Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

هل يعود الحريري للجم التمدد التركي؟

3638
news room August 1,2020

 

رانيا حتّي

في   6/6/2020 انطلقت تظاهرة وسط العاصمة بيروت تطالب بنزع سلاح حزب الله، تلتها عمليات تخريب ومحاولة لإشعال فتنة مذهبية، أُخمدت بعد تصدي العقلاء لها.  ما قبل ذلك، كانت هناك أعمال شغب و تحطيم في مدينة طربلس تحت شعارات معيشية . حينها خرج رئيس الحكومة حسان دياب واصفاً المظاهرة "بالنوايا الخبيثة خلف الكواليس لهزّ الاستقرار الأمني واللعب بالنار". وكان وزير الداخلية محمد فهمي قد كشف عن توزيع السلاح في الشمال مضيفاً   " أن الوضع الامني في تلك المنطقة  لا يزال  "نائم" ولا نعرف متى يستفيق"  .

قبل ذلك أثار الشيخ  نعيم قاسم (نائب أمين حزب الله) تلك المسألة أيضاً قائلا إنه " يوجد طموح تركي وإن هناك بعض المرتبطين به شمال لبنان ".  ما دفع برئيس "التيار الوطني الحر جبران باسيل الى التحذير بأن هناك حضورا تركيا سياسيا وماليا وأمنيا في شمال لبنان" .   

 المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية رد على كل ذلك بالقول   "إن المزاعم التي ادلى بها بعض السياسيين اللبنانيين بأن تركيا تدعم الاحتجاجات التي يشهدها الشمال،  هي تصريحات خبيثة ".  

 

فهل كل هذه المعطيات تؤكد بأنه أصبح لتركيا دور فاعل  وحقيقي في لبنان ام ثمة مغالاة ؟ .

 

اذا تعاظم الدور التركي الداعم للإخوان المسلمين فهو يهدد حتما  الدور السعودي  في لبنان ويشكل خطرا على الثقل التاريخي للمملكة في بلاد الارز وعلى تأثيرها على أهل السنة اللبنانيين .

يفترض أصحاب هذا الرأي أن أي نجاح فعلي لحكومة الرئيس حسان دياب، يعني اضعافا لموقع الرئيس سعد الحريري في زعامة الطائفة السنية مع ما قد يحمله ذلك من اضعاف أيضا للدور السعودي نظرا للعلاقة التاريخية والوطيدة بين الرياض وآل الحريري . هذا يعني أن احتمال عودة الحريري الى السلطة يصبح بالغ الصعوبة ان لم نقل مستحيلا لفترة غير قصيرة.   

من هذا المنطلق، تعتقد بعض الأحزاب والتيارات السياسية ان وجود الحريري ضروري لقطع الطريق على أي تمدد تركي- إخواني، ذلك ان دياب وبغض النظر عن نجاحه او فشله على رأس الحكومة لم ينجح بعد في ان يشكل حالة استقطاب حقيقية داخل الشارع السني.

  تركيا الاردوغانية تسعى منذ فترة غير قصيرة لاستعادة دور زعامتها التاريخية في المنطقة، ولا تتردد في التوغل في الأراضي العربية من سورية والعراق حتى ليبيا ولبنان، وهي تضع نفسها في موقع الزعامة السنية في المنطقة وتحاول ان تدغدغ أحلام الشعوب العربية من خلال رفعها شعار معاداة إسرائيل رغم ان علاقات الطرفين في ظل العهود الإسلامية من حزب الرفاه حتى حزب العدالة والتنمية هي الأقوى في كل التاريخ التركي الإسرائيلي

 في هذا المسعى التنافسي، يحاول الرئيس رجب طيب اردوغان "تحجيم الدور السعودي " والاعتماد على الجار المزعج للرياض أي امارة قطر التي تلعب هي الأخرى على وتر الاخوان المسلمين. كما انه يرفع لواء العداء لمصر منذ أطاح الجيش بالرئاسة الاخوانية ممثلة بالرئيس محمد مرسي.

 

 اما في لبنان فان  من مصلحة إردوغان لعب  أوراقه بذكاء وحنكة بوجه ولي العهد محمد بن سلمان ، وذلك على الرغم من ان كل المؤشرات حتى الآن من الرياض توحي بعدم اهتمام كبير بالوضع اللبناني على اعتبار أن "حزب الله يسيطر على الحكومة" وفق ما تقول الدول الخليجية والغربية الرافضة هذه الحكومة .

وقد حاول اردوغان منذ اكثر من 10 سنوات ترسيخ اقدام سلطنته في لبنان فزار في العام 2010  بلدة الكواشرة ذات الغالبية التركمانية  في شمال لبنان (التي يحمل ابناؤها الهوية اللبنانية لكن جذورهم تركمانية ويتحدثون اللغة التركية الى جانب العربية)، واشرف على سير الأعمال الترميمية لآثار تعود إلى الحقبة العثمانية أبرزها التكية المولوية وساعة السلطان عبد الحميد في ساحة التل في طرابلس واعداً الاهالي باستعادة جنسيتهم التركي.

كان واضحا ان السلطان العثماني الجديد   يحاول بسط سيطرته  عبر  نشر الجيو- ثقافة (لغة تركية) لاستعادة المجد العثماني في لبنان وتحقيق أهدافه التوسعية عبر القوة الناعمة إلى حين استخدام ربما القوة الصلبة أي العسكرية وهو ما أكدته مصادر الوزير" فهمي" من توزيع للسلاح في الشمال.

 

 

بالخلاصة، يتضّح بأن  التدخل التركي في لبنان أضحى واقعاً ملموساً بعد تأكيد مصادر حكومية وحزبية لذلك.  لذا، إن قطع الطريق على أي تمدد تركي إخواني في لبنان، سيكون بإعادة سعد الحريري إلى رئاسة مجلس الوزراء .  لعل هذا ما اوحى به الوزير  باسيل بقوله ان البديل عن الرئيس دياب حكومة اخصائيين اخرى مدعومة من الجميع أو حكومة تكنو-سياسية مدعومة من الجميع وإلاّ حكومة وحدة وطنية.

العارفون بخفايا هذه التوجهات لإعادة الحريري، يؤكدون بان احد اهم اهداف الحكومة المقبلة  هو لجم النفوذ التركي الذي بداّ يطل برأسه من البوابة الشمالية   ولكن تبقى عوائق عدة في هذا السياق، منها تعقيدات محلية وإقليمية – دولية.

 

 بانتظار نضوج التسوية الخارجية،  لن تُعطي الأطراف الداخلية حكومة الرئيس دياب فرصة للنجاح إنما ستُبقيها لتمرير الوقت  وإدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية لا لحلّها .  ويبقى السؤال المركزي، ماذا لو انتقل الدور التركي من سياسي الى عسكري في الشمال ؟ هل يتعاون الجيشان اللبناني والسوري بغطاء عربي هذه المرة؟

 

الكاتب

رانيا حتّي كاتب وباحثة في الشؤون الجيوسياسية

الكاتب:رانيا حتي

  • للمشاركة