Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

فيروس كورونا يدمر اقتصادات الشرق الأوسط، ويهدد بالغضب والعنف ضد السُلُطات.

2264
news room May 20,2020

مفيد الديك

يجمع المحللون على أن الصدمة التي تلحق بالاقتصاد العالمي من تفشي فيروس كورونا أصابت اقتصادات الشرق الأوسط في مقتل، وبصورة قد تكون أسوأ بكثير من تأثير الجائحة على الاقتصادات العالمية. صحيح أن الاقتصادات العالمية كلها بلا استثناء، من الولايات المتحدة إلى الصين ومرورا بالاقتصادات الأوروبية والآسيوية، تدفع ثمنا باهظا جراء جائحة كورونا، ولكن الاقتصادات القوية في الأميركتين وأوروبا وآسيا ستكون قادرة على التغلب على الأزمة وإن بخسائر باهظة. الاقتصادات العالمية القية أغلقت تماما تقريبا خلال الثلاثة أشهر الماضية، وسجلت أرقام هبوط غير مسبوق في الناتج القومي الإجمالي وأرقاما مرتفعة غير مسبوقة في أوساط العاطلين عن العمل في أراضيها، كالولايات المتحدة التي ارتفعت فيها أرقام العاطلين عن العمل إلى ما يزيد عن 36 مليونا، وهي الأرقام الأسوأ منذ الكساد العظيم في الولايات المتحدة سنة 1929.

ولكن ما يحذر منه الخبراء في شؤون الشرق الأوسط هو أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط تحديدا لن تتوقف آثارها عند حد الخسائر الاقتصادية وارتفاع أرقام البطالة وأرقام الفقر في المنطقة، بل إن هذه الأزمة ستفتح الباب على مصراعيه أم تحول مشاعر عدم الرضى في المنطقة إلى غضب وحركات سياسية وربما حركات عنفوية، خصوصا وأن أكثر من 60 بالمئة من سكان هذه المنطقة هم من الشباب.   

ويقول جهاد أزعور، مدير قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي: "إنها صدمة مزدوجة في المنطقة: فأولا كانت صدمة اندلاع الفيروس من الصين لأن المنطقة مرتبطة بقوة بالصين من حيث التجارة والخدمات. ثم جاءت الحلقة الثانية من الصدمة مع انخفاض الطلب على النفط خلال الثلاثة أشهر الماضية"، مشيراً إلى الانخفاض الكبير في استهلاك الوقود بسبب أزمة كورونا وحرب الأسعار البترولية بين السعودية وروسيا. فقد انخفض استخدام البترول بنسبة 30 بالمئة تقريبًا حول العالم، مع توقف شركات الطيران وانعدام عدد المركبات على الطرق بسبب عمليات الإغلاق في العالم بسبب فيروس كورونا والإغلاق الاقتصادي الناتج عن ذلك.

واتفق منتجو النفط في أوبك للنفط وغيرهم، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا، من حيث المبدأ، على صفقة غير مسبوقة نصت على تخفيض الإنتاج العالمي بمقدار 9.7 مليون برميل يوميًا في شهري مايو ويونيو - وهو أكبر انخفاض على الإطلاق في إنتاج النفط تتفق عليه أوبك مع دول منتجة خارجها. لكن ذلك الاتفاق لم يساعد حال أسعار النفط كثيرا. وقالت مجموعة سيتي غروب الاستثمارية مؤخرًا إن سعر خام برنت القياسي الدولي يمكن أن يبلغ متوسطه 36 دولارًا للبرميل هذا العام و 56 دولارًا في العام 2021، أي بانخفاض يصل إلى أكثر من 30 بالمئة عما كان عليه الحال في مطلع هذا العام. ووصفت الإيكونوميست الاتفاق بأنه "وقف لإطلاق النار في حرب الأسعار، وليس هدنة دائمة".

جوزيف بحوط، الزميل الأكاديمي في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، يقول إنه يعتقد أن الضرر الاقتصادي قد تم بالفعل إلحاقه بالدول الأقوى ماليا في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية وبقية الدول العربية المنتجة للنفط والتي تعتمد عليه اعتمادا شبه كامل في إدارة اقتصاداتها. وحذر بحوط من أن المشاريع المخطط لها والتي تقدر بمليارات الدولارات التي كانت بعض دول المنطقة الغنية تتحدث عنها قبل فترة وجيزة أصبحت محل شكوك كبيرة الآن.

 ويقول بحوط: "الصورة الكلية تشير إلى أن هناك تباطؤا كبيرا محتملا للاقتصاد العالمي كله في السنوات القادمة، على أساس الركود الكبير الذي يتفق عليه الجميع. وهناك أيضًا تغيير في السوق الأميركية النشطة والطلب الغربي والصيني على البترول، ربما ما سيؤدي إلى انخفاض في أسعار النفط بما يتراوح بين 30 و 40 دولارًا للبرميل".

ويضيف الخبير العالمي أنه "مع كل هذا، فإن المشهد المالي السعودي العام بصورة خاصة هو مشهد كارثي." وضيف أن "هذا يعني أن المملكة ستضطر إلى مواجهة عجز في الميزانية في الأشهر الستة إلى السبعة المقبلة. ولهذا فإن إنهاء اعتماد المملكة على النفط يعني أيضًا أن رؤية 2030 التي كانت تتحدث عنها المملكة ستتم مراجعتها، إن لم يتم إلغاؤها بالكامل. ويقول بحوط إن المملكة العربية السعودية ستجد صعوبة في وضع استراتيجية مختلفة. "السعوديون حريصون حقًا على محاولة بيع أكبر قدر ممكن من النفط في السنوات الخمس إلى العشر القادمة لأنهم يعرفون أن هذه هي النافذة الأخيرة أمامهم قبل أن يتحول سوق الطاقة تمامًا نحو الغاز والنفط الصخري، وما إلى ذلك."

وتعتمد السعودية بشكل كبير على عائدات النفط لنحو 87 في المئة من ميزانيتها، لكنها شرعت في الآونة الأخيرة في خطط لتنويع مصادر إيراداتها. كانت السياحة الدينية دائما مساهما اقتصاديا رئيسيا. لكن ما سحق تطور هذه السياحة هو فيروس كورونا الذي دمر هذه السياحة التي تعود على المملكة بما لا يقل عن 20 مليار دولار سنويا. فقد كانت عائدات السياحة الدينية التي تشمل العمرة وموسم الحج تعود بمليارات الدولارات على خزائن المملكة، لكن العمرة تم تعليقها مؤقتًا بسبب تفشي فيروس كورونا، بينما أصبح الحج الذي كان مقررا في شهر تموز/يوليو محل شك الآن بسبب سياسات منع التجمع للحد من انتشار كورونا المستشري في المملكة.

وقالت مها يحيى، مديرة قسم الشرق الأوسط في معهد كارنيغي: "إن الإجراءات المتخذة لاحتواء جائحة كورونا أضرت بالقطاعات الرئيسية [في جميع أنحاء الشرق الأوسط]، بما في ذلك السياحة، وتعطلت سلاسل التوريد مثل التصنيع والإنتاج والتجارة مع فقد كبير للوظائف".

وقالت: "بالنسبة للبلدان في هذه المنطقة، ولا سيما البلدان الهشة والممزقة بالصراعات، مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، يمثل الوباء تحديًا كبيرًا على المدى القريب يؤدي إلى تفاقم الضعف الهيكلي القائم".

وقالت لي سوزان مالوني من معهد بروكنغز: "لا أرى كيف يمكن أن يتعافى الشرق الأوسط من هذه الأزمة المزدوجة. سيكون لهذه الأزمة تأثير كارثي على المنطقة، لأن الجمع بين أزمة كورونا وانهيار أسعار النفط يصيب الدول المنتجة للنفط أكثر من غيرها، ولكن هذا الأثر سيصل إلى الدول العربية الأخرى المحيطة بالدول الغنية بالنفط في الخليج، لأن هذه الغنية كانت بدورها مصدرا للسخاء لبقية المنطقة."

وقد تزامنت أزمتا تفشي كورونا وانخفاض أسعار النفط المتداعية مع حالات عدم الاستقرار في المنطقة: ثلاث حروب أهلية مستمرة - دامت لمدة خمس سنوات في اليمن وست سنوات في ليبيا وتسع سنوات في سوريا - بالإضافة إلى أشهر من الاحتجاجات القاتلة في العراق، فضلا عن الأزمة الخليجية بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين من جهة أخرى. هذا فضلا عن مشاكل أخرى في المنطقة مثل الأزمة التي تمر بها عملية سلام الشرق الأوسط والتهديد بحل السلطة الفلسطينية، فضلا عن انهيار النظام النقدي في لبنان؛ ووجود ملايين اللاجئين والنازحين السوريين في مخيمات بدائية في الأردن والعراق ولبنان وتركيا؛ وتجدد الهجمات الانتحارية لحركة داعش التي كان يُفترض أنها انتهت.

ولكن الأهم من كل ذلك هو أن الأزمة الاقتصادية المزدوجة التي تمر بها المنطقة حاليا تفتح الطريق أمام تحولات وربما تحركات سياسية تعصف بما تبقى من استقرار المنطقة المصطنع. ما يقرب من ستين في المئة من سكان المنطقة هم تحت سن الثلاثين، وهو ما قد يقلل من عدد الوفيات الناتجة عن وباء كورونا مقارنة بمستويات الوفيات في المجتمعات المتقدم التي تزيد فيها أعداد ال;بار في السن الذين هم أوهن لناحية مقاومة الوباء. لكن الشباب هم أيضا الذين قادوا الاحتجاجات في المنطقة في بداية العقد الحالي- وقد يعبرون الآن عن غضب متجدد لأنهم سيكونون الجيل الأكثر تأثرًا بارتفاع معدلات البطالة والفقر في المنطقة بعد تجاوز أزمة كورونا. في العديد من البلدان، كان ما يقرب من ثلث الشباب عاطلين عن العمل قبل تفشي الوباء. في لبنان، انتهك المتظاهرون الحجر الصحي في مدينة طرابلس الشمالية وأحرقوا البنوك احتجاجاً على انهيار العملة الوطنية وتأثيرها على حياتهم. وقالت لي مالوني: "هذه نقطة تحول حاسمة. وسيكون لها تأثير سياسي طويل الأمد، يغذي الشعبوية والغضب وربما العنف ضد الحكومات من قبل شعوبها."

هذا الوباء والإجراءات القاسية التي اتخذت في المنطقة لمواجهته، وهي ليست إجراءات منسقة وليست بذات القوة والصرامة في كل بلد، لن يكون سحابة صيف سرعان ما تنقشع ويعود الوضع إلى ما كان عليه. وعلى الجميع، وخصوصا صانعي السياسة في المنطقة، أن يدرك أن هذا الوباء لا زال في مراحله المبكرة في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط، وفقًا لبول سالم، رئيس معهد الشرق الأوسط، في واشنطن العاصمة، وخصوصا في مناطق شديدة الضعف – مثل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في جميع أنحاء المنطقة، والأحياء الفقيرة في الدار البيضاء والجزائر، ومناطق الحرب في اليمن وليبيا، والمناطق المكتظة بالسكان مثل قطاع غزة. والمشكلة هي أن هذه المناطق بالذات ليست لديها سوى وسائل محدودة للتغلب على هذا الوباء إذا ما استشرى فيها، وهو سيستشري لا محالة. وقال سالم: "بالنظر إلى أنه لا يوجد علاج أو لقاح ضد الفيروس حتى الآن وأن عمليات الإغلاق ستستمر لفترة طويلة فقط، فإن الخسائر البشرية والاقتصادية خلال العام أو العامين المقبلين ستكون ضخمة". واختتم بالقول: "يمكن أن يموت الكثير في الشرق الأوسط من هذا الوباء، وقد يكون العدد أكبر من جميع الذين قضوا في حروب المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى."

الكاتب

فيروس كورونا يدمر اقتصادات الشرق الأوسط، ويهدد بالغضب والعنف ضد السُلُطات.

الكاتب:مفيد الديك دبلوماسي اميركي سابق وكاتب

  • للمشاركة