Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

كارلوس غصن، قصة النجاح القاتل

8922
news room January 13,2020

منذ هروب الصناعي العالمي كارلوس غصن من اليابان الى موطنه الأصلي لبنان قبل أيام، ملأ الرئيسُ السابق لشركتي رينو-نيسان العالمَ وشغل ناسه، وتُظهر احصائيات وسائل التواصل الاجتماعي أن أخباره كانت الأكثر مشاهدة في الأيام القليلة الماضية بعد نبأ قتل الجيش الأميركي للقائدين الايراني والعراقي قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، والقصف الايراني للقاعدة الاميركية في العراق.

 

قصةُ غصن، تستحق فيلما سينمائيا عالميا، ويمكن القول انها الاولى من نوعها لو قرأنا تفاصيل حياته التي تحوّلت الى كتب عديدة منتشرة حاليا في المكتبات الفرنسية. أما قصة علاقته بالإسرائيليين، واحتمال تورط شركة اتصالات إسرائيلية بمساعدته على الهرب عبر منحه هاتفا عصيّا على الالتقاط (حسبما كشفت صحية ماريان الفرنسية)، فهذه جميعها بما فيها لقاؤه مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز ( وفق كتاب " Renault nid d’espions” أو رينو عش الجواسيس) أثناء ادارته لشركتي السيارات في باريس وتعاونه مع شركات إسرائيلية لتصدير سياراته الكهربائية الى إسرائيل، فتبدو جميعها ورغم أهميتها، الأقل اثارة في حياة الرجل. لا بل تنسجم لقاءاته الإسرائيلية هذه مع طبيعة عمله وطموحه الهائل الذي ظهر منذ مقاعد الدراسة، حيث أن الاعمال الناجحة تسير على جثث المبادئ، ويبقى الهم الأول، هو المزيد من النجاح والشهرة والكسب المادي الكبير.

 

ولد كارلوس غصن في منطقة بورتو فيللو على بعد نحو ٣٥٠٠ كيلومتر من ريودوجانيرو في قلب الأمازون عند حدود بوليفيا، هناك رُسم بدقة تاريخ عائلته المهاجرة من لبنان الى أميركا اللاتينية في فترة الهجرات الكبرى بسبب المجاعة او البحث عن مصدر رزق. لم يكن جدّه بشاره غصن قد تخطى عمر ١٣ عاما حين استقل الباخرة في مطلع القرن الماضي، وبقي في البحر ثلاثة أشهر في رحلة الهجرة بين لبنان والبرازيل التي يملك فيها كارلوس عقارات كثيرة وبينها شقته الحالية التي تصل الى نحو٦ ملايين دولار واشترتها له اخته كلودين (وفق ما يروي كتاب “Le piège” أو الفخ، الصادر حديثا في باريس) . أما والدته روز فهي من مواليد نيجيريا الأفريقية

 

لم يسبق في تاريخ فرنسا أن تربّع رجلٌ من أصل عربي، وعلى الأرجح غير عربي على عرش شركتين بحجم رينو ونيسان. وحين غزا أميركا ثم اليابان بعبقريته الصناعية والإدارية، طارت شهرته أكثر مما توقع الجميع، الا هو، فمنذ أيام الدراسة كان يقول:" أريد أن أصبح رئيس شركة". وينقل الكتاب الفرنسي عن الوزير اللبناني السابق شربل نحاس رفيق دراسة غصن عنه قوله:" كان كارلوس غصن تلميذا لامعا وفارضا نفسه”.

 قدّمته مجلة "ايكونوميست" العالمية على انه " الرجل الذي يساوي ١٠ مليارات دولار"، ووصفته مجلة " بيزنيس ويك" بأنه " روك ستار صناعة السيارات"، ووصل الأمر بالبعض الى حد القول عنه انه " نصف اله" او أنه " لويس الرابع عشر "  وسخر البعض من شكل وجهه وعينيه ( اللتين خلصته اليابان من سماكة نظارتيهما بعد اجراء عملية ناجحة على يد اطبائها) ، فقالت عنه بعض الصحف العالمية انه يشبه الممثل البريطاني الكوميدي" ميستر بين"، أو يشبه  " آكل لحوم البشر في الرسوم المتحركة "، أما هو المتميز بروح النكتة وسرعة البديهة والذكاء الاستثنائي فكان يحب لقلب " قاتل الديون" خصوصا بعدما أنقذ شركة نيسان من الإفلاس.

 

كيف لا يقال عنه كل هذا وهو كان يتربع على واحدة من أكبر امبراطوريات صناعة السيارات في العالم؟ فالتحالف بين رينو ونيسان، يضم ٤٥٠ ألف موظف (أي أكثر بمرة ونصف من عدد موظفي القطاع العام في لبنان، وأكثر من عدد السكان الأصيلين لدول عربية ) و١٢٢ موقعا صناعيا ونحو ١٢ مليون سيارة في أكثر من ٢٠٠ دولة؟

 

عاش في الطائرات والفنادق أكثر مما عاش على الأرض، تقول احدى مساعداته أنه "يمضي ١٠٠ يوم في العالم راكبا الطائرة أي انه يسافر أكثر من أهم وزير خارجية لأميركا”، وهو يباهي بأنه لا ينتمي الى المكان ويقول :" لم أعش أبدا في مكان واحد حتى أقول اني انتمي الى مجموعاته".

 

من يقرأ تفاصيل حياة هذا الرجل الناجح جدا، يدرك أن ساسة فرنسا لم يتقبلوه، فالدولة الفرنسية التي منذ أربعينيات القرن الماضي تشارك بحصة ١٥ بالمئة في شركة رينو كانت وما تزال تريد الهيمنة على الشركة ولا تقبل المستقلين او الذين يعاندونها، ورؤساء فرنسا وبينهم الحالي ايمانويل ماكرون وقبله السابق نيكولا ساركوزي لم يتقبلوه ولم يفتحوا له ابوابهم. ويبدو أنه هو أيضا لم يكن من النوع الذي يجامل المجتمع المخملي الفرنسي، ويقال انه عاد من اليابان أكثر نفورا. وأما اليابان، فهي أرادت انهاءه بعد أن امتصت كل عبقريته.  

 

نقرا في قصص الرجل كثيرا من الاسرار والنكايات بين الشركات، ومحاولات التجسس والاختراق من دول كبيرة، وتسريبات وعمليات تنصت، وجشع واقتتال تنافسي بين شركات ومدراء ينهشون لحوم بعضهم البعض في سبيل الربح والنجاح. ونقرأ عن حبه لزوجته الثانية، وعن ضغوط كبيرة مارستها زوجته الاولى فاضطر الى مقاضاتها، بينما أولاده تفرقوا في بقاع الأرض.

 

أما قصة هروبه من اليابان حيث يحاكم بتهم التهرب من الضرائب وتبييض أموال وغيرها، فآخر ما روي عنها هو ما كشفته صحيفة ماريان التي تقول ما مختصره: ان الهروب تم عبر طائرة خاصة أقلعت من دبي وكان على متنها ٧ أشخاص الى مطار اليابان، وهم ٤ من طاقمها، واميركيان أحدهما جورج زايك من أصل لبناني والثاني مايكل تايلور متزوج من لبنانية وكان يعمل مع القوات الخاصة الاميركية، وهناك احتمال وجود فريق ثان. وتمت تخبئة كارلوس غصن في صندوق خشبي كبير كان مخصصا للآلات الموسيقية واضيفت اليه بعض الثقوب كي يتنفس.

يبدو ان مطار كانساي في اوساكا قليل التفتيش ذلك ان الكثير من رجال الأعمال والثروات الكبرى يمرون عبره بسهولة. وقد أضافت الصحيفة معلومة يتم تداولها منذ أيام عن شركة اتصالات إسرائيلية هي التي زودت الفريق بالهاتف السرّي .  وما ان نجحت العملية واقلعت الطائرة، حتى خرج كارلوس غصن من الصندوق ليفتح مع رفاقه الشامبانيا احتفالا على متن الطائرة.  

لعل حياة وهروب هذا الصناعي العالمي ذي الأصل العربي، تستحق فيلما سينمائيا قد يضاهي فيلم الهروب الشهير من السجن المعروف باسم " الفراشة"، ويقال ان شركات انتاج عالمية بدأت بالسعي الى ذلك.

 

لا شك أن أكبر عدو لكارلوس غصن، كان نجاحه الكبير، وطموحه الاستثنائي، فهما غالبا ما يوصلان صاحبهما الى حافة الخطر القاتل، ان لم يقرر ضبطهما في لحظة معينة.

الكاتب

سامي كليب

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة