Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

في عندكم نسوان بتحكي؟

619
news room July 27,2020

 دارين الصايغ وزير

 في زمن القرن الواحد والعشرين وفي وقت أصبح تألّق وتفوّق المرأة محط تناقل الألسنة، من حيث فعاليتها في بناء المجتمع وتولّيها مناصب بارزة، تستوقفك مقولة أحدِ هؤلاء الذين تعنتت ذكوريتهم عند سماع امرأة تبدي رأيها بموضوع فيقول: (نحنا ما عنا نسوان تحكي). مباغتة قاهرة، أهي مكابرة وعناد أم جهل وإنكار لواقع صار محتوماً عليه التغيير؟ تقول الفيلسوفة الفرنسية سيمون دي بوفوار، التي ارتبط اسمها بالنسوية والوجودية، أن التاريخ سرى وتحقق وفقاً لرؤية الرجل وفهمه للواقع. ماذا ينتظر شابات هذا القرن من مباغتات لا تليق بواقعنا الحالي؟ وهل من رؤية مستقبلية قد تسري وفقاً للإعتراف بالغيرية التشاركية في ظل حركة نسوية قوية وفي ظل مراعاة فكرة أن الإنسان، بغض النظر عن جنسه، هو فكر متنوع ومختلف على الدوام؟

منذ زمن المدينة الإغريقية التي تجاهلت كلياً المرأة على كافة الأصعدة وهمّشتها عقلياً وفكرياً، وكذلك زمن الجاهلية عصر العبودية والنكاح الجماعي ودونية الأخلاق والحرمان من حق الحياة وحق الميراث، مروراً بالقرن الثامن عشر حيث كانت المرأة ضعيفة، تمارس الأعمال الشاقة من دون أي اهتمام بتعلّمها أو حماية حقوقها قبيل عصر التنوير، ثم القرن التاسع عشر التي انبثقت منه ثورة فكرية تعيد الحق والإعتبار كما قالت الباحثة التونسية نادرة السنوسي، قرن التأسيس وانتشار الصحافة والمطابع، وصولاً إلى القرن العشرين الذي يحدّثنا عن المرأة المثقفة وبْدء دورها البارز في الدراسة والتدريس. منذ ذلك الوقت وربما حتى الآن، بدأت النساء بأخذ حقوقهن شيئاً فشيئًا، لكننا مازلنا أمام سخط كبيرعلى أعرافنا وأدياننا بسبب نظرة التهميش المستمرة في مجتمعاتنا الذكورية. تلك المجتمعات التي تعتبر أن مَهمّة المرأة تقتصر على تربية الأطفال والسهر لتأمين الترابط الأسري  وتأمين حسن الحياة للرجل. مجتمعات تعتبر أن الرجل هو سيد الموقف، هو المطلق الأول والمرأة تخدمه وترعاه فلا يحق لها أن ( تحكي).

 فلاسفة اليونان انفسهم اعتبروا أن المرأة مجرد تابع، تصلح فقط للمنزل ومتعة الرجل؛ أفلاطون استبعدها من كل ميادين جمهوريته، إلا من طبقة الحرّاس. أرسطو اعتبرها كائناً ناقصاً عقلياً ومجرد وعاء حيث تتكون بذرة الرجل. هيباتيا الإسكندرانية مثلاً قتلت لمجرد أنها أرادت الإستقلالية، اتهمت بالهرطقة والتكفيرلأنها صاحبة أفكار متقدمة، لأنها اختارت قناعتها وظلت أثينية ولم تعتنق المسيحية، اتهموها بشرفها وصفّوها في مجتمع ذكوري خام. جان جاك روسو الفيلسوف الفرنسي وأهم كتّاب عصر التنوير (القرن الثامن عشر) الذي قال: "أنظروا للمرأة كوسيلة للّعب وفي ذلك تَحقُق لرغبات الرجل"، أقرّ بتفوق الرجل على الدوام وبأن دور المرأة يقتصر في الأسرة حيث تظل تحت وصاية الرجل وتقوم بتربية الأطفال ولا يحق لها إبداء رأيها في قضايا عصرها. فريدريك نيتشه، الفيلسوف الألماني، متسلط آخر، شكّك دائماً بالمرأة وقال: "ما هي إلا هرّة، وقد تكون عصفوراً وإذا ارتقت أصبحت بقرة". وقال بوصف دوني أقرب إلى التحقير: "إنها دابة لا تخضع إلا بضربات السياط".

 المسألة هي مسألة إنكار لوجود المرأة وقدرتها على التفكير العقلاني ورغبتها في بث قناعات خاصة بها؛ الفيلسوفة الفرنسية وأشهر نسويات التاريخ، سيمون دي بوفوار تقول: "أن الرجال وضعوا هالة كاذبة من الغموض حول المرأة واستخدموا ذريعة لتصنع عدم فهم النساء عموماً". في تعبير آخر تقول أن ما أصبحت عليه المرأة هو شيء مصطنع إجتماعياً من قبل الذكور، وليس بسبب الحتمية البيولوجية. تشاركها الكاتبة بيتي رولن القول فتتحدث عن مسؤولية العالم في ترسيخ المفهوم القائل أن المرأة وجدت للزواج والحمل والوضع والرضاعة والتربية فقط. في هذا المضمار، كان لبعض الفلاسفة صوت الدفاع عن حقوقها، منهم جيرمي بنثان( القرن 18) الذي أدان انتهاك حقوق المرأة بدعوى عدم عقلانيتهن وجون ستيوارت ميل الذي قال إن " خضوع المرأة وحرمانها من الفرص والحقوق، إحدى أهم عوائق تقدم البشرية (القرن 19).

 منذ القرن العشرين، أخذت المرأة تشق طريقها نحو منحى جديد، لتصل وتبرهن أن المدينة اليونانية ظلمتها كما فعلت الأديان الإبراهيمية التي كرست النظرة الدونية للمرأة وبالأخص اليهودية والمسيحية منها. اتضح لعدد من الباحثات والباحثين أن المرأة غيبت من التاريخ في أعمال كثيرة أدبية وفكرية وفنية وطبية بسبب التسلط الذكوري. على صعيد المثال، نادراً ما تلقى أسماء لفلاسفة نساء في كتب تاريخ الفلسفة التي يكتبها الرجال. الباحثة الأميركية ميري أيلين توجز في بحثها أن الفلسفة ظلّت حكراً على الرجال بسبب التواطئ في إقصاء المساهمات التي شاركت بها المرأة في حقول الفلسفة مثل مساهمات الفيلسوفة اليهودية حنة آرنت وسيمون دي بوفوار وغيرهن من نساء رواد الحركة النسائية كفيرجينيا وولف الكاتبة الإنجليزية الشهيرة.

عربياً، كان لها إسم بارز في تاريخ الإنسانية والأدب والفلسفة والسياسة (لسنا بصدد التعريف عن إنجازات كل منهن). هدى الشعراوي رائدة النهضة النسوية والتي احتفى جوجل محرك البحث العالمي بقوتها مؤخرا، دافعت عن حق المرأة في المجتمع المصري وأهمية وجودها ومشاركتها في مختلف المجالات. نوال السعداوي الاديبة المصرية المتمردة على كل موروث العادات والتقاليد ، طالبت بوقف التمييز على أساس الجنس ووقف العنف ضد المرأة والإعتراف بمساواتها مع الرجل اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، ودعت أيضاً إلى هجر الممارسات الإجتماعية التي تستغل الدين لتبرير اضطهاد المرأة وخضوعها لإمرة الرجل. المرأة السعودية تمكنت بحركة بعض من نساءها ورجالها النسويين أن تتخطى ثقافة الدين والممارسات الخاطئة اذا أمكن التعبير، دخلت سوق العمل وحصلت على حق قيادة السيارة تحقيقاً لرغبتها. المرأة الإماراتية أيضاً دخلت مجال القيادة وصارت شريكاً فعالاً في طرح الأفكار ورسخت حضورها في مختلف القطاعات ووصلت الفضاء واستملت وزارات . تلك نماذج مقتضبة من شواهد عدة على التغيير في كافة الدول العربية منها لبنان وتونس والجزائر ومصر والكويت والمغرب وغيرها ( بعض هذه الدول كانت سباقة منذ اكثر من نصف قرن في منح المرأة حق التصويت ثم الترشح) . ولكن تحركاتهن ظلّت في مواجهة حادة أمام عقبات عدة كالدين والثقافة المهيمنة على البيئة والفوقية الذكورية المسيطرة على فئة كبيرة من العائلات.

 في هذا الزمن، في هذا الواقع المحتوم الذي لم يعد حضور المرأة فيه محتشماً في أكثر من مجال فكري وثقافي، صار عيباً أن نسمع مقولات تهين وجود المرأة؛ فهي أثبتت لغيرها بأنها تتصف بالقوة والشجاعة والحكمة والمسؤولية والجرأة ولديها القدرة على التفكير وإبداء الرأي واتخاذ القرار والإستقلالية، واتخاذ موقعاً فكرياً كذلك. سَهلت عملية التأثر بالغير في ظل عصر التواصل الإلكتروني واستباحت منصاته شاشاتنا، خاصة مع ازدياد عدد النساء المناهضات وازدياد نسبة الوعي كذلك عند شاباتنا وشبابنا وعائلاتنا. يمكنها بذكاء أن تقرر وتصبح باحثة، مؤلفة، كاتبة، مخترعة ورائدة أعمال، عالمة فلك، فيزيائية، كيميائية، بروفيسورة، رياضية، سفيرة أو وزيرة إلخ.. يمكنها أن تمسك زمام الأمور بنجاح اذا ما توفرت البيئة المناسبة والزوج الأنسب والقانون الأمثل الذي يحفظ حقوقها، يمكنها أن تصد هؤلاء المتعنتين وتقول: ( إه، في عندكم نسوان بتحكي).

 من أوائل المطالب التي يحبَّذ تعزيزها هي تحسين تفكير الرجل بالمرأة عموماً؛ الأب بابنته، الأخ بأخته، الزوج بزوجته إلخ. هناك ضرورة للحد من سلطة الرجل التي ترفض الغيرية التشاركية، فلا يُسمح لها بإبداء الرأي، أو تلك التي تهاب ما يسمى بفقدان الفتاة لعذريتها، فتكبّل وتُحجز رهناً لخيارات ذكورية. كل ما تم عرضه في الكتب والأبحاث والمؤتمرات من ضرورة تطور الذهنيات والعقليات والتصورات القديمة الطراز حول المرأة ومعالجة واقعنا القائم على مفاهيم خاطئة والإقرار بالحركة النسوية التي تقوم على إفهام الآخر بأن المرأة هي ذلك الجزء الند لجزئية الرجل وتطالب برفع الوصاية، ما تم عرضه من ضرورة إلى الإنفتاح وتبني مبادىء العدل الإجتماعي وتغيير قوانين تضمن نيل الحقوق الكاملة للمرأة وسعيها لتحقيق ذاتها عن طريق التعليم والعمل وتحقيق الخبرات اللازمة في الإبداع وإنشاء مشاريع خاصة... كلّها مطالب تخص بناتنا اليوم وغداً، مطالب تقع تحت حاجة ملّحة ألا وهي صحوة المرأة.

 مارتن لوثر كينغ قال "أن وقوع الظلم في أي مكان تهديد للعدل في كل مكان". هل سيضمحل ذلك الظلم؟ هل سيكون هذا القرن أكثر عدلاً؟ هل ستكون المرأة أكثر حرية خاصة في إبداء رأيها من دون أية وصاية ذكورية؟ هل ستتمكن نساء قرننا من الجهر بفكرهن، على حد قول أحدهم، في ظل مجتمعات قامعة لهن؟ أسئلة كثيرة تطرح، هل يمكن أن يبددها القرن الواحد والعشرين بمعايير جديدة وتشريعات تعدل الميزان؟ لعلّ وعسى.

 

 

 

 

الكاتب

دارين الصايغ وزير اعلامية

الكاتب:دارين الصايغ وزير

  • للمشاركة