدها لكونها عملا لاأخلاقيا ولا انسانيا وانها جريمة ابادة جماعية.

·     اللافت أن اسرائيليين سبقوا كل المسؤولين العرب في شجب ما قاله نتنياهو، وفي مقدمهم زعيم حزب العمّال اسحق هرتزوغ الذي انتقد بشدة ما اسماه ب " اخطر تشويش تاريخي، وطالب نتنياهوب تصحيحه، كذلك فعلت زيهافا غال أون رئيسة حزب ميريتز اليساري  بقولها :" يجب نبش قبور  33،771 الف قتيل يهودي في بابي يار في قتلوا في  أيلول/سبتمبر 1941، أي قبل شهرين من لقاء هتلر والمفتي، والقول لهم ان النازية لم تكن تريد تدميركم" . والشجب نفسه جاء من وزير الدفاع، موشي يعلون، بقوله :" بطبيعة الحال فان الحسيني لم يخترع الحل النهائي للمسألة اليهوية، وان التاريح يبرهن بوضوح ان هتلر كان مصدرها"

·     في ألمانيا، انبرت المستشارة انجيلا ميركيل أيضا لتكذيب نتنياهو قائلة: " لا نجد أي سبب لتغيير رؤيتنا للتاريخ في هذه المسألة، ونواصل تحمل مسؤولية المانيا في المحارق" .

·     صحيح ان نتنياهو تراجع عن هذه التصريحات لاحقا وسط الاعتراضات الكبيرة التي تلقاها ليس دفاعا عن العرب وانما لعدم تبرئة النازية. لكن الصحيح كذلك ان أسباب ما قاله ليست بريئة.

في تعليقه على كل ذلك، يعود الكاتب Jean-Pierre Filiu    كعادته في كل مؤلفاته الى وثائق التاريخ المحققة  فيقول :" ان محضر لقاء هتلر-الحسيني يؤكد على نحو قاطع، ان تصريحات نتنياهو هي محض اختراع. فلنتذكر الوقائع. امين الحسيني الذي اكتسب صفة حاج بعد القيام بهذه العمرة في مكة، كان قد عُين في العام 1921، وهو في السادسة والعشرين من العمر، بمنصب المفتي الأكبر للقدس، وذلك من قِبَل هربرت صاموئيل المفوض الاعلى لبريطانيا في فلسطين. كانت بريطانيا آنذاك قد حصلت من عصبة الأمم على انتداب فلسطين، والتي ضمنتها لاحقا اعلان بلفور، اي التزامها في العام 1917 حيال القادة الصهاينة بدعم قيام وطن قومي للشعب اليهودي. وصاموئيل هذا الذي لم يخف يوما قناعاته الصهيونية، أصاب عصفورين بحجر واحد من خلال تعيين الحسيني مفتيا أكبر، فهو بذلك يوسع الفرقة بين العائلات الفلسطينية العريقة، فيساهم في اضعاف الحراك الوطني، ويفبرك من جهة ثانية محاورا عربيا مع السلطات البريطانية.."

 

يضيف جان بيار فيليو:" كان المفتي الحسيني اداة فاعلة لتلك السياسة التي عززت الانتداب، وان عداءه الواضح لللاستيطان الصهيوني لم يمنع تزايد عدد يهود فلسطين من 50 الفا عام 1917 الى 384 الفا في العام 1936. وفي تلك السنة اندلعت انتفاضة شعبية باسم "الانتفاضة العربية الكبرى" وضعت الحسيني، بالصدفة، على رأس اللجنة العربية. لكن المفتي، وبدلا من مواكبة مواطنيه في الكفاح على أرض بلادهم، لجأ الى لبنان في تموز/يوليو 1937، قبل ان يذهب الى العراق في خريف عام 1939، وبعد ان كان قد خدم باخلاص الانتداب البريطاني، تبنى الاتجاه الجرماني ( الالماني) على نحو واضح جدا"

يتابع الكاتب الفرنسي :" ان الحسيني بدأ من بغداد مراسلاته مع هتلر في كانون الثاني/ 1941. وبعد 4 أشهر، اعلن من على اثير اذاعة العراق اول نداءاته العديدة للجهاد ضد البريطانيين. لكن تلك الحملة الخطابية لم تؤخر ابدا سقوط الطغمة المؤيدة للنازية في بغداد لصالح بريطانيا وحلفائها. عاد الحسيني الى النفي، ووصل بعد رحلة طويلة الى ايطاليا ثم المانيا. أهدى تعاونه للمحور، وفي خلال اللقاء مع هتلر الذي تحدث عنه نتنياهو، التزم بتشكيل  فيلق عربي لخدمة النازية. لكن مصداقية المفتي كانت ضعيفة الى درجة انه لم يجمع اكثر من 6300 مقاتل التحقوا بالتشكيلات العسكرية الالمانية المختلفة طيلة الحرب العالمية الثانية، بينهم 1300 من فلسطين وسوريا والعراق" . 

ويقول الكاتب :" باختصار، فان معاداة المفتي للسامية كانت واضحة ومتفاقمة آنذاك، ولم تتغير حتى وفاته في بيروت في العام 1974. وان تعاونه الاجرامي مع الدعاية النازية، ومع الاستخبارات  والقوات الخاصة الالمانية SS، خصوصا في البوسنة، مؤكد ومحقق. وهناك صورة شهيرة تُظهره مستعرضا وحدات القوات الخاصة SS Handschar المسؤولة عن التصفيات الرهيبة للشعب الصربي. مع ذلك ، فلا يمكن اعتبار الحسيني المهندس الأكبر للحل النهائي ( اي تصفية اليهود) ، والذي علم به متأخرا في صيف العام  1943

كما لا يمكن اعتباره المحرض"

لماذا كذب اذا نتنياهو؟

عن هذا السؤال يجيب جان بيار فيليو، بقوله :" ان كذبة الدولة التي اطلقها نتنياهو في تشرين الأول/اكتوبر 2015 ليست وليدة خطأ، وانما تمثل ذروة سياسة ناضجة وممنهجة " ، وهو يضعها بالتالي في سياق مشروع انكاري تبناه نتنياهو منذ سنوات طويلة لتدمير فكرة الدولتين واقامة دولة يهودية خالصة متطرفة وغير ديمقراطية.

فبعد ان يستعرض الكاتب تاريخ عائلة نتنياهو التي تعود الى الجد " ابراهام ماركوس" الذي هرب من الامبراطورية الروسية القيصيرية  الى فلسطين لبناء اول مستوطنة بدعم البارون الفرنسي ادمون دوروتشيلد، وحيث تَعَبرَن اسم العائلة ليصبح ( نتنياهو)، يشرح تطور الحياة السياسية والدينية في اسرائيل والجنوح المضطرد صوب التطرف الديني. ويصل الى نتيجة مفادها ان :" نتنياهو يغذي الحقد والخوف في الشرق الاوسط، ولا يتراجع أمام أكبر الكذبات حتى ولو قُبض عليه وهو يغرر بالناس. فهو  ادعى مثلا على صفحته على فايسبوك انه تم العثور على شيكل قديم ( العملة الاسرائيلية) في احدى مستوطنات الضفة الغربية في العام 1917 وقال :" ان هذا الاكتشاف الرائع هو برهان على العلاقة العميقة التي تربط شعب اسرائيل وأرضه بالقدس، وبمعبدنا في يهودا والسامرة( الضفة الغربية) " ثم سرعان ما امحى التعليق بعد ان تبين ان القديم الذي ادعاه انما هو حديث التصنيع ، وما زلنا حتى اليوم ننتظر اعتذاره"

يركز الكاتب الفرنسي على نتياهو كسبب رئيس في تراجع اسرائيل وتطرفها واضطراب علاقتها بالمهاجرين اليهود وبقتل عملية السلام. وهنا يتوقف عند نقطتين هامتين جدا، اولاهما تقول ان نتنياهو يعتمد على الولادة عند المتدينين بدلا من الاعتماد على استقدام مهاجرين جدا، والثانية ان " المسيحيين الصهاينة" الذي يربو عددهم على 600 مليون انجيلي عبر العالم ويزدادون عددا باستمرار خصوصا في اميركا اللاتينية صاروا اكثر اهمية بالنسبة له من المؤسسات اليهودية في الخارج والتي غالبا ما تكيل له الانتقاد. فضغوط هؤلاء الانجيليين هي التي دفعت دولا مثل البرازيل وغواتيمالا والهندوراس للحاق بادارة ترامب ونقل سفاراتها الى القدس.

ويختم الكاتب مؤلفه الجديد هذا بالقول :" ان نهاية الحلم الصهيوني" هي صنيعة نتنياهو، تتغذى بالغاء كل اشكال الانسانية، وبانكار الآخر الفلسطيني، الذي يقود حتما الى انكار الاسرائيلي الآخر واليهودي الآخر"

المؤلف :

-------- 

جان بيار فيليو 

بروفسور جامعي في فرنسا متخصص بتاريخ الشرق الاوسط

له كتب ودراسات عديدة بينها : 

العرب، قدرهم وقدرنا 

مرآة دمشق والجنرالات 

تاريخ غزة 

اكتب لك يا حلب .من قلب الثورة 

الشرق الأوسط الجديد. 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة