Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

غزّة وفلسطين48: الفينيقُ من رمادهِ ينهضُ

544
news room May 19,2021

فتحية ليبودي-تونس 

في مذكّرات وزير الخارجيّة المصريّ الأسبق محمّد إبراهيم كامل (1977_1979) الّتي نُشرت خلال ثمانينيّات القرن الماضي تحت عنوان "السّلام الضّائع في اتّفاقيّات كامب دافيد" يورد حوارا بين بطرس غالي وموشي ديان. يقول ديان في ذلك الحوار مشيرا إلى قطاع غزّة نقلا عن كامل "إنّ قطاع غزّة لا يهمّهم في قليل أو كثير لأنّه مساحة صغيرة يسكنها مئات الألوف من الفلسطينيين وليس له موارد اقتصاديّة وكلّ ما فيه ثعابين وصخر وفقر وإن كان ذلك يسهّل الأمور فإنّهم على استعداد للتّنازل عنه متى تعهّدنا بأن لا نجعلها منطلقا للإرهابيين ضدّ إسرائيل".

في مارس/ آذار 1986 أصدرت وكالة المنار للصّحافة في قبرص كتاب "الكيان الصّهيوني عام 2000" جُمِعت فيه مقالات لباحثين إسرائيليين ومختصين وسياسيين (شمعون بيريز، ألوف هارئيفين، اليعزز شافيه،...) عالجوا فيه موضوعين رئيسيين : الأوّل هو عيوب الكيان الصّهيوني خلال السّنوات المنقضية والثّاني هو مستلزمات تفوّق الكيان على العرب. أمّا عن العيوب فأبرزها  هي "الجماعة غير المهيمنة" أو من باتوا يعرفون بفلسطينيي الدّاخل الّذين احتلّت أراضيهم سنتي 1948 و1967 فهؤلاء "سيضطرّ نظام الحكم إلى إجراء تغييرات مهمّة كي ينجح في التّصدّي لهم" وأهم هذه التّغييرات تعزيز الطّابع المدني للدّولة والاعتراف بالمواطنة لكلّ من يسكن في ظلّ "دولة إسرائيل" ومطالبتهم بأداء الخدمة العسكريّة. أمّا عن فلسطينيي 1967 فيُنصح بالتّصدّي لهم لما يمثّلونه من خطر فهم الجيل الأوّل بعد النّكبة.

إن عدنا قليلا إلى الوراء فإنّ غزّة (360 كم2/1.33 من مساحة فلسطين التّاريخيّة/ 2مليون ساكن) انخرطت في الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى سنة 1987 وإثر المحادثات السّرّية بين منظمة التّحرير الفسطينيّة بقيادة ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل إسحاق رابين الّتي أفضت إلى توقيع اتّفاق أوسلو سنة 1993 انسحبت القوّات الإسرائيليّة جزئيّا من القطاع ليتمّ سنة 2005 انسحاب إسرائيل بشكل كامل من قطاع غزّة في 15 أوت/ أغسطس 2005. غير أنّها أقامت حصارا عليه من كلّ المنافذ. وإثر انتخابات 2006 الّتي أفضت إلى فوز حماس بأغلب مقاعد البرلمان وما أعقبها من خلافات مع فتح سيطرت الحركة على كامل القطاع بشكل تامّ. وهو ما أثار خوف إسرائيل فدفعها إلى شنّ عدوانها الأوّل عليه يوم 27 ديسمبر 2008 ولم يكن الرّدّ من حماس يكاد يذكر. تلا هذا العدوان تشديد في الحصار ثمّ حرب أخرى في 2012 واجهتها حماس بقصف العمق الإسرائيلي. ولم تكتف إسرائيل بهذه الحرب بل شنّت الحرب الثّالثة على القطاع عُرفت بعمليّة الجرف الصّامد وهو ما ردّت عليه كتائب القسّام بعمليّة العصف المأكول وحركة الجهاد الإسلاميّ بالبنيان المرصوص وشهدت هذه الحرب لأوّل مرّة هبّة من الدّاخل الفلسطيني أضعف الكيان وأربكه وهو ما جعله يوقف العدوان ليهدّئ الدّاخل.

في 6 ديسمبر/ كانون الأوّل 2017 اعترفت الولايات المتّحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ، وهو ما رحّبت به بعض الدّول وأيّدته كما فرحت به إسرائيل أيّما فرح، اعتراف أشعل احتجاجات في قطاع غزّة ومظاهرات في عواصم دول عربيّة وإسلاميّة مساندة للقضيّة مقابل تفاعل من فلسطينيي الدّاخل قُوبل بالقمع من قوّات شرطة الاحتلال.

هذا الاعتراف أثمر طبخة كانت توقد على نار هادئة لمدّة سنوات إن لم نقل عقودا تنتظر من يعلن عنها وهي موجة التّطبيع من قبل بعض الدّول العربيّة وهي موجة دعّمها الاعتراف ولم تأت من فراع وقوبلت هي الأخرى بتفاعل محتشم من قبل العواصم العربيّة الإسلاميّة.

موجة التّطبيع والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل شجّعت الكيان على القيام بخطوات استباقيّة حسب رأيه تعزّز استيلاءه على فلسطين التّاريخيّة إضافة إلى حالة الانقسام القيادي الفلسطيني.

بالعودة إلى موقف ديان من قطاع غزّة نلاحظ أنّ هذا القطاع أصبح منذ سنة 2008 يمثّل تهديدا للكيان وهو ما ترجمته الحروب التّي تلت ذلك العدوان وهو ما تترجمه اليوم الملحمة الفلسطينيّة تحت عمليّة سيف القدس الّتي أعلنت عنها حماس فرهان موشي ديان كان منذ البدء خاطئا فأفقد الاستراتيجيّة الإسرائيليّة مصداقيّة ودقّة كانت تتبجّح بها.

إثر أحداث حيّ الشيخ جرّاح في شهر نيسان/أفريل الماضي وجد الكيان الإسرائيليّ استماتة ومقاومة من قبل سكّان الحيّ وهو ما جعل قمعهم ضرورة بالنّسبة للمحتل فتحرّك محور المقاومة ممثّلا في حماس الّتي كانت تتجهّز منذ سنوات لمثل هذه الحرب. ما نلاحظه اليوم في اللّد وبيت لحم وفي الخليل وفي غيرها من مدن فلسطين الدّاخل، انها تنتفض وتستميت بل إنّ اللّد شهدت سيطرة على المدينة من قبل الرّافضين للكيان الصّهيوني في سابقة من نوعها، وكلّ هذه التّحرّكات جعلت من كتاب "الكيان الصّهيوني عام 2000" محلّ سخريّة لفشل رهانه العقيم في تهويد فلسطينيي 1948 فكريّا وعقم الاستراتيجيّة الإسرائيليّة التّي تتخبّط في أزمة سياسيّة أفضت إلى أربع انتخابات خلال عامين فقط.

تثبت تكهّنات المنجّم موشي ديان فقرًا استراتيجيّا إسرائيليّا وتعزّز ذلك الاستراتيجيا  الخاطئة الّتي راهن عليها الكتّاب في رسم خطّة طريق "لإسرائيل". وهو ما يجعل غزّة الحصار وفلسطين الطّمس تنتفضان من رماد الأجيال وتولدان جيلا جديدا هو غير ما عهدنا دائما.

الكاتب

فتحيّة اللّبودي-تونس كاتبة وباحثة دكتوراه

الكاتب:فتحيّة اللّبودي

  • للمشاركة