Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

 هل يميّز بايدن بين السعودية وولي عهدها؟

2091
news room February 9,2021

لعبة الأمم 

سامي كليب:

         لو بحثنا في محرّك غوغل عن اسم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، سنقرأ منذ يومين مقالات وتحليلات كثيرة عن الحزمة الجديدة من الاصلاحات التي أطلقها وتتعلق  بقانون الأحوال الشخصية وتنظيم النظام الجزائي للعقوبات وتنظيم البيئة التشريعية وغيرها، بحيث تنتقل الأحكام من أخطاء الفردية الى اعتماد أسس حديثة معتمدة في الدول المتقدمة، مع احترام بعض خصوصيات الشريعة الاسلامية. هي لا شك خطوة اضافية وجريئة في باقة الاصلاحات الجذرية التي لم يجروء أي مسؤول سعودي سابق على المضي قدما فيها خصوصا انها تمس جوانب دينية وتربوية وفنية واقتصادية واجتماعية كانت تُعتبر من المحرّمات.

                   لو بحثنا أكثر في غوغل، سنقع على آخر تصريح لوزير الخارجية الاميركي أنتوني بلينكن لقناة سي أن أن يقول فيه : "  نحن ملتزمون بشدة بالدفاع عن السعودية، ومن العدوان الموجه لها من الحوثيين" وذلك مع القرار بضرورة انهاء " أسوأ مأساة انسانية في اليمن" كما وصفها، ووقف الدعم  الأميركي للحملة العسكرية بقيادة السعودية على الأراضي اليمنية، مؤكداً  في الوقت نفسه أن أميركا ذاهبة "إلى لعب دور قيادي ونشط في الدبلوماسية لمحاولة إنهاء الحرب فعليًا".

                لو تعمّقنا في البحث، سنقع على فيلم وثائقي أميركي وأخبار جديدة عن قضية قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، ومقال في صحيفة التايمز البريطانية يقول :"  إن المسؤولين السعوديين حاولوا استدراج ابنة المعارض سعد الجبري إلى قنصلية المملكة باسطنبول قبل أيام فقط من مقتل خاشقجي ".

هي مجموعة أمور متباينة لكنها تضع جميعها واقع ومستقبل ولي العهد السعودي في المجهر. فما المتوقّع اذا من الادارة الاميركية الجديدة ؟

لنعُد قليلا الى الوراء، ربما تتوضح الصورة أكثر :

·     احتل الأمير محمد سريعاً واجهات الاعلام العالمي. فاصلاحاته حول المرأة والنظام التربوي ولجم سطوة المتشددين والمطوّعين وفتح البلاد على الأوبرا والموسيقى والمسرح والسير في البحث عن مصادر بديلة للطاقة وخطة 2030 ومشروع نيوم، قدّمته على أنه "أمير الاصلاح " في السعودية ، في الوقت الذي كان الوطن العربي يغلي على مرجل الانتفاضات والثورات. ذلك انه حتى الملك عبدالله الذي سعى الى خطوات متقدمة حيال المرأة وبعض الحريات، شرح أكثر من مرة صعوبة ذلك خصوصا في كلامه  للكاتب البريطاني روبرت لايسي في مؤلفه المهم " السعودية من الداخل". 

·     استخدم ولي العهد لغة جريئة الى حد المخاطرة حين قال عام 2017 في منتدى " مبادرة مستقبل الاستثمار" ومن قلب الرياض :" ان مشروع الصحوة انتشر في السعودية والمنطقة بعد عام 79، وبلادنا لم تكن هكذا، نحن فقط نعود الى ما كنّا عليه، أي الاسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الأديان، وعلى جميع التقاليد والشعوب" مضيفا :" ان 70 بالمئة من الشعب السعودي تقل أعمارهم عن 30 عاما وبكل صراحة لن نضيّع 30 سنة اخرى في حياتنا في التعامل مع افكار متطرفة. سوف ندمرهم اليوم وفوراً".

كانت هذه الاصلاحات والتصريحات كفيلة بجذب الكثير من الترحيب في الاعلام الغربي والعربي. لا بل أن بعض العرب الذين يعيشون في كنف الفساد القاتل، ذهب الى حد تأييد الأمير في خطوة اعتقال كبار المتموّلين السعوديين في فندق " ريتز"، على أساس ان محاربة الفساد تحتاج الى قرارات من هذا النوع ضد جشع أصحاب الثروات الكبرى.

تصدّرت صور الأمير محمد أغلفة كبريات الصحف والمجلات العالمية. ذهبت أشهر مذيعة فرنسية هي كريستين اوكرنت الى حد تأليف كتاب عمن أسمته " أمير السعودية الغامض" تعرب فيه عن افتتانها بالسعودية.

ثم جاءت حرب اليمن متآلفة تماما مع الفكرة الغربية القائلة بضرورة وضع حد لتمدد إيران، فسارع الغرب الى تلقف خطوة الأمير بقيادة تلك الحرب وانشاء تحالف حولها، وكان الاعتقاد آنذاك بأنها مسألة أشهر قليلة وينتهي الأمر.

حين انقلبت الصورة:

كل شيء كان يسير على نحوه الجيد، لكن اطالة أمد الحرب وما خلّفته من كوارث انسانية في اليمن ومن رأي عام عالمي مناهض لها، وانتقال الحوثيين من مرحلة القتال على الأراضي اليمنية الى قصف السعودية، وتمدد ايران أكثر في المحيط العربي، والتحولات الكبرى في الحرب السورية، كانت عوامل فرشت السجّاد الأحمر أمام ترامب لممارسة ابتزاز مالي على دول الخليج والحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال والصفقات، والتلاعب على الخلاف الخليجي القطري، مقابل تقديم حماية بقيت صورية.

ثم جاءت القضية الغامضة، أي اغتيال جمال خاشقجي، لتقلب الصورة تماما، فصار مُحرّك غوغل يبث مئات آلاف الصفحات والأخبار والتعليقات حول هذه الجريمة التي سرعان ما احتلت واجهات الاعلام الغربي.

نسي العالم الخطوات الاصلاحية الهائلة في السعودية التي أقدم عليها بن سلمان، وصار التركيز على 3 مسائل جديدة، أولها خاشقجي وما تبع الاغتيال من اجراءات دولية واوروبية، وثانيها صفقة القرن، وثالثها التطبيع مع اسرائيل.

ماذا الآن؟

لا شك ان حزمة الاصلاحات الجديدة في الاحوال الشخصية والقوانين، تُريد التذكير بأن الأمير حقق " الربيع الاصلاحي" من فوق وليس من القاعدة ضد الحكم أي خلافا لما حصل في دول عربية عديدة. وان استقرار السعودية مستقبلا مرتبط به خلافا لما يقوله البعض وبينهم من الحلفاء.  فالسعودية تماما كالمملكة المغربية اختارت أن تتفادى الربيع بأنها ذهبت صوبه بدلا من أن يأتي اليها. الملك محمد السادس أدخل اسلاميي حزب العدالة والتنمية الى الحكومة واتخذ اجراءات اقتصادية واجتماعية، والأمير محمد خاض معركة الاصلاحات ووضع اسس مشاريع اقتصادية ضخمة على أمل ان تكون بديلة للنفط الذي يفقد يوما بعد آخر أهميته بالنسبة لأميركا وسوف ينضب يوما ما.

لكن هذه الاصلاحات الجديدة والمهمة، لن تلغي مجموعة من الاسئلة :

·     كيف ستنتهي حرب اليمن، وماذا سيكون نصيب السعودية والامارات والحوثيين الذين رفعتهم ادارة بايدن عن لائحة الارهاب. ماذا لو ان طريقة انهاء الحرب لا تناسب وزير الدفاع السعودي، أي الأمير محمد؟

·     هل تقدّم الولايات المتحدة ثمنا للسعودية ودول الخليج مقابل عودتها الى الاتفاق النووي؟ وكيف ؟ أم انها تكتفي بالاعلان عن حماية السعودية دون أي ضمانة فعلية في المستقبل؟

·     هل تمضي الادارة الجديدة في سياسة ترامب لتشجيع الدول العربية على فتح علاقات مع اسرائيل، أم تذهب باتجاه البحث عن اعادة تفعيل مسار أوسع للسلام على أساس حل الدولتين؟ 

لا شك ان ثمة مصلحة عضوية ومصيرية في ثبات التحالف التاريخي الأميركي- السعودي، فالمملكة دولة كبيرة ومؤثرة وهي الدولة العربية الوحيدة في مجموعة العشرين. ولا شك أن ثمة مغالاة في الحديث عن استبدال الحليف السعودي بالاماراتي رغم الدور المتعاظم للامارات على عدد من الساحات وفي العلاقة مع واشنطن.

لكن هل تُفكّر ادارة بايدن بأن تثبيت هذا التحالف يجب أن يكون مع الأمير محمد أو غيره؟

هذا سؤال محوري، غير أنه يتطلب معرفة ثلاثة أمور جوهرية:

·     أولها ان الشباب السعودي الذي يشكّل ثلثي سكان السعودية، ما زال يرى في الأمير محمد متنفسا حقيقيا لنظرته للحياة العصرية ، رغم ان جزءا من التركيبة التقليدية الدينية ينظر بعين الريبة الى ذلك.

·     ثانيها ان السعودية نوّعت كثيرا تحالفاتها في السنوات الماضية، فاذا كان حجم التبادل التجاري بين أميركا والسعودية يتمحور حول 48 مليار دولار سنويا، وفق تصريح سابق للسفير الأميركي في الرياض جوني أبي زيد،فان التبادل بين السعودية والصين قارب 73 مليار، وازداد بنسبة 32 بالمئة مع عشرات الاتفاقيات التجارية منذ العام 2016، كذلك نما التبادل بين السعودية وروسيا بأكثر 54 بالمئة وفق وزير الطاقة الروسي.

هذا التنويع مفيد ليس فقط للاقتصاد وانما أيضا لمستقبل السعودية التي تُدرك عزم الولايات المتحدة للانسحاب او لتخفيف الحضور في منطقة ما عادت مهمة لها نفطيا، وسعي الصين لتنفيذ مشروع " الحزام والطريق"، وتمدد الدور الروسي في المنطقة.

يبقى السؤال الأكبر المطروح حاليا، ماذا سيفعل الأمير محمد حيال اسرائيل؟

المناخ العام في الخليج تبنى فكرة التطبيع، وهو يسير حثيثا صوب تعزيزها، ولا شك ان وجود الملك سلمان بن عبد العزيز على رأس المملكة يلعب دورا مؤثرا في عدم الاستعجال، ومن يعرفه يُدرك انه بالعمق لا يرغب بهذا التطبيع وأن نزعاته العروبية تغلب على الميول التطبيعية  وهو كان تاريخيا قريبا جدا من حركة فتح ومن الرئيس ياسر عرفات وتولى رئاسة لجنة التبرعات الخليجية له. كما ان الموقع الديني للسعودية سيجعلها لو طبعت تُحدث ثالث أكبر تحول في الصراع منذ كامب دافيد، ومؤتمري مدريد واوسلو. لا بل هو ثاني أكبر ألتحولات على المستوى الديني بعد الأزهر.

لا ينتمي الأمير محمد الى الجيل الذي عرف حروبا مع اسرائيل، ولعلّ واقعيته ترجّح في استراتيجيته اقامة العلاقات معها، وجذب اللوبيات المؤثرة على ادارة بايدن لصالحه ، والاتجاه نحو تفعيل مشاريع ضخمة تجارة وتنموية معها، لكن عدم الاقدام على هذه الخطوة سيعزز صورته في الوجدان العربي، ويجعل السعودية تتمايز عن باقي الدول التي أقدمت على التطبيع، وتستعيد المبادرة التي طرحها الأمير عبدالله في قمة بيروت عام 2002، فتعود للتحرك في مساحة عربية أوسع؟

لا شك أن كل الخيارات صعبة، لكن افضلها ليس مستحيلا، خصوصا اذا ما حصل اتفاق ضمني بين مصر والسعودية على وقف مسلسل التطبيع حاليا لاعادة طرح القضية في مجالها الأوسع كي لا تستفرد اسرائيل بكل دولة على حدة.

من الواضح أن ادارة بايدن لن تختلف عن سابقاتها في ثبات التحالف مع السعودية، لكن من غير الواضح بعد كيف ستتعامل مع الأمير الذي تلومه على أنه دعم بقوة ترامب ووضع كل أوراقه عنده... ولا شك ان ثمة من في الداخل السعودي سيعيد تحريك طموحاته صوب العرش. لكن حتى الآن يبدو الأمير محمد الأكثر ترجيحا وقدرة على تولي هذا المنصب، فالقرار الداخلي يبقى أهم من الضغوط الأميركية. لذلك يكبر الخطر.

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة