Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

هل أنهى كورونا صفقة القرن؟

6236
news room March 26,2020

 

يعيش العالم حالة من الإنقلاب في ظل انتشار وباء الكورونا العالمي . وتداعيات هذا الفيروس ستحدث إنقلاباً في المشهد الإقليمي والدولي. هنا تبرز إشكالية تتعلّق بمصير صفقة القرن،  بعد أن أضحت النقطة المركزية في موازين القوى العالمية والاقليمية في الشرق الأوسط عامة و فلسطين خاصة

إنّ صفقة القرن تعبّر عن التصور الأميركي الجديد، بما فيها إقامة علاقات عربية ـ إسرائيلية، وإنشاء شراكات اقتصادية كبرى على مستوى الإقليم، وتوسيع العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل وجيرانها بما يخدم مصالح جميع الأطراف.  فالدول العربية ترغب بالابتعاد عن الاقتصادات القائمة على الوقود الأحفوري والتوجه صوب الاقتصادات القائمة على البنى التحتية (بما فيها طرق النقل) والتكنولوجيا الجديدة. والمأمول بالتالي هو أن تصبح دول المنطقة مركزاً عالمياً لنقل البضائع والخدمات من آسيا إلى أفريقيا وأوروبا.  هذا الأمر عزز عند البعض شكوكا بأن توثيق العلاقات بين إسرائيل و«مجلس التعاون الخليجي» بما يضمن المصلحة المشتركة في المنطقة قد يُحدث خللا جوهريا في الاقتصاد الصيني المتصاعد وانتكاسة لطريق الحرير، وذلك رغم ان بين الصين والسعودية مثلا أكثر من ٧٠ مليارا من التبادل، والعلاقات الصينية الإسرائيلية استراتيجية على أكثر من مستوى.

فهل وجّه وباء الكورونا صفعةً لصفقة القرن  ؟

عندما بدأ انتشار وباء الكورونا في الصين، ظنّ الكثيرون بأنها ستكون أكبر المتضررين وأنها ستنهار إقتصادياً.  ووفقاً لذلك، ستكون للولايات المتحدة الأميركية، السيطرة الاقتصادية والهيمنة السياسية في منطقة الشرق الأوسط والعالم. وحينها ستفرض واشنطن وبالقوة مخططاتها الاستراتيجية التي من بينها تنفيذ صفقة القرن بغية القضاء على المحور الثلاثي (الصين – ايران – روسيا) وبالتالي الاستيلاء على النفط والغاز الطبيعي في بحر شرق المتوسط، بمعنى آخر ولادة “شرق أوسط جديد”.

لم تجرِ الرياح كما تشتهي سفن أنصار هذا الاعتقاد. جاءت المفاجأة حينما أعلنت لجنة الصحة الوطنية في الصين، عن انحسار فيروس كورونا وتجاوزه مع تسجيل تراجع حالات الإصابات الجديدة غداة تنصيفه من قبل منظمة الصحة العالمية على أنه وباء. بالمقابل ارتفعت وتيرة ضحايا كورونا في الولايات المتحدة إلى 704 أشخاص، وفقًا لإحصاء CNN Health للحالات الأمريكية. كذلك ارتفع عدد المصابين لدى إسرائيل بفيروس كورونا التي اضطرت للجوء الى سلاح المراقبة التكنولوجية الشاملة التي تستخدم في محاربة الإرهاب (وفق تقرير لفرانس 24).

أما في غزة والضفة الغربية، وبعد تسجيل إصابات بكورونا، أصدر الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، مرسومًا بإعلان حالة الطوارئ في جميع الأراضي الفلسطينية لمدة شهر، فيما تلاشى الحديث عن صفقة القرن نهائيًا.

أمام مشهد هذا البلاد العالمي بالفيروس القاتل، عاد شبح الحرب الباردة يُطل برأسه بين الولايات المتحدة والصين. لم يتردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحديث عن "الفيروس الصيني"، ما دفع الخارجية الصينية الى الاعراب تن سخطها وشجبها على لسان المتحدث باسم الخارجية ينغ شوانغ. لا بل ذهبت بكين الى حد اتهام أميركا بأنها " هي التي قد تكون جلبت الفيروس الى الصين"

بهذا المعنى أضحى وباء كورونا ظاهرة جيوبوليتيكية نتخطى حدود الدول وتحطّم سياداتها وتهدد الشعوب والعالم بأسره وتمهّد لإحداث تغييرات جذرية تشغل العالم لفترة طويلة. قد يصّح قول  روبن نيبليت، الرئيس والمدير التنفيذي لـ"تشاثام هاوس" أن جائحة فيروس كورونا قد تكون القشة التي قصمت ظهر بعير العولمة الاقتصادية. بالمقابل يقول المطران عطا الله حنا (رئيس اساقفة سبسطية للروم الارثوذكس) "نحن في فلسطين نقول للعالم بأسره بأن وباء الكورونا قد أنهي صفقة القرن.   

 

نحن أمام مشهد عالمي متحوّل بسرعة كبيرة. فالصين الخارجية من الوباء والتي سارعت الى مساعدة دول منكوبة، ستحاول استخدام ما حصل في مشروعها السياسي والاقتصادي الكبير المعروف باسم " طريق واحد حزام واحد"، لكن أميركا التي ربما تخرج عاجلا أو آجلا من هذا الوباء بأعباء اقتصادية، تماما كالصين والعالم، هائلة، ستكون أكثر شراسة في محاولة الحد من التمدد الصيني.

 

لعلّ التنافس المقبل سيكون أكثر شراسة، وستكون أسلحته مختلفة تماما عما نشهده اليوم، فلن تتردد أي دولة عظمى في استخدام التكنولوجيا والأبحاث والبيولوجيا لتطوير قدراتها واسلحتها الذكية أولا بغية الصمود بعد كارثة كورونا، وثانيا لاستعادة قوة الهجوم. الأسواق العالمية تضيق، وكذلك مصادر الثروات، ومن الصعب بعد اليوم ان نشهد تفاهمات عالمية كبرى بشأن قضايا مركزية شائكة، وبينها "صفقة القرن" . واعتقادنا كذلك هو ان الدول العربية التي اندفعت صوب إسرائيل في الأعوام الماضية بذريعة مواجهة إيران او إقامة مشاريع مشتركة، تجد في ما حصل فرصة للتحلل من الاحراج الكبير الذي كانت تدفع اليه دفعا من قبل اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في العالم.

بانتظار معرفة ما اذا كان فيروس كوفيد ١٩ عشر (المعروف اصطلاحا باسم كورونا) كان من ضمن الاسلحة الذكية بين القوى العظمى ام لا، فلا شك ان صفقة القرن أدخلت الى الثلاجة لفترة طولة، وقد تتعفّن فيها، ولا شك أيضا ان العالم ما بعد وباء كورونا لن يكون كما قبله.

الكاتب

رانيا حتّي باحثة وكاتبة في الجيوبوليتيك

الكاتب:رانيا حتّي باحثة وكاتبة في الجيوبوليتك

  • للمشاركة