Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

فتنة لبنان ودمشق 1860، دراسة تاريخية وعِبَرٌ للحاضر

2537
news room April 27,2021

د. فدوي نصيرات-الأردن

تشكل حوادث فتنة دمشق التي وقعت في لبنان ودمشق عام 1860م واحدة من أقوى الأمثلة التاريخية على العنف الطائفي، ولعلّ فيها من الدروس العميقة لما يحصل حاليا في الوطن العربي، حيث ما في كواليس الفتن غيرُ ما في ظواهرها.

اندلعت الفتنة بين المسلمين والمسيحيين وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى والجرحى والمفقودين، وتعّدت الآراء حول أسبابها، لكن الثابت الوحيد من خلال التحقيق في الوثائق والنصوص والدراسات والشهادات، أنها لا تكاد تخرج عن كونها تدخلات القوى الأجنبية من جهة والسياسات التي اتبعها ولاة الدولة العثمانية من جهة ثانية، وبينها على وجه الخصوص إجبار الدول الغربية على سحب الشروط التي وضعتها لإنقاص سيادتها على بلاد الشام بحجة حماية المسيحيين. بالإضافة طبعا الى الإحتقان الطائفي المبني على تضارب المصالح والزعامات.

 الواقع، أن المتفحص في السياق التاريخي لأحداث الفتنة يجد أن ثمة أسبابا غير مباشرة وابرزها :

·       نظام الملك العثماني الذي أعطى امتيازات خاصة للمسيحيين، وبينها حرية ممارسة طقوسهم الدينية والحفاظ على حياتهم وحرياتهم مقابل اعفائهم من الخدمة العسكرية الأمر الذي وفرّ لهم فرصة التعليم.

·       نظام الامتيازات الأجنبية الذي أعطى المسيحيين حقوقاً مدنية ودينية لم يتمتعوا بها قبل العهد العثماني. إذ توجهت هذه الطوائف نحو الاعتماد على التجارة والخدمة المالية للدولة وساعدت معرفة أبنائها باللغات الأجنبية على العمل كمترجمين ووكلاء محليين ودائنين ووسطاء، الأمر الذي أعطاهم مواقع مهمة في هرم الثروة والسلطة.

·        دور الارساليات التبشيرية في تفوق المسيحيين الاجتماعي والثقافي والتعليمي، وهو مما زاد من حقد الاكثرية المسلمة عليهم.

·        الحكم المصري لبلاد الشام (1831 – 1841). ذلك ان إبراهيم باشا وسّع أطر التحديث وفتح الأبواب أمام النفوذ السياسي والاقتصادي الأوروبي الذي منح مساواة اكبر مع المسلمين، والغى القوانين التميزية التي كان يخضع لها بعض الرعايا المسيحيين وغيرهم، ومنح حرية ممارسة الشعائر الدينية جهاراً، وأنشأ المدارس والكنائس وأتاح للمسيحيين فرصة العمل في وظائف الحكم، ونشر العدل والتسامح واطلق الحرية الشخصية، بحيث  أذِن بإنشاء الخمارات وبخلع شعار أهل الذمة وارتداء الملابس الملونة وركوب الخيل وعمل على تجنيد المسيحيين وتدريبهم للمرة الأولى.

 هذه التدابير أزعجت القوى المقاطعجية في المنطقة كالدروز وأزّمت الوضع الطائفي بينهم وبين المسيحيين، وزاد في الطين بلّه أن إبراهيم باشا عيّن يوحنا البحري مديراً لحسابات الولايات كلها، وأقام في كل مدينة ديواناً للمشورة جمع فيه  ستة من المسلمين وستة من المسيحيين، وشكّل المحاكم المدنية لمعالجة القضايا الشخصية. فأثارت  كل هذه الممارسات الرأي العام الإسلامي ضد الإدارة المصرية والمسيحيين والقنصليات الأجنبية على حد سواء.

وقد تبيّن أن نظام التنظيمات العثمانية (بدءاً من خط كولخانة  1839 ، وانتهاء بتنظيمات 1876) عزّز فعلا حريات المسيحيين  خصوصا مع إعلان المساواة التامة بين المواطنين، إضافة الى الحرية الدينية واستبعاد التعابير المتضمنة تحقير جنس لآخر في اللسان أو المذهب واعطاء المسيحيين حق التوظيف والانتخاب مما زاد من حدة التوتر وسبب الكثير من الفتن والثورات. وهي ما عُرفت  في التاريخ اللبناني بالحركة الأولى 1840م والحركة الثانية 1845م بين الدروز المسيحيين وأحداث حلب 1857 .

شعرت الغالبية المسلمة أن هذه التنظيمات العثمانية أبطلت القوانين التي حكمت علاقاتهم بالمسيحيين ، فارتفع مستوى الطوائف المسيحية على حساب نظيرتها الإسلامية، وشعر المسلمون بأن المسيحيين يتقدمون عليها  بفضل كل هذه المساعدات والإجراءات وهم يتأخرون، وصار الطربوش والملابس الأوروبية مكان العمامة، ودخلت  ربطة العنق والبنطلون الى البيئة  المسيحية التي لم تكن تعرف شيئا عنهما، بينما  بقى الكثير من المسلمين على عاداتهم القديمة.

والى ما تقدم ، يجب التذكير بأن أحد أهم عوامل الانفجار آنذاك، كان استياء الدروز من محاولات الأمير الشهابي للقضاء على نفوذ مشايخهم وأعيانهم من الاقطاعيين وازدياد أعداد المسيحيين في المقاطعات الدرزية وتدخل بريطانيا المستمر لإشعال نار الفتنة بين جزئي السكان المتكافئين .

انفجرت العلاقة المتوترة بين المسيحيين والدروز مع  مشاجرة بين صبيين ماروني ودرزي، فاشتعلت النار في الهشيم، وعنُفّ القتال بين  الطائفتين انطلاقاً من جبل لبنان وحاصبيا وراشيا ثم امتدت شرارته إلى دمشق واتصل مشايخ الدروز بخورشيد باشا في بيروت الذي قام بتزويدهم بالسلاح، وتوسّعت دائراة الإشتباكات لتشمل  المناطق الجنوبية والوسطى والساحلية والبقاع حيث جرى نهب وحرق المدن والقرى. وتحولت أكثر من ستين قرية إلى رماد في غصون أسابيع قليلة.

هرب العديد من المسيحيين إلى قرى جزين ودير القمر وزحلة ، لكن ثلاثة الاف رجل من مسيحي زحلة هاجموا قرية عين دارا وقرى أخرى وأحرقوها  واعملوا السيف في أهلها ونهبوا كل ما وصلت إليه أيديهم.

استنجد سعيد جنبلاط بـ إسماعيل الأطرش زعيم الدروز في حوران فتوجه لنجدة إخوانهم في جبل لبنان. حاصر الدروز المسيحيين في حاصبيا وهاجموا راشيا الوادي وامتدت نار القتال والمذابح والحرق والنهب الى دير القمر،  ودخل الدروز سراي بيت الدين وأحرقوها أمام أعين السلطات العثمانية، فاضطر الفارين المسيحيين للجوء إلى بيروت لتستقبلهم الجمعيات الخيرية والأديرة ، بينما كانت الهجمات العنيفة تصل إلى صيدا وزحلة وبعلبك.

هنا بالضبط بدأ تدخل القناصل في صيدا وبيروت وأرسلوا قواتهم لتهدئة الحال. انضم المسلمون إلى الدروز بغزوهم لقرى الجنوب وريف دمشق ليهرب الكثيرون من المسيحيين إلى العاصمة السورية خصوصا صوب باب توما  

أحداث دمشق :

استيقظ المسيحيون صباح 9 تموز 1860م ليجدوا أبواب منازلهم وجدرانها وأرضية الأزقة مليئة بإشارات الصليب التي رسمها بعض المشاغبين خلال الليل. قام أحمد باشا والي دمشق  بإعتقال هؤلاء الأولاد وتكبيلهم بالسلاسل واعطاهم مكنسات الزبالين وساقهم إلى الحي المسيحي بهدف تنظيفه. لم يرق هذا العقاب للحشود المسلمة فثار غضب الجموع وهجمت على الحي المسيحي وانضم اليهم المتعصبون المسلمون من الشاغور والميدان والأكراد من الصالحية وقطاع الطرق والبدو.

تجدر الإشارة إلى أن أشراف المدينة وأعيانها لم يكونوا المسؤولين عن الفتنة بل الأشقياء من الطوائف الإسلامية والأوباش، بينما صُدم وجهاء المسلمين وقادتهم من هول ما يرون من قتل ونهب وإحراق محال وبيوت.

 خرج الأمير عبد القادر الجزائري مع ألفين من الجزائريين لنجدة المسيحيين وعمل على ترحليهم من منزله إلى القلعة إذ تجمع فيها أحد عشر ألف نسمة من المنكوبين واستمر الأمير بعمله هذا عشرة أيام. لم تقف المجزرة إلا يوم 16/يوليو عند وصول والي دمشق الجديد فؤاد باشا ومعه ثلاثة الاف جندي نظامي، أحاطوا بالمدينة واوعزوا إلى المسيحيين بالخروج من القلعة.

لن نخوض هنا في اجراءات التحقيق والعقوبات في هذه المجزرة التي أثارت الرأي العام الأوروبي. لكن من النتائج التي ترتبت على أحداث 1860م كان المزيد من التدخل الأوروبي في شؤون المنطقة وتحديداً لبنان إذ تم وضع ما عرف ب "نظام المتصرفية" 1861م. وتم إلغاء الامتيازات العائلية لأعيان لبنان الأمر الذي أدى إلى عصيان الموارنة بزعامة يوسف كرم الذي وجد التشجيع من فرنسا ونشأت حول شخصيته فكرة القومية اللبنانية المسيحية.

أصبح النظام السياسي عاجزا عن تطوير هوية وطنية ذلك أن الطوائف الدينية أقامت لنفسها مؤسسات تديم القيم المتضاربة بين بعضها، ومن غريب القدر والتاريخ أن هذا النظام الطائفي ما زال معمولاً به حتى اليوم. وعلى الصعيد الاجتماعي تكرست حقوق الملاكين وملكياتهم في مجالس المتصرفية والقضاء، وتم تعيين شيوخ لكل طائفة لإدارة شؤون ابناءها الأمر الذي عزز ورسخ بنية النظام الطائفي اللبناني الذي تسبّب لاحقا بويلات كثيرة.

من الناحية الفكرية نبّهت هذه الاحداث أذهان الناس إلى ما قد ينجم عن الجمود العقلي والغرائز الطائفية من أضرار، ودفع المفكرين ومنهم بطرس البستاني الذي زرع بذرة الوطنية الأولى في قلوب اللبنانيين.

إن حوادث الستين كانت محاولة لإيقاظ أهل المنطقة من جهلهم وأكدت لهم أن الصراع الطائفي هو وليد الجهل وهو سلاح أجنبي يسلط على استقلال البلاد وللقضاء على أية خطوة تقوم بها شعوب المنطقة نحو تحقيق نهضة حضارية.

علينا أخذ العبرة من أحداث هذه الفتنة لرسم تصور مستقبلي خال من العنف بكافة أشكاله، إن ما يجري الأن على الساحة العربية من عنف طائفي وعرقي ما هو إلا صيغة مختلفة من صيغ فتنة دمشق، فالحرب الدائرة في سوريا والعنف في العراق والصراع على السلطة في لبنان ليسوا وليد اللحظة ولا من صنع الأيادي التي نظن أنها الفاعلة فيه الأن، بل استمرار لتاريخنا الانعزالي وانتماءاتنا الفئوية التي يغذيها الغرب من خلال المؤامرات، وذلك بهدف   السيطرة على الأرض والثروة  والإنسان.

هذا الإرث الطائفي سيبقى لقمة سائغة للآخر، وسيبُبقي أبوابنا مشرّعة أمام كل طامح وطامع وغاز ومحتل ، طالما أننا لا نكترث لهوية وطنية حقيقية قافزة فوق الإنتماءات والطوائف والولاءات الصغيرة التي غالبا ما تكون ضد الوطن

-----------------------------------  

هذا المقال مُختصر لبحث أوسع نُشرته الدكتورة فدوى نصيرات في مجلة التاريخ والآثار في الجامعة الأردنية في شباط 2021

الكاتب

د. فدوى نصيرات باحثة وكاتبة متخصصة بالتاريخ من مؤلفاتها: المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية ، دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين ، الحرية في فكر المفكر العربي منيف الرزّاز، عبد الغني العريسي نشاطه الثقافي والقومي 1891-1916

الكاتب:

  • للمشاركة