Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

إني محاطٌ بالأغبياء.. مّن المختلف أنا أم هُم ؟

556
news room April 6,2021

روزيت الفار-عمّان 

الاختلاف بأبسط صوره هو حالة "عدم التّشابه" ويأتي نتاجاً لعمليّة المقارنة بين الأشخاص أو السّلوكيّات. هو مفهوم واسع وعميق يشمل كافّة الجوانب فهو سنّة الحياة ودستور تطوّرها الّذي تؤكّده الطّبيعة في نشاطاتها المختلفة وسرُّ نموّ الأمم وتقدّمها... وبالرّغم من قناعة الجميع بحتميّتة وحقيقته؛ غير أنّ ممارسات التّمييز والتّعصّب والتّطرّف ضدّ الآخر المختلف -سواء على مستوى الفكر والجنس والميل الجنسيّ والدّين والعرق والّلون- تُنفّذ دون ضبط وبشكل فاضح وصادم حتّى في الدّول الّتي تدّعي الدّيموقراطيّة، ويأتي أحياناً مدعوماً بقوانين إمّا صريحة أو مبطّنة عند التّعامل مع الشّخص المختلف؛ ما يؤدّي لإنقسامات تتحوّل في أدناها إلى صدام ومواجهة بين أفراد المجتمع الواحد، أو تأزّم للعلاقات وحروب على مستوى الدّول.

 أما التّنوّع والتّعدديّة والإنفتاح على الآخر فهما ينثران كمّا هائلا من الغنى الفكريّ والمعنويّ والربحٍ المادّي والآثار الإيجابيّة على الجميع.

 يقتصر المقال هنا على أحد أشكال الإختلاف فقط  وهو الخاص "بأنواع الشّخصيّات" ومحاولة تحليل وفهم طرق التّفكير لديها سعياً وراء خلق علاقات بينيّة سليمة وبيئة تفاعليّة صحيّة والنّهوض بالمجتمع ودمج جميع أعضائه  في داخله دون تمييز؛ انطلاقاً من مبدأ "أنّ فهمَ الآخر هو احترامٌ لاختلافِهِ واعترافٌ بحقِّهِ" وإنّ الإنفتاح عليه ضرورة لاستمرار النّشاط الاجتماعيّ الّذي يسمح بتبادل الخبرات والتّجارب والاستفادة العامّة.

من خلال توضيح أسباب "الاختلاف" وشرح ماهيّته، يصبح فهم الآخر ممكناً ما يؤدّي إلى نجاح التّعامل معه تماماً كمبدأ "عند فهمك لطريقة عمل الجهاز يسهل عليك فكّه وتركيبه". إنّ تطبيق ذلك المفهوم على المجتمع الخارجيّ الأوسع يخلق جوٍّاً ديموقراطيّاً تغلب فيه لغة الحوار والنّقاش على لغة الرّأي الواحد وكنتيجة لحقيقة اختلافنا وحتميّة وجوب عيشنا داخل جماعة؛ بات من المفيد دراسة شخصيّات وسلوكيّات أفرادها لبثّ روح التّعاون وللتّخفيف من حدّة الخلافات والصّراعات الّتي قد تنشأ نتيجة لاختلافهم.

في كتابه "مُحاطٌ بالأغبياء Surrounded By Idiots" ذكرالكاتب السّويدي والخبير بالسّلوك الإنساني والاتّصال Thomas Erikson أربع أنماط أو نماذج للشّخصيات وربط كلاًّ منها بأحد ألوان عناصر الطّبيعة الأربعة؛ فكانت:

1.  الشّخصيّة السّياديّة. ووصف أصحابها بالقياديين وذوي المقدرة على التّعامل مع التّحديات؛ وأعطاها لون "النّارالأحمر".

2.  الشّخصيّة المُلهمة والحيويّة، ذات لون "الهواء الأصفر".

3.  الشّخصيّة المُحفِّزة والثّابتة الخدومة والمُحبّة، رمزها لون "الأرض الأخضر".

4.  الشّخصيّة المفكِّرة الّتي تدقّق وتحلّل وتفضّل ضبط الأمور بقوانين وتسعى للكمال ولها بصيرة ثاقبة ورمزها لون "الماء الأزرق".

تضمّن الكتاب في أحد فصوله شرحاً علميّاً لمعرفة وإدراك الذّات كون معرفة الذّات مطلبا أساس لمعرفة الغير والتّماشي معه دون الاضطرار إلى تغيير الشّخصيّة الحقيقيّة، بالإضافة لتوفير توضيح مفصّل عن أيّ الأنماط تتوافق وأيٍّ منها يتعارض مع غيره بهدف مساعدة الأفراد في اختياراتهم للأصدقاء أو شركاء العمل أو حتّى الأزواج والتّأكّد من إقامة علاقات طويلة ومستمرّة سلسة خالية من التّوتّر والمعاناة.

وخلافاً لعنوان الكتاب؛ أشار الكاتب إلى أنّه "لا يوجد مَن هو أحمق بل مَن هو مختلف" وأنّ إصدار أحكام على الآخرين ليس من شأن أي إنسان. أرجع الكاتب أسباب اختلاف السّلوك لدى الأشخاص لِعوامل:

1.  وراثيّة يكتسبها الفرد من الأهل وتشكّل ما نسبته 40% منه

2.  بيئيّة تتبلور بتأثير تربيته ومحيطه وتجاربه وخبراته وتشكّل 50%

3.  سلوك ذاتي متفرّد تشكّل 10% فقط

قال إريكسون إنّ أنماط السّلوك تشبه صندوق العدّة Toolbox لكلّ أداة فيه استخدام وحاجة لا يمكن الاستغناء عن أيٍّ منها أو استبدالها بأخرى، وأنّه لا بدّ لأي مجتمع أن يحتوي على جميع الأنماط وكافّة الألوان كي يكون كاملاً  ومتكاملاً. "فالاختلاف" تعدّد وتشارك ومبادلة وغنى وتنوّع واحتواءْ.

فلنمدَّ من اختلافنا جسوراً للتّواصل والانسجام وليس للتّباغض والعداء، صحيح أن دواعي الخلاف والإختلاف كثيرة بينما لكن دواعي الوفاق واحدة هي فقط "الإنسانيّة".

الكاتب

روزيت الفار كاتبة-عمّان

الكاتب:روزيت الفار

  • للمشاركة