Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

جورج أورويل ووزارات القمع باسم الحب

1113
news room December 30,2020

روزيت الفار 

قرأتُ رواية "1984" منذ سنوات طويلة، واستعدتُ قراءتها اليوم، وكلما اقدمتُ على ذلك، تحضرني صورة الوطن العربي. فما في الرواية من أحداث وشخصيات ونجاح الوزارات الوهمية في أخضاع الناس لمشيئتها، وتطويع الشعوب لخدمة الحاكم المستبد، تبدو جائحة عالمية فتكت في دول كثيرة، فما عادت الشعوب قادرة على التمييز بين ثورة تقوم لأجلها أم ثورة دُبّرت في ليل حالك، لمضاعفة مآسي الناسي.

الانسان ولد حُرا، والأديان السماوية أرادته حُرا، والقوانين وُضعت لكي تحمي حريته، لكن كل الممارسات في كثير من دول العالم، بما فيها  بعض تلك التي تدعي الديمقراطية، جعلت المواطن عبدا بملء ارادته، مُسيّرا كالسائر في المنام.

ربما في هذه الايام الاخيرة من عام المآسي 2020 ، سيكون جيدا ان نستعيد هذا الواقع من خلال رواية لاقت شهرة عالمية واسعة وتُرجمت الى معظم لغات العالم، وجعلت من مؤلفها أحد ركائز الرواية العالمية بامتياز.  

هو إيرك آرثر بلير الكاتب الإنجليزي الذي اشتق إسمه من نهر أورويل الجميل. له عدة مؤلفات، أشهرها "مزرعة الحيوان" و"1984" -التي أُعتبرت عملاً تحذيريا من الحكم الشمولي الفاسد.  تقع أحداثها في Oceania  إحدى الامبراطوريات العُظمى الثلاثة التي تسيطر على العالم بالإضافة إلى  Eastasiaو  Eurasia. تصف ما يحدث بالمدينة الفاسدة  Dystopia والتي يتّضح فيها حكم الحزب الواحد الشمولي المتسلط والمستبد صاحب القبضة الحديدية بقيادة "الأخ الاكبر" الذي تملأ صوره كل مكان وزاوية، يظهر فيها بشاربيه الأسودين البارزين اللذين يوحيان بالقوة والرهبة والهيبة، وبنظراته الحادّة الثاقبة التي تهدد وتلاحق كل فرد وتراقب جميع تحركاته و أفعاله وتسيطر على المعلومات الخاصة به وذاكرته وهويته وكل من يتعامل معهم. 

الفردُ ممنوعٌ  حتى في عزلته الخاصة من البحث أو السؤال أو ممارسة  أبسط حقوقه الطبيعية كالحبِّ والعلاقات الحميمة. يخضع دائما ل "شرطة الفكر" المسؤولة عن كل شيء حتى النَفَس، وذلك بغية زرع الولاء المطلق للحزب.

إن شخصية الأخ الاكبر مكتنفة بالغموض وتجعل الناس يفكرون بأنها ربما تكون شبحا او وهما لكنهم يخافونها ويعتقون بانها عصية على الموت .

يعمل وينستون سميث- بطل الرواية الثائر والموظف البسيط - في "وزارة الحقيقة" -إحدى الوزارات الاربع التابعة للحزب : "الحب" و"السلام" و"الوفرة" و " الحرب" - بقسم السجلات. تقتصر وظيفته على مراجعة كل المواد القديمة التي تحتويها السجلات وإعادة كتابتها بالصيغة التي تناسب "الأخ الاكبر", بمعنى آخر تزوير الحقائق، واختلاق اكاذيب لا يوجد للعامّة معلوماتٌ سواها وعليهم تصديقها وتنفيذها دون عصيان،.

هكذا استطاع الحزب أن يمحي من قواميس اللغة جميع المفردات التي قد تجعلك تفكر بغير ما يناسب أو يؤمن به الحزب. ويستمر هذا الحزب في تكرار الأكاذيب حتى جَعلها حقائق غريزيّة بذهن الشعب. 

استخدم أورويل أسماء الوزارات تلك بالمعنى التهكمي لأدوارها. فدور وزارة الحقيقة هو الكذب ونشر المعلومة المضلّلة وتجهيل الناس حيث يرى الحاكم في تجهيل الشعوب قوة لدولته. Ignorance is Strength ودور وزارة الحب (المخابرات) هو السيطرة والاستبداد، Freedom is Slavery. ووزارة السلام (الحرب)  War is Peaceهو استحداث الحرب بحجة إحلال السلام.  أما وزارة الوفرة فكان دورها التفقير واستنزاف قوة الشعب وذلك من خلال فرض مهامٍ وأعمالٍ إضافية.يقوم عامة الشعب  بها دون زيادة في الأجر أو المكافأة، ويقبلونها برضى تام وكأنها من واجباتهم العادية.

بهكذا وزارات يصبح الفرد مُسيّرا، فقاد القدرة على التفكير، خائفا من المخالفة، ذاهبا صوب عبودية فكرية قسرية او طوعية ، منفذا  " إزدواجية التفكير" أي أن قبول الشيء ونقيضه كأمر صحيح.

انطلاقا من شعارات الحزب الحاكم  الثلاثة: الحرية هي الاستعباد. القوّة هي الجهل. الحرب هي السلام؛ تستطيع الدولة فرض هيمنتها وقوتها على الشعب بيسرٍ؛ فالشعوب المُستعبَدة الجاهلة الفقيرة لا يمكنها أن تثور.  والدولة تُحدث الثورات لتثبيت سيطرتها ونفوذها. ويرتبط الانتماء للحزب بالقوة والبقاء اللذين يحصل عليهما الفرد المُنتمي اليه، وبذلك تضمن الدولة خضوعه التام وبقاءه مسلوب الإرادة، مقابل أن يكون مستقلاً لكن بحالة ضعفٍ وعَوَز ومُراقبا وآيلاً للسقوط.

"جوليا " هي الموظفة  الثائرة الأخرى التي تعمل مع وينستون في  الوزارة نفسها . شابة جميلة  لكن وينستون لا يستطيع إقامة علاقة معها تماشيا مع قوانين الحزب. لكن العاشقين الثائرين، يكسران القوانين ، ويُشعلان فتيل ثورتهما أولا باللقاء وممارسة الحب بالخفاء.

"أوبريان" الشخصية الرئيسية الثالثة في رواية اورويل؛ ذكي وأعلى منصبا من وينستون لكنّه صادَقَهُ واجتمع بداره مع صديقته جوليا وكان ضمنيّاً داعما لثورة صديقيه الجديدين واتفق الثلاثة على الثورة. كتاب "جولدشتاين" كان بمثابة محفّزٍ لهما لكن تم القبض على وينستون وصديقته وأدخلا وزارة الحب، بمكانين مختلفين، ليجرب كل منهما عذاب الحب لوحده.  

 

من أهم المقتبسات: من يملك الحاضر يملك الماضي، من يملك الماضي يملك المستقبل.

الكاتب

روزيت الفار عمّان-الأردن

الكاتب:روزيت الفار

  • للمشاركة