Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

فرنسا وتركيا على شفير لبنان...الخطر الجاثم.

4587
news room August 20,2020

سامي كليب:

                بلغت حماسة بعض اللبنانيين لقدوم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت حد مطالبته المقيتة بإعادة الانتداب. البعض قال ذلك تعبيرا عن بلوغ الغضب منتهاه من طبقة سياسية ساهمت بتدمير  مرفأ بيروت ومعظم الوطن، والبعض الآخر قاله من منطلق استساغة الاستعمار بناء على موروث قديم حلّله بدقة المُفكر الجزائري العريق مالك بن نبي. وعند هذا البعض الثاني، تركلُ المصالحُ المُذلة كرامة الوطن والانتماء. لكن هل ان ماكرون جاء فقط حبا بلبنان، أم ضد تركيا؟

 

           لا شك ان للبنان في المخزون العاطفي الغربي والعربي والشرقي مكانا مميزا لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، لكن كل هذا المخزون، لم يمنع اجتياح بيروت من قبل إسرائيل عام ١٩٨٢ ، ولا تدمير الوطن، ولا وضع حدا للطبقة التي أفقرت الشعب وأفسدت البلاد، وقتلت الدولة. بل بالعكس تماما، فان هذه الطبقة بالذات غالبا ما وجدت في الغرب والشرق سجادا أحمر تمشي عليه.   

 

       ولفرنسا مع لبنان موقع الصدارة، لأسباب تاريخية ودينية وفرنكوفونية، كما ان الفرنسيين غالبا ما يميّزون اللبناني عن العربي الآخر على أراضيهم وفي سياستهم الخارجية، وتوازى ذلك مع مخزون عاطفي من قبل الطرفين، ومع تقارب اجتماعي ولغوي وثقافي، قبل ان تغزو الثقافة الإنكليزية عقول وقلوب الشباب اليوم.  

 

    لكن من السذاجة التفكير بأن فرنسا قد تحرّكت من رئيسها الى جيشها صوب  لبنان وشواطئه، فقط من منطلق ذاك الحب والموروثات، أو تلبية للحظة عاطفية محلية وعالمية فجّرها تفجير المرفأ.

 

فماذا بين تركيا وفرنسا ؟

 

·     في العام الماضي اتهم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الرئيس ماكرون بأنه يعاني من " موت دماغي"، وها هو ماكرون يقول عن سياسة اردوغان في ليبيا  انها " عديمة المسؤولية التاريخية ومجرمة". فرنسا تدعم في ليبيا ( مع مصر) المشير خليفة حفتر، وتركيا تدعم حكومة  فايز السرّاج المعترف بها دوليا.

 

·     تخشى فرنسا عبور الإرهابيين من سورية والعراق الى ليبيا واحتمال انتقالهم الى أوروبا عبر المتوسط لاحقا او انضمامهم الى الإرهابيين في افريقيا حيث عانت فرنسا الكثير خصوصا في دولة مالي لقتالهم. وهي تنظر بعين الريبة الى المطامع التاريخية المتجددة لاردوغان في نفط ليبيا ودول أخرى في المنطقة من سواحل يونان الى سواحل ليبيا ولبنان.   

 

·     تخشى فرنسا ثالثا، تأثير التمدد التركي على الجاليات المسلمة على أراضيها وفي الغرب، لان هذا التأثير لن يقتصر على انتعاش جماعة الاخوان المسلمين، وانم يؤدي الى استنهاض أفكار التطرف والإرهاب وفق ما تشير تقارير فرنسية. ففي دول المغرب أيضا ثمة تأثير تركي واضح، من خلال تعاطف بعض التيارات والأحزاب، من الجبهة الإسلامية السابقة في الجزائر الى حزب العدالة والتنمية في المغرب الى حركة النهضة الإسلامية وصولا الى إسلاميين ليبيا وموريتانيا. وكل هذه الدول هي في الجوار الأوروبي او في مجال مصالحه.

·     تخشى فرنسا ثالثا ان تخسر مواقعها التاريخية في مناطق جنوب المتوسط، بسبب التقدم التركي بعد التوسع الإيراني والروسي، وتشاركها في هذا القلق دول الاتحاد الأوروبي وأميركا الى حد ما .

·     فرنسا تدعم بالسلاح حليفتها اليونان ضد الأطماع التركية، وهي لن تتردد في استخدام القوة ضد قوات اردوغان لو تطّلب الأمر ذلك. وما حركة البوارج الفرنسية في البحر حاليا سوى لهذا الهدف.

·     اردوغان من جانبه شجب اعتراف فرنسا بالإبادة الجماعية الارمنية ، وشجب بشدة دعمها التاريخي والحالي للكرد من العراق الى تركيا وصولا الى سورية .

هذه الأسباب جميعا، تشرح جزءا أساسيا من الهبة الفرنسية الحالية الى جانب لبنان، خصوصا ان التقارير الفرنسية تشير الى سعي تركيا مثلا الى تجنيس اكثر من ٥٠ الف لبناني حاليا بينهم ١٧ الف تركماني، وهو ما يقلق باريس ولكن ايضا دولا عربية مثل مصر والسعودية والامارات، ولذلك فان الرئيس الفرنسي طرح في خلال لقاءاته اللبنانية السؤال التالي :" ما هو الواقع التركي حاليا عندكم" .

 

لعلّ فرنسا ومعها أوروبا ودول عربية، تعيش قلقا مضاعفا، بسبب ضبابية موقفي اميركا وتركيا من اردوغان. فهل هذا ساهم أيضا في التقارب الفرنسي مع حزب الله وايران مؤخرا؟ ربما.  لكن الأكيد ان انتعاش زعامة سنية كبيرة  وتوسعية مع تركيا في المشرق والمغرب يقلق الغرب بالعمق.   

هل تشهد سواحل لبنان، أول اشتباك فرنسي-تركي؟ وماذا سيفعل أنصار تركيا في لبنان في هذه الحال، هل يقفون مع باريس والعرب أم العكس؟ ربما في شهر أيلول وحين يأتي ماكرون الى بيروت للمشاركة في احتفالية قيام لبنان الكبير ستبدو الصورة أوضح، خصوصا ان الرئيس ميشال عون كان قد اثار ازمة دبلوماسية في العام الماضي مع انقرة بقوله ان  : " كل محاولات التحرر من النير العثماني كانت تقابل بالعنف والقتل وإذكاء الفتن الطائفية. وإن إرهاب الدولة الذي مارسه العثمانيون على اللبنانيين خصوصاً خلال الحرب العالمية الاولى، أودى بمئات الاف الضحايا ما بين المجاعة والتجنيد والسخرة"...

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة