Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

هل شجّع الأردن انتفاضة الداخل ضد إسرائيل؟  

2867
news room May 14,2021

لعبة الأمم 

سامي كليب 

ثمة من سيقرأ عنوان هذا المقال، ويسارع قبل أن يقرأ المضمون للقول :" الأردن عنده علاقات قديمة مع إسرائيل  وفق ما كشف الملك الراحل حسين في مذكّراته، وهو مطبّع معها علنا منذ اتفاقية وادي عربة عام 1994". هذا صحيح، لكن من يُتابع العلاقات الأردنية الإسرائيلية طيلة عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، يلحظ احتقانا وتوتّرا، وصل الى ذروته حين تسرّبت معلومات عن إحتمال إشتراك إسرائيل في محاولة الانقلاب الغامضة ضد الملك عبدالله الثاني مؤخرا. فهلّ تعمّدت عمّان تسليم أهالي  منطقة " شيخ جرّاح" وثائق قديمة تؤكد أحقيتهم في ملكية الأراضي نصرة لهم فقط ، أم أنها ساهمت أيضا  في تشجيع الانتفاضة لمضاعفة إحراج إسرائيل وايضا دول عربية توسع علاقاتها معها ؟

لنعد قليلا الى الوراء. في 3 أيلول من العام 1956 وقّع وزير الإسكان والتعمير الأردني مع الفلسطينيين القاطنين حي " شيخ جرّاح" إتفاقية  تنص وفق اتفاق الأردن مع وكالة "الأونروا " على  ” مشروع مدني إسكاني   ل 28 عائلة بحيث يتنازل السكان عن تصنيفهم كلاجئين وتشطب أسماؤهم من سجل اللاجيئين لدى الأنروا، ويسلمون بطاقات اللاجئين ويتنازلون عن حقوقهم في التعليم المجاني،  والتأمين الصحي وتلقي المعونات الغذائية، مقابل توطينهم في الوحدات السكنية موضوع الاتفاقي" .

وبموافقة من الحكومة الأردنية تم بناء شقق على أساس أنّها مملوكة للأردن وأن الاتفاق مع العائلات هو بموجب  عقد (إيجار واستئجار) لمدّة ثلاث سنوات فقط،   وبعد مرور السنوات الثلاث  وإذا إقتنع المالك الأردني بأن السكان قد احترموا الاتفاقية وساهموا بإقامة البناء بأكمله فسيتم تمليكهم الوحدات السكنية دون مقابل" .

نفّذ سكان حي الشيخ جراح  الشرط المتفق عليه في الاتفاقية،واقتنع الاردن بذلك ما يعني أن التملك صار أمرا واقعا.

تمكّنت عمّان أيضا من العثور على  وثائق أخرى تُبتُ مُلكية الفلسطينيين لمساكنهم في شيخ جرّاح والتي هُجّروا اليها بعد حرب عام 1948، تماما كما عُثر على وثائق مماثلة في الأرشيف العثماني.

في 21 نيسان/ابريل الماضي، فاجأ وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي العالم بإعلانه بعد لقائه الرئيس محمود عباس في فلسطين عن :" تقديم كل الوثائق المتوفرة لمساعدة المواطنين الفلسطينيين على الحفاظ على حقوقهم كاملة وخاصة في حي "الشيخ جراح" بمدينة القدس المحتلة" . معربا عن  بلاده " كل إجراءات ومحاولات إسرائيل تغيير الهوية العربية الإسلامية المسيحية للقدس المحتلة، وكل جهد يحاول تغيير الوضع التاريخي للمقدسات في القدس".

هذا السند القانوني موجود عند الأردن منذ زمن طويل، فهل تم تسليمه الآن الى الفلسطينيين لوقف هجمة المستوطنيين العنصريين ومن خلفهم جيش الإحتلال ضد سكان شيخ جراح بناء على قرارات من المحكمة الاسرائيلية خصوصا انها مسألة معنوية للأردن المعني بالشيخ جراح ، أم لأن عمّان أختارت هذه اللحظة المناسبة لخلط الأوراق ؟

الإحتمالان واردان، فالملك الأردني عبدالله الثاني الذي رفض طويلا لقاء نتنياهو، واتهمه هذا الأخير بالتأثير على حملته الانتخابية، كان قد أعلن غير مرة أن " القدس خطٌ أحمر"، واذا كان هذا الموقف الأردني قديم بسبب العلاقة الوطيدة بين الأردن والقدس وأهل الضفة، الاّ أن تكثيف التحركات الأردنية بشأنه في الأعوام الماضية كان لافتا.

 نتنياهو كان قد قال  قبل الانتخابات  أنه  لن يبالي إذا انتهى السلام مع الأردن، وكان في ذلك يُشير الى المروحة العربية الواسعة التي وفّرتها له علاقات التطبيع أو الانفتاح مع دول خليجية والمغرب والسودان وغيرها.

لعل في هذا الانفتاح العربي ما أقلق ضمنيا، مصر والأردن، ذلك أن الدولتين اللتين كانتا تحتكران جلّ العلاقة مع اسرائيل، تُدركان أن توسيع المروحة الاسرائيلية صوب دول عربية أخرى، سيخفف كثيرا أهمية دوري القاهرة وعمّان في الداخل الفلسطيني وفي لعب دور محوري في مستقبل المنطقة، خصوصا ان العلاقات الأماراتية مثلا مع أسرائيل تتوسع في مجالات تعاونية وتجارية استراتيجية.  

كان ملاحظا أنه مع كل انفتاح عربي على اسرائيل، يزداد التوتر الإسرائيلي الأردني. ومن هذا التوتر مثلا :

·     منعُ عمّان طائرة نتنياهو من عبور أجوائها وذلك ردا على الغاء ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله زيارته للمسجد الأقصى   على اثر خلافات حول الترتيبات الامنية وبسبب الصَلَف الأسرائيلي .

·     رفضُ نتيناهو نص ائح قادته العسكريين بتزويد الأردن بما يحتاجه من مياه فأعربوا عن قلقهم من توتير الوضع عند الحدود لهذا السبب.

·     في أواخر العام الماضي كتبت صحيفة معاريف الإسرائيلية ان ملتقى دافوس العالمي تحوّل الى " ساحة مواجهة فعلية بين العاهل الأردني ونتنياهو".  وقد شعر نتيناهو بأن الأردن يُمارس عليه ضغوطا كبيرا قبل وخلال الانتخابات بغية المساهمة بإسقاطه.

·     تصريحات الملك عبدالله الثاني المُشددة على رفض أي تغيير في وضع القدس والضفة وضمنيا رفض صفقة القرن بشكلها المُقلق.

الواقع ان بنيامين نتنياهو  لم يخف أبدا فكرته بتحويل الأردن الى وطن بديل حيال الذين ينوي تهجيرهم من الضفة الغربية. هو قال هذا الكلام صراحة أكثر من مرة وسجّله للتاريخ في كتابه "مكان بين الأمم" بقوله    :" إن ارض اسرائيل الانتدابية كبيرة لدرجة تجعلها قادرة على استيعاب دولة يهودية صغيرة هي اسرائيل، ودولة اكبر لعرب فلسطين، تلك التي تدعى الاردن، وبالتالي فهناك حل للنزاع بين الشعبين، يتمثل باقامة دولتين: الاولى يهودية للشعب اليهودي المقيم غرب الاردن، والثانية عربية للشعب العربي الذي يقيم معظمة شرقي النهر .. ان القول بان الاردن هو الدولة الفلسطينية انما هو تعريف لوضع قائم فعلا ، وبالتالي فهو ليس دعوة للقيام بأية عملية ولا لاستبدال نظام الحكم في هذه الدولة".

منذ توسيع الإنفتاح العربي على إسرائيل، بدأت عمّان تشعُر بأن القادة الاسرائيليين يتجاهلون دورها، وبأن ورقتها المقدسية  وفي الضفة تضعُف، وأن الأردن المُبتلي بأزمات اقتصادية متلاحقة ونقمة شعبية متكرّرة، هو هدفٌ اسرائيلي في أي عملية تهجير أو تطبيق لصفقة القرن.

ما حصل مؤخرا من تسليم الأردن وثائق الى الفلسطينيين، ومن تحرك عاجل لوزير الخارجية الى واشنطن، ومن هبّة الشارع الأردني نصرة لفلسطين، وتسليط الإعلام الأردني الضوء يوميا على الهمجية الاسرائيلية من المستوطنين العنصريين والجيش، والتصريحات الرسمية من العرش الى الوزارات المعنية... كل ذلك يعيد الاردن الى قلب هذا الصراع، ويريد تذكير العالم، بما فيه الدول العربية، بأن القفز فوق عمّان واقامة مشاريع في الداخل الفلسطيني أو في المنطقة بلا تنسيق مع الاردن لن يمر بسلام. لعل المملكة الصغيرة تشعُر وأكثر من أي وقت مضى، انها في خطر حقيقي، ولذلك فان حركتها الحالية تحمي ظهرها و ترفع مستوى التأييد الداخلي للعرش في بلد يشكّل فلسطينيوه أحد أهم رافعتيه . لكن ذلك يبقى مروهنا طبعا بالدعم الأميركي، وهذا يبدو متوفّرا نظرا لقلق واشنطن أيضا من المغامرات الجنونية لنتنياهو والمتطرفين والمستوطنين.  لا شك أنها خطوات محسوبة بدقة وذكاء من قبل الأردن. 

الكاتب

سامي كليب أعلامي وكاتب

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة