Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

إيران أولوية أميركية، فماذا عن سورية ولبنان وفلسطين؟

8632
news room February 17,2021

لعبة الأمم

 سامي كليب

  عقد المسؤول الأميركي المكلّف ملف ايران روبرت مالي، اجتماعات مكثفة عبر التواصل الألكتروني مع مسؤولين أوروبيين خصوصا في فرنسا وألمانيا ولندن، للاتفاق بين المدراء السياسيين لهذه الدول حول كيفية العودة الى التفاوض مع إيران ومن المنتظر عقد اجتماع افتراضي على مستوى وزراء خارجية لهذه الغاية ايضا في الساعات المقبلة . ذلك أن الملف الإيراني يبدو الأكثر الحاحا بالنسبة لادارة الرئيس جو بايدن. ومن المنتظر أن تُسفر هذه الاجتماعات واللقاءات الأخرى التي جرت مع دول خليجية واسرائيل، الى تقديم اقتراحٍ لطهران. فما المنتظر؟ وماذا عن الملفات الأخرى المتعلقة بسوريا ولبنان وفلسطين ؟

·     الهدف الأول بالنسبة لواشنطن وحلفائها الأوروبيين هو العودة الى المفاوضات وتصحيح خطأين ارتكبهما الرئيسان السابقان دونالد ترامب وباراك أوباما، حيث أن الأول خرج من الاتفاق بدون التنسيق مع حلفائه ما سمح لايران بالعودة الى تخصيب اليورانيوم، والثاني تعامل بخفّة تقارب الاحتقار مع الدول الأقليمية حين قرر توقيع الاتفاق مع طهران، وقَبِل بفصل الاتفاق النووي عن الملفات الأقليمية الأخرى وعن الاسلحة الاستراتيجية الايرانية.  من هنا نفهم تصعيد لهجة الشروط حاليا بين واشنطن وطهران مع الابقاء على احتمالات العودة الى التفاوض مفتوحة بقوة.

·     الهدف الثاني هو اقناع إيران بأن ما سيتحقق في المفاوضات المقبلة سيكون أكثر صلابة مما حصل سابقا، ذلك أن انسحاب ترامب من الاتفاق وفرض عقوبات قاسية على طهران، جعل هذه الأخيرة مترددة وتتهم واشنطن بعدم احترام التزاماتها، فما يقرّره الرئيس قد ينسفه الكونغرس والعكس صحيح.

·     الهدف الثالث هو كيفية الخروج من العقبة الحالية من أمام العودة الى التفاوض، ذلك أن إيران تريد رفع العقوبات قبل العودة، وواشنطن تريدها ان تتخلى عن اجراءات التحلل من الاتفاق كشرط مسبق. واذا ما نجحت الوساطات وجهود روبرت مالي في ذلك، وعاد الطرفان للجلوس الى طاولة التفاوض، يُمكن التفكير بتوسيعه في مرحلته اللاحقة الى الملفات الأخرى.

روحاني الاطفائي

من المهم جدا الاشارة في هذا المجال الى سعي الرئيس الإيراني د.حسن روحاني في الساعات الماضية الى ترطيب الأجواء وسحب كل صواعق التفجير، حيث قال : " ان ايران لا تعتزم طرد المفتشين النوويين، وأن تعليق العمل بالبروتوكول الإضافي لن يغير الكثير في نشاط إيران النووي. وانها ستواصل التعاون مع الوكالة الدولية في إطار اتفاقية الضمانات في معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي،وانها لا تسعى إلى حيازة أو تخزين هذا السلاح أو أسلحة الدمار الشامل "  مؤكدا استعداد إيران للعودة عن خفض التزاماتها "بعد ساعات"من رفع العقوبات الأمريكية.وعبّر عن ترحيب طهران بأي مقترح لخطوة مقابل خطوة أو خطوات شاملة مقابل خطوات شاملة للعودة إلى الاتفاق النووي.

روحاني قال هذا ، لأنه بين 21 و 23 شباط/فبراير الجاري، على الحكومة الايرانية الالتزام بقرار مجلس النواب بوقف التعاون مع المتفشين ورفع مستوى التخصيب. وما قاله خطوة مهمة لتسهيل مهمة روبرت مالي وغيره من الساعين لانقاذ الاتفاق الذي تريد ايران ان يبقى كما هو ولا يعاد النقاش بشأنه، كما أنه تجاوب لمطالب حسن النوايا التي يقترحها الوسطاء بين طهران وواشنطن.   

ماذا عن لبنان؟

من الواضح، على الأقل حتى الساعة، أن الملف اللبناني ليس بين أولويات الإدارة الأميركية، ويتبين من كل الاتصالات الأوروبية الأميركية ان ادارة بايدن تكتفي بطرح اسئلة والاعراب عن القلق دون تقديم أي رؤية واضحة. لذلك فان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون سعى من خلال اتصاله الهاتفي مع بايدن، وايضا عبر التواصل بين مسؤولي الادارات السياسية الاوروبية ومع روبرت مالي، الى طرح مجموعة من الافكار حول لبنان.

من هذه الافكار مثلا، الدعوة لاجتماع لمجموعة الدعم الدولية حول لبنان، وذلك بعد التشاور مع الحلفاء الأوروبيين ولكن أيضا مع دول خليجية ابرزها السعودية والامارات العربية اضافة الى التنسيق الدائم طبعا مع القاهرة.

الرئيس الفرنسي الذي يعتزم زيارة المملكة العربية السعودية ودولا أخرى قريبا، كان قد بعث بهدايا كثيرة في الأيام القليلة الماضية الى الرياض، ومنها مثلا شجبه القصف الحوثي لأراضيها وتحميل الحوثيين مسؤولية التدهور، واصراره على ان تشمل المرحلة المقبلة من الاتفاق النووي دولا اقليمية وفي مقدمها السعودية.

ووفق معلومات موثوقة فان التفكير الفرنسي الحالي هو في جعل الملف اللبناني جزءا من التفاوض الدولي مع إيران، ويسعى ماكرون لاقناع واشنطن وحلفائه الأوروبيين بذلك، كما يطلب من بعض شركائه في الاتحاد الأوروبي اقناع ادارة بايدن بأن يكون هذا الملف أولوية في اي مفاوضات مقبلة.   

لكن خطوة ماكرون تبقى محفوفة بالخطر، ذلك أن طهران، التي صمدت في وجه العقوبات القصوى من قبل  ترامب، ليست بوارد تقديم تنازلات الآن،  ولذلك فهي لم تُبد حتى الساعة اي انفتاح على مناقشة أي ملف أقليمي او أي مسألة اخرى تتعلق بسلاحها الاستراتيجي والصواريخ الباليسيتية ودورها في المنطقة، وتريد التفاوض وفق الشروط السابقة... على الاقل في هذه المرحلة.

من هذا المنطلق يُمكن فهم الرغبة الفرنسية في تفعيل دور عربي مساند للمباردة الفرنسية في لبنان، بحيث ان الدول الخليجية ومصر تزيد حضورها، كما أن ماكرون سيسعى لاقناع الرياض بالعودة الى لعب دور أكبر بدلا من الانكفاء، خصوصا ان المخاطر الكبيرة في لبنان ستؤثر عليها لاحقا وفي مقدمها الدور التركي في البحر الأبيض المتوسط واحتمال انبعاث موجات التطرف وغيرها، وصولا الى سعي قطر للعب دور على الساحة اللبنانية ان لم يكن مناقضا لأي دور سعودي محتمل فهو حتما لا يتوافق مع دور الامارات.

أما لو فشلت مساعي ماكرون، فيمكن التفكير برفع مستوى الضغوط بطريقة اخرى عبر تعاون أميركي فرنسي، لكن ذلك يبدو بعيدا الآن نظرا لأن أولويات واشنطن حاليا ليست في بيروت.

الملف السوري المعقّد:

لعل الملف السوري يبدو الأكثر تعقيدا في الوقت الراهن على المستويات العسكرية والسياسية والانسانية والاجتماعية. فاذا كانت الرغبة الأوروبية واضحة لجهة اقناع الأميركيين بضرورة تخفيف العقوبات عن كل ما هو انساني وطبي وغذائي، الا أنهم يتجنبون أن تؤدي أي خطوة الى انعاش القيادة السورية أو زيادة شعورها بالنصر، خصوصا قبل الاستحقاقات المقبلة وفي مقدمها الانتخابات الرئاسية في الصيف.

هنا أيضا لم تتُخذ قرارت حاسمة من قبل الادارة الأميركية وفق المعلومات الموثوقة، وانما هناك جس نبض ودراسة احتمالات، لكن الأكيد أن مسألة الانسحاب المفاجيء ما عادت واردة، وان الاتجاه هو لتدعيم الحلفاء الأميركيين واستمرار الضغط لحل سياسي .

من المُنتظر في هذا السياق تنشيط الدعم الأميركي والأوروبي لمبادرات الأمم المتحدة لاشعار القيادة السورية بضرورة تقديم تنازلات في الاجتماعات السياسية مع المعارضة، خصوصا بعد الفشل الذريع للجنة الدستورية .

ويُمكن الحديث عن بداية اتفاق بين بعض الأوروبيين وواشنطن حول اظهار الحضور الأطلسي أكثر في الملف السوري، ليس بالضرورة على المستوى العسكري وانما عبر متابعة دقيقة للضغط السياسي ، واعادة النظر بالعقوبات لكي تكون ضمن ملف أوسع من الاجراءات الواجب اتخاذها. وذلك بالتوازي مع تسهيل وصول المساعدات الانسانية والطبية ذلك ان الشعب السوري في مناطق الدولة او المسلحين يقارب مرحلة الجوع.

لو حصل ذلك، فالسؤال المطروح هو حول كيفية التعاطي الروسي مع الأمر، ذلك أن الأوروبيين والأميركيين لا يمكنهم اغفال العاملين الروسي والايراني في الملف السوري. فأي دعسة ناقصة عسكريا في شرق الفرات، أو سياسيا عبر آليات مقبلة، ستتعرض لرفض روسي مدعوم من قبل الصين، ما لم تتوافق مع المصالح الروسية هناك. كما ان استهداف الأميركيين على الاراضي السورية والعراقية سيبقى ذا حرارة مرتفعة اذا تبين ان ادارة بايدن تستخدم الساحتين السورية والعراقية للضغط على روسيا وايران وليس للتفاوض. ثم ان معلومات موثوقة تشير الى ان الوساطة الروسية لعقد صفقة تبادل اسرى بين اسرائيل وسوريا باتت على مشارف نتائج ايجابية. 

خلاصة القول ان التفكير الاوروبي الأميركي هو في عدم ترك الأمور تصل الى الانتخابات الرئاسية السورية دون القيام بشيء ما. وهذا ما تحاول روسيا الالتفاف عليه عبر أكثر من خط، خصوصا انها في الآونة الأخيرة تحركت على خط سورية اسرائيل بغية تخفيف حدة التوتر وربما أكثر من ذلك.

هل من جديد فلسطينيا؟  

يعبّر الأوروبيون عن ارتياح واضح لانفراج عدد من المناخات المتعلقة بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي منذ رحيل ترامب. فادارة بايدن ذهبت على ما يبدو ابعد مما ينتظره الأوروبيون، وهي تقول كلاما مشجعا حيال اعادة تفعيل عملية السلام، والبحث لاحقا في مسألة القدس، والعودة الى حل الدولتيين، ودفع الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي الى استئناف التفاوض بعد ان تستقر السياسية الاسرائيلية على حكومة .

هذه الانفراجات التي تمثلت برسائل ايجابية من القيادة الفلسطينية الى بايدن، وبتفعل مصر للحوار بين فتح وحماس، يقابلها استمرار النفور بين بايدن وبنيامين نتنياهو، وهو نفور لا يزعج ابدا الأوروبيين الذين يعتبرون ان مثل هذه الضغوط على اسرائيل، تجعلها تعود الى أرض الواقع، بعد أن اعتقدت مع ترامب انها ما عادت بحاجة الى اي مفاوضات، وان العرب اعطوها أكثر مما توقعت، وان الفلسطينين باتوا امام خيارين : اما الاستسلام او الاستسلام.

صحيح أن الدول الأطلسية تماما كما دول عربية واسرائيل لا تريد اعادة تعويم حماس لا في الحركة السياسية ولا في الانتخابات المقبلة، لكن الصحيح أكثر أن مساندة الرئيس محمود عباس وتشجيعه على استنئاف المفاوضات سيكونان عاملين مساعدين في رسم خطوط مقبلة أكثر ايجابية وفي الحد من توسيع نفوذ حماس.

لكن السؤال الذي لا أحد يستطيع الاجابة عليه حاليا: هل ثمة تفكير لدى ادارة بايدن والأوروبيين باعادة اطلاق عملية سلام واسعة تشمل أكثر من ملف وتكون واشنطن وموسكو عرّابيها، أم ان روسيا تعمل حاليا وبشكل حثيث على تحريك العجلة بطريقة اخرى من خلال علاقاتها الجيدة مع ايران وتركيا وسوريا واسرائيل والدول العربية؟ فموسكو تعمل منذ فترة على انجاح مبادرة حسن نوايا من خلال تبادل الاسرى بين اسرائيل وسورية كما اشرنا اعلاه. 

الجواب الوحيد الذي يسمعه السائل هو : للنتظر أولا تحديد الأولويات الأميركية ونر، فادارة بايدن تركّز حاليا على الملف الايرانية لأنها ترى فيه مفتاحا لحل ملفات كثيرة، وفي مقدمها انهاء حرب اليمن وضمان أمن اسرائيل التي تسعى عسكريا وسياسيا لاعاقة التفاوض، ومنع الوصول الى القنبلة النووية.  

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة