Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

في ذكرى رحيل الأسمراني، نشتاق للإبداع الرومنسي الصافي

664
news room February 21,2021

ميرفت الأحمدية: 

في 30 آذار/مارس عام 1977 أغمض العندليب الأسمر عينيه في المستشفى البريطاني، قبل نحو 7 أشهر من زيارة الرئيس المصري أنور السادات الى القدس. يُمكن القول اليوم ونحن نشارف على ذكرى رحيله الذي أدمى قلوب ملايين العرب ونشارف على مرحلة غريبة عجيبة من التطبيع، أن عبد الحليم حافظ أحدث التحوّل الحقيقي في الأغنية المصرية، تماما كما ان السادات أحدث التحول السياسي الكبير، لكن شتّان ما بين الاثنين في الوجدان العربي، فالعندليب ترك ياسمين الابداع والحب والعشق وروح الشباب خلفه  وفتح المجال واسعا لرومانسية فريدة، بينما السادات أقفل وجه الكثير من العرب على مصر. لكن العهود اللاحقة أعادت للسادات اعتباره في القاهرة على أساس أنه استعاد سيناء بفضل اتفاقية سلام كامب دافيد، وربما بعد ما رايناه من مهازل التنازلات العربية والفلسطينية المجانية لاسرائيل في مؤتمرات واتفاقيات السلام والتطبيع، صار السادات أفضل المطبّعين، حتى ولو انه المسؤول الأول عمّا تحدرجت اليه امور العرب.  

لكن ما علاقتنا بالسياسة ونحن نتحدث عن احدى جواهر الفن المصري. صحيح أنه كان من الصعب فصل فترة عبد الحليم حافظ وام كلثوم وفريد الأطرش وغيرهم من كبار المبدعين عن أحلام الزعيم العربي جمال عبد الناصر، لكن الصحيح كذلك أن ما بقي الملايين من العرب يرددونه هو الحب وليس السياسة، ربما لأن الحب ثابت والسياسة متقلبة على أكثر من جنب ونار.

يقول السفير المصري في لبنان ياسر علوي، وهو الموسوعي في شؤون الفن والابداع في بلاده، ان " لحن اغنية صافيني مرة، يمثل مدخلا منطقيا لعالم الساحر محمد الموجي، فهذه الأغنية الرائعة  التي أداها عبد الحليم حافظ، اسست بدون مبالغة لمرحلة جديدة في الموسيقى العربية، فما قبل صافيني مرة ليس كما بعدها". ويضيف في احد مقالاته الجميلة في صحيفة الشروق العريقة: "   ويضيف :"أن كلمات هذه الأغنية كانت  للشاعر سمير محجوب، الذي تعاون مع الموجي وعبد الحليم لينتجوا درّتين من أجمل أغاني البداية لعبد الحليم حافظ، هما صافيني مرة، واللحن الرائع "يا تبر سايل بين شطين" ، قبل أن يتوقف التعاون الفني بين الشاعر والثنائي في أعقاب مرحلة البدايات. كانت الكلمات بسيطة، تصف حالة شديدة الرومانسية برشاقة وبدون أي فذلكة وتعقيد"

عبارة :" ما قبل وما بعد" مرادفة في الواقع لكل تاريخ وابداع عبد الحليم حافظ الذي أتحفنا بكل هذا المخزون الغنائي والرومانسي رغم انه لم يتجاوز 48 عاما قبل ان يحرمنا المرض منه. فصوته هزذ المشاعر هزّا ، وتخطى حدود الزمن والجغرافيا . كان صوت الرومانسية منذ خمسينيات القرن الماضي . فباغانيه الرومانسية العاطفية وحتى السياسية نافس كبار الفنانين بصوته الشجي وأدائه المميز وأصبح معشوق الملايين في أرض العرب.   . 

في اقل من ٢٥ عاماً قضاها بين فنه ومرضه وظروفه الماديه والأجتماعيه استطاع العندليب أن يفرض نفسه وسط عمالقة الغناء ويقدّم  لونه الغنائي الجريء والجديد في ذلك الوقت.  نجح نجاحا باهرا في أن يغيّر مفاهيم الغناء مستندا الى بنية شعرية جديدة ورشيقة تنوّع بين المذهب والمقام والقافية، فجاءت اغاني العشق بصوته الانسيابي كنهر النيل لتصنع الفرق.  لا بل انها أصبحت نموذجاً للأغنيه العاطفيه ورمزاً للأغنيه المصريه الحديثه. وكما كان العشق سيد أغانيه ، فان ابداعه لأجل ثورة الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر في 25 يناير ١٩٥٢جعلت الأغنية السياسية قريبة للناس محفزّة لوجدان العرب وعقولهم وقلوبهم، فمن ينسى اغنية :  "إحلف بسماها". 

ما سر استمرار العندليب ؟

رغم أن زمننا الحالي ليس بزمنه، وهمومنا ليست همومه، وعشق أجيالنا يختلف عن العشق الأصيل الصافي في جيله،  الاّ أن  العندليب الأسمر  ما زال يتسلل الى وجدان وإحساس وشعور وقلب كل الجماهير لأن أغانيه هي الأقرب للناس وفنه يجسد لهم ذاك السحر اللطيف الذي تلوذ إليه النفس في لحظة الانعتاق من هموم الحاضر صوب أحلام الحب الصافي والمشاعر الجياشة.  

ثم ان صورة العندليب في مخيلة من عرفه او من لم يعاصره، هي صور الشاب المبتسم، الرافع الهموم عن قلوب سامعيه، الغازل نسمات العشق فوق الحضور حتى ليكاد كل منهم يعتبر الأغنية معبرة عن حاله. هي صورة الرجل المتمتع بالذكاء اللافت وصدق الأداء وجرأته، وبقدرة هائلة على التعبير عن الاحساس بما ينشد.  كما ان عبد الحليم، وخلافا لفريد الأطرش، ترك مقاليد قيادة فنه الى عباقرة الموسيقى والشعر، بينما الأطرش أصر على أن يلحن لنفسه. فمن محمد الموجي ،الى  محمد عبد الوهاب، الى بليغ حمدي وكمال الطويل، الى شعراء وكتاب معروفين ومحبوبين مثل صلاح جاهين ومرسي عزيز وعبد الرحمن الأبنودي وسمير محجوب وغيرهم، تنقّل عبد الحليم كما الكروان على أغصان الأشجار الابداعية الوارفة

 اثمرت رحلته الفنية القصيرة، مئتين واثنتين وسبعين أغنية، ما بين عاطفي ووطني وديني، وتم تخليد صورته على الشاشات العربية ب ستة عشر فيلما، اتّسم معظمها بالغرام الجميل وخفة الظل والحيوية وروح الشباب ورومانسية عميقة. وكان آخر افلامه " ابي فوق الشجره"  الذي قام ببطولته الى جانب عماد حمدي وناديا لطفي وميرفت أمين، وكانت قصة الفيلم للكاتب الكبير أحسان عبد القدوس والاخراج  لحسين كمال. أحدث الفيلم قنبلة سينمائية بامتياز، فاستمر عرضه  اكثر من ٥٨ أسبوعاً  محققا أحد أعلى ايرادات السينما المصرية والعربية ، وقدّم فيه خمس أغاني ، بينها " جانا الهوا جانا " التي كتب كلماتها محمد حمزة ولحنها بليغ حمدي.  فمن منّا لا يذكر في يوم رحيله، تلك الاغنية التي تقول :

جانا الهوا جانا ورمانا الهوى رمانا

والرمش الأسمراني شبكنا بالهوا. 

ونا لا بد من اشارة لافتة الى التعاون الابداعي الكبير آنذاك بين مصر ولبنان، فهذا الفيلم الذي لاقى شهرة استثنائية تم تصوير  بعض أغانيه واللقطات الخارجية في لبنان من مزار  سيدة حريصا الى معابد وقلعة بعلبك الى جعيتا وصخرة الروشة ، وتخللت الفيلم لقطات حميمة بين العندليب الأسمر وسيدة الشاشة الشقراء المغناج آنذاك نادية لطفي ، ما ادى الى حجبه عن التلفزيون، لكنه عاد لاحقا.   

في مثل هذه الأيام رحل عبد الحليم، تاركا نسائم العشق والفن الراقي، ومدرسة من الإبداع لم تتكرّر.  رحمه الله وأسعده في جنة الخلد بقدر ما أسعدنا في جحيم الأرض.

الكاتب

ميرفت الأحمدية اعلامية-لبنان متدرّبة في موقع خمس نجوم

الكاتب:ميرفت الأحمدية

  • للمشاركة