Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

حدود بهدلات وتهديدات فرنسا لساسة لبنان

1721
news room April 8,2021

لُعبة الأمم

سامي كليب:

بين حين وآخر، ينبري مسؤول فرنسي كبير لتأنيب ساسة لبنان بأقسى النعوت. الرئيس إيمانويل ماكرون إستهل الأمر بتوجيه التأنيب مُباشرة لهؤلاء المسؤولين في قلب بيروت، ثم باتهامهم بخيانة الوعود وبأخذ الوطن رهينة وبتغليب مصالحهم الشخصية على مصلحة الوطن، وها هو وزير الخارجية جان إيف لودريان يتوعد برفع الضغوط الأوروبية على المسؤولين السياسيين في لبنان و يقول :"إن الأيام المقبلة ستكون مصيرية وإن الأزمة اللبنانية  ليست ناتجة عن كارثة طبيعية بل عن  قوى سياسية عمياء لا تتحرك لانقاذ البلاد على الرغم من تعهداتها ولا تسعى للخروج من الأزمة".

لو أن رُبعَ هذا الكلام قيل لساسة الجزائر مثلا، لاهتزّت العلاقات بين البلدين وقاربت القطيعة حيث الكرامة هُناك أهم من المصالح والعلاقات الدولية. أما في لبنان، فموروث التعامل الإقليمي والدولي مع السياسيين عوَّدَهم على قبول الإهانات بإبتسامة، فهم تعايشوا مع الذُل حتى صار طبيعيا، وتقبّلوه برحابة صدر حين كان جسرَهم الى المناصب وترسيخ الزعامات في حقبتي غازي كنعان ورستم غزالة وفي الحقبة الاسرائيلية قبلهما والحقبات التي سبقت وأعقبت.

صوتُ فرنسا يتناغم لا شك مع أصوات اللبنانيين الذين يزدادون فقرا وغضبا ونقمة، بعد أن فقدوا الثقة بمعظم الطبقة السياسية وربما جميعها. لكن ماذا بعد؟ هل تستطيع باريس فعلا أن تواجه الأخطبوط،حتى لو استندت الى حلفائها الأوروبيين أو بعض هؤلاء الحلفاء؟ هل تستطيع أن تتقدم أكثر وتفرض عقوبات أوروبية، أم أن هذا الكلام هراء وخيال ومجرد تهديد سيبقى حبرا على ورق؟

لا بُد من الإشارة هنا الى ثلاثة أمور، أولها أن باريس قلقة فعلا على لبنان وتريد مساعدته وقلقة خصوصا على مصالحها فيه وعبره، وثانيها أنها ليست من الذين يتحمّسون عادة للحصار والعقوبات على الدول، وثالثها، أنها لو رفعت الضغوط أكثر فهي تواجه خطرا على دورها في لبنان بعد أن انتهى هذا الدور في سورية وترنّح مع إيران ووصل الى حافة المواجهة مع تُركيا.

صحيح أن الرئيس ماكرون كسر حاجزا نفسيا كبيرا في التعاطي السياسي الدولي مع لبنان عبر تظهير  بناء الجسور علانية مع حزب الله ( ذلك أن ثمة جسورا كانت قائمة بعيدا عن الأضواء مع السفير وبعض المبعوثين)، لكن الصحيح أيضا أن أمين عام الحزب حذّر في أحد خطاباته من إنحراف الدور الفرنسي صوب دعم طرف ضد آخر في لبنان.

كانت الشكوك تحوم حول بعض مستشاري ماكرون على أنهم يدفعون بإتجاه الضغط على حزب الله وحلفائه، وورد غير مرة اسم برنار إيمييه. لكن مستشارين آخرين وكذلك السفير الفرنسي السابق في بيروت كانوا من أنصار الانفتاح على الحزب على اعتبار أنه يمثل شريحة واسعة من اللبنانيين، وأن له كتلة برلمانية وازنة، كما أن الحلول ضده تسقُط حتى قبل طرحها، ومن الأفضل بالتالي الحوار معه لا مخاصمته. وهذا ما باعد في فترة معينة بين الطرحين الفرنسي والأميركي .

من يقرأ كلام الرئيس نبيه بري في الكتاب الذي أصدره قبل أيام الزميل نبيل هيثم بعنوان " الثقب الأسود"، يُدرك أن العين الشيعية حمراء ضد إيمييه منذ فترة طويلة . فهو يتهمه بأنه كان مع الأميركيين والبريطانيين يهندسون معارضة اعادة ترشحه لرئاسة مجلس النواب . ويروي أنه حين ساله وزير الخارجية الفرنسي السابق  برنار كوشنير عمّا يجب أن تكون عليه السياسة الفرنسية في لبنان في عهد الرئيس ( السابق ) نيكولا ساركوزي، أجابه بري: " الأمر سهل جدا، فالسفير الفرنسي السابق برنار إيمييه كان متماهيا بالكامل مع فريقٍ لبناني ضد فريق لبنان آخر، وأذا أرادت فرنسا المساعدة، ينبغي عليها الاّ تكرّر هذه السياسية، بل أعتقد أن عليها أن تعود الى ما كانت عليه سياستها تجاه لبنان في عهد الرئيس جاك شيراك في المراحل الأولى لحكمه، أي أن تقوم السياسة الفرنسية على قاعدة النظر الى اللبنانيين جميعا بلا مفاضلة وبلا إنحياز"

 ثم يضيف  الرئيس  برّي :" السفير إيمييه لعب دورا رئيسيا  في تعزيز التناقضات بين اللبنانيين ودوره لم يكن مساعدا على الإطلاق" .

معروف أنه بعد الضجيج الكبير والأمل الكبير اللذين اثارتهما محادثات ماكرون في لبنان وطرحه مبادرة للحل وتبنيه اجتماعا دوليا حول الأزمة اللبنانية، تدخّلت الولايات المتحدة الأميركية لقطع الطريق على إعادة تعويم حزب الله دوليا، ثم بعد رحيل الرئيس دونالد ترامب عن الرئاسة بفترة قصيرة، زار وفد من حزب الله موسكو في أوج الصراع بين الإدارة الأميركية الجديدة وروسيا حيث وصل الأمر بالرئيس جو بايدن الى وصف نظيره الروسي فلاديمير بوتين بالقاتل.

لم يُعرف الكثير عن تلك اللقاءات بين الحزب والمسؤولين الروس، لكن الأكيد هي أنها تندرج في سياق الاستعداد لمواجهة المشاريع الأميركية في المنطقة. هذا يعني فعليا أن الحزب الذي يرى نفسه كما إيران وسوريا وروسيا والصين تحت المجهر الأميركي، ليس بوارد القبول بضغوطات أوروبية بمحرّكات فرنسية عليه وعلى رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر والحلفاء الآخرين.

واذا كان التحذير الأول لفرنسا جاء من إيران نفسها قبل فترة لجهة رفض التدخل في شؤون لبنان، ثم جاء على لسان الحزب، فالأكيد أن أي عقوبات قد تُفكر بها فرنسا جديا وتطال الحزب أو حلفاءه، يعني أن الدور الفرنسي سيكون أمام خطر حقيقي في لبنان والمنطقة، خصوصا ان المجتمع المدني الذي غازله ماكرون في البداية ثم انتقده في المرة الثانية لضعفه، لم يرقَ بعد الى مستوى ملاقاة الضغوط الغربية بتصعيد الحركة في الشارع.

لذلك يبدو أن ثمة اتجاها فرنسيا لتوسيع الدائرة الماكرونية صوب أميركا والاتحاد الاوروبي ومصر ودول عربية أخرى، بغية التفكير بضغط دولي يدفع الجميع الى تحمّل مسؤولياتهم حيال مخاطر الإنهيار الشامل. وقد يظهر بعض هذا الضغط جليا في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي في 22 الجاري حيث ستطرح فرنسا بقوة الملف اللبناني.  وهذا يعني أن المحور الآخر الممتد من بيروت الى طهران فموسكو، يستعد لكل الإحتمالات في حال تعرقل الاتفاق النووي.  يكادُ الأمر يُشبه ما كان عليه قبيل تبنّي جورج بوش الأبن وجاك شيراك القرار 1559 لإخراج الجيش السوري من لبنان. فالمطلوب أولا وأخيرا هو تحييد سلاح حزب الله وإضعاف دوره مع حلفائه ( خصوصا رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني وحركة أمل)  أو تحميله مع حلفائه مسؤولية التعطيل حتى ولو أن فرنسا سعت دبلوماسيا للتمايز في هذا الأمر عن أميركا وإسرائيل ودول عربية،  وهذا ما يعيد لبنان ساحة مفتوحة لصراعات أكبر منه وأوسع منه وكبيرة الخطر عليه.أما اذا تقدّم الاتفاق النووي صوب آفاق أرحب، فقد تنقلب الصورة. 

كان يُمكن عدم التفكير بكل هذا لو أن المسؤولين اللبنانيين يقدّمون مصلحة الوطن الجريح على مصالحهم ومصالح حلفائهم في محاور الخارج، وكان يُمكن التفكير بغير هذا لو أن الرأي العام اللبناني الذي لم تبق جريمة لم تُرتكب بحقه وحّد كلمته واتفق على مشروع وقيادة وتحرُّك، لكن يبدو أن لبنان يبقى على معهود تاريخه منذ ما قبل الإستقلال منتظرا على قارعات طرق الأمم والدول، الحلول والأوامر والتأنيب والبهدلات من الخارج.  

 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة