Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

فلسطين بين الخطابات الرسمية الغربية ونبض الشارع

982
news room May 21,2021

سيف القدس وسيف دونكيشوت 

من الخطابات الرسميّة في ديموقراطيّات الغرب إلى نبض الشّارع ـ ألمانيا وفرنسا نموذجًا.

د.مرح إبراهيم ـألمانيا

الآن وقد أخذت منطقة الشرق الأوسط نفسًا بعد أحد عشر يومًا من الصراع الساخن، بعد أن عاد الصراعُ الفلسطينيّ ـ الصهيوني لِيصيرَ محطّ الأنظارِ، ويشغَلَ العناوينَ العريضةَ في صحف العالم والمجالس الدوليّة، فلنعد قليلًا إلى تلقّي الدول الغربية عودة الحراك في الشرق ووقعَهِ على أراضيها، بعدما رفَعَ عشراتُ الآلافِ، في الشوارع والساحات، رايةَ قضيتهم.

الخطابات الرسميّة : بينَ الازدواجيّة والمُوارَبَة

خلال أحداث القدس الشرقيّة، وبعد إطلاقِ الفصائل الفلسطينية الصواريخَ من غزة على المدن الإسرائيلية، صرّح الناطق باسم الخارجية الألمانية كريستوفر برغر في مؤتمرِ صحفيّ عُقد في الثاني عشر من أيار في برلين، أنّ "هجمات حماس لا تمتّ للدفاع عن النفس بصلة"، بينما أعلن شتيفن زايبرت، الناطق باسم الحكومة الألمانية خلال المؤتمر ذاته،  أنّ "إسرائيل تملِكُ حقّاً مشروعاً في الدِّفاعِ عن نفسها". وعمّا إذا كان يدين قتل الأطفال الفلسطينيين من قبَل القوات الإسرائيليّة، قال: "في يوم كهذا، موقفنا واضح، يجب أن تتوقف الهجمات الإرهابية على إسرائيل كي لا يزداد عدد القتلى من الطَّرَفَين". أثار كريستوفر برغر زوبعةً في المؤتمر الصحفي عندما صرّح أن الفلسطينيين "لا يملكون الحقّ في الدفاع المشروع عن النفس، بما أنّ القانون الدوليّ يشرّع الدفاع عن النفس للدول ذات السيادة، والفلسطينيون ليسوا بدولة". ورغم النقد الدوَليّ للهجمات الجوية الإسرائيلية المتعمّدة على أبنية مسكونة واعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي، أجاب برغر بأنّه "لا يوجد دليل" على ذلك. بعد أيّام، ومن خلال صحيفة "بيلد أم سونتاغ"[1]، دعا وزير الخارجية الألمانيّ هايكو ماس إلى خطة من ثلاث مراحل لتهدئة الصراع: وقف الإرهاب الصاروخي، إنهاء العنف والعودة إلى المحادثات حول خطوات ملموسة لبناء الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين وحل الدولتين. وشدد مجدّدًا على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد صواريخ حماس.  في السابع عشر من أيار، حثّت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على وضع حدٍّ للصراع بأسرع وقت ممكن، معلنةً عن تضامن الجمهورية الفيديراليّة مع إسرائيل ومدينةً هجمات حركة حماس.

كما ذكرت الصحيفة نفسها أنّ المرشحة لمنصب المستشار عن حزب الخضر، أنالينا بربوك، قد طالبت بالتزامٍ أقوى من الحكومة الفيدرالية وإرسال وسطاء إلى الإقليم، مشيرةً إلى أن "أمن إسرائيل هومصلحة وطنية عليا في [2] ألمانيا. لا يمكننا الاكتفاء بمشاهدة الهجمات البشعة التي تقترفها حماس". في الواقع، لجأت هذه المرشحة إلى عبارة صرحّت بها أنجيلا ميركل عام 2008 أمام الكنيسيت، معلنةً التزامًا حيال دولة إسرائيل، ومعطيةً بعدًا مختلفًا للعلاقات بين البلدين: " إنّ هذه المسؤولية التاريخية لألمانيا هي مصلحة وطنية عليا لبلدي، أي أنّ أمن إسرائيل أمرٌ لا يُساوم عليه بالنسبة لي كمستشارة". وقد كشف خطاب الدولة الألمانية آنذاك عن قبول مسؤولية أبدية تجاه دولة إسرائيل، نظرًا لخصوصيّة التاريخ بين ألمانيا واليهودية.

في فرنسا، عبّر رئيس الجمهورية، إيمانويل ماكرون (وذلك بعد تواصله مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس) عن "إدانته الشديدة للهجمات التي تبنتها حماس ومجموعات إرهابية أخرى" حسب مسمياته، والذين "يعرّضون شعب تل أبيب للخطر ويقوضون أمن إسرائيل". كما أشار البيان الصادر عن الإليزيه إلى "الحاجة الملحّة للعودة إلى السلام، وإعادة إطلاق المفاوضات بشكل حاسم" و "رغبة فرنسا في المساهمة بها مع احترامها لتطلعات الأطراف المشروعة ".

حقُّ إسرائيل المشروع في الدفاع عن نفسها هو اعتبار هجماتِ حماس بدايةَ الصراع، بعد أشهر من تهديد أهالي حيّ الشيخ جراح بالتهجير وقمع التظاهرات في المنطقة. وُضعت إسرائيل في موقع الدفاع عن النفس كدولة ذات سيادة، أمام شعبِ مسلوب السيادة والإرادة. ماذا إذًا عن فرع من أفرع القانون الدولي، وهو ما يسمى بـ"القانون الدولي الإنساني" (أو قانون الحروب أو قانون النزاعات المسلّحة)، الذي يتألف من مجموعة قواعد تهدف، لأسبابٍ إنسانية، إلى الحدّ من آثار النزاعات المسلّحة بغية حماية الأشخاص غير المشاركين في النزاعات وتقليص وسائل الحرب. ويطبّق هذا القانون في حال النزاعات المسلحة، لكنّه لا ينص على حق دولة أو لا باللجوء إلى القوة، هذه المسألة ترد في ميثاق الأمم المتحدة.

حتى لو كان القانون الدولي يحكم العلاقات بين الدول (ذات السيادة)، إلّا أنّ القانون الدولي الإنساني ينص على حماية "الأشخاص" من النزاع المسلّح. فأين حقّ الأشخاص المنتمين إلى أراضٍ غير معترف بدوليتها وسيادتها ووجودها إذًا؟

بهذا الصّدد، أدانت شخصيّات سياسيّة في فرنسا، كالنائبة الفرنسيّة عن حزب جبهة اليسار، كليمانين أوتان، تصريحات الحكومة الفرنسيّة وموقفها أمام ما يُقترف في حق الفلسطينيين، ودوس إسرائيل على القانون الدولي : "فرنسا ليست غاضبة، ولا  تفرض شيئًا"، بل تكتفي بالتعبير عن "قلقها" "لإساءات جيشٍ يخدم حكومةً من أقصى اليمين، تساهم في تكريس سيطرة إسرائيل، نظام التمييز العِرقي" وأضافت  "لا نُخاطب الحذاء الذي يسحَقُ والوجه الذي يُسحَقُ بالنبرة ذاتها".

من الإعلام إلى نبض الشارع

أمّا وسائل الإعلام الغربية، فحاول بعضها تغطية الأحداث بشيء من الموضوعية والمسافة مع الحدث، من خلال عناوين إخبارية غير منحازة، أو مقالات تحليليّة لما يجري[3]، كما نُشرت مقالات تحقيقية لأغراض إنسانيّة، في صحيفة لوموند مثلًا عن حقيقة "الرصاص المطاطي" الذي يطلقه الجنود الاسرائيليون على المتظاهرين[4]. لكنّ الصحافة غالبًا ما تقعُ في فخّ الخيارات الاصطلاحية التي تُحوِّل الخطاب إلى إيديولوجيا، إذ يعكس المصطلحُ توجّه الكاتب ويوجّه في دوره القارئَ. نرى مثلًا في إحدى مقالات لو فيغارو[5] الفرنسية، نقل الخبر باستخدام علامات اقتباس لعبارات معينة، كعبارة المقاومة الفلسطينيّة، لكن دون الإشارة إلى ما تحمل العبارة من معانِ، بين المسمّيات التي تطلقها بعض المنظمات على أنفسها، والمقاومة في الشوارع، بالمعنى الحرفي للكلمة. في مقالِ آخر نشرته الصحيفة، كانَ العنوان إيديولوجياً بامتياز: " بعض المدافعين عن القضية الفلسطينية يظهرون تساهلًا إجراميًّا مع حماس الإرهابية" اقتباسًا عما ورد في المقال الذي كتبه المحامي والكاتب جيل ـ ويليام غولدنادل، الذي "احتج على العمى الإيديولوجي لهؤلاء النشطاء غير المبالين بمعاداة السامية والمتسامحين مع حماس، المنظمة الإرهابية".

في مقالاتٍ أخرى، يقع المحرّرون عمدًا في الأحكام والمداخلات الشخصية بين الكلمات، نرى مثلًا في الصحيفة الألمانيّة فرانكفورتر الغيماينه[6] مقالًا لمحرر في السياسة الخارجيّة، استهلّ مقاله كاتبًا: "ستدفع حماس ثمناً باهظاً   لما تسميه "الدفاع عن القدس"، الذي لم يكُن، في الواقع، إلّا هجوماً مفتوحاً على إسرائيل".  أو مثلًا: "الحكومة الفيدرالية والدول الغربية الأخرى أشارت بحق إلى أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن النفس". 

من جهةٍ أخرى، وبعد أن أعلنت إسرائيل أن مباني وسائل الإعلام التي قصفتها، كانت "هدفًا شرعيًّا تمامًا" نظرًا لتواجد عناصر من منظمة حماس في هذه الأبنية بين المدنيين، وفق تصريحاتها، نقلت الصحف والقنوات "صدمة" لجنة حماية الصحفيين في نيويورك، وتصريح مديرها جويل سيمون، أن الجيش الإسرائيلي "يستهدف بشكل متعمد المكاتب الإعلامية من أجل تعطيل تغطية المعاناة الإنسانية في غزة".

كانت البرامج، في كثيرٍ من القنوات، مكانًا لتواجه الآراء المتباينة من خلال لقاءات جدليّة حول الأحداث الراهنة والمظاهرات في أوروبا، كلقاء جرى بين الصحفي الإسرائيلي جاك بينيلوش والمؤرخ الفرنسي والسفير السابق ميشيل رامبو على قناة روسيا اليوم الناطقة بالفرنسية[7]. كان أول ما قاله بينيلوش أن القضية كانت في البداية قضية إسرائيليةٌ ـ أسرائيلية وتحوّلت فجأةً إلى قضية دولية، لكنّ رامبو أعاد الأحداث إلى جوهرها مشددًا على أنها في الحقيقة قضية شعب وختم قوله بأنّ لا سلامَ دونّ عدالة ومساواة في الحقوق وعلى دولة إسرائيل أن تحترم قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي تنتهكها منذ الأزل وكأنها ليست موجودة، هي الدّولة التي تم تأسيسها بقرار من الأمم المتحدة. هذا الطفل الملك، مفرط الدلال، الذي أصبح نيرون العصر الحديث.

بهذه القناعات، خرج عشراتُ الآلاف إلى الشوارع تضامنًا مع فلسطين، فما أن بدأت صور الشباب الفلسطيني في القدس الشرقية تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، حتى أخذت العناوين والهاشتاغ تُتداول عبر الصفحات والحسابات الالكترونية لإنقاذ حيّ الشيخ جرّاح والتضامن مع الفلسطينيين، ومن ثم انتشر هاشتاغ #غزة تحت القصف حول العالم. في أوروبا، تناقلت الصفحات مبادراتِ جمعيات متضامنة مع فلسطين للدعوة إلى مسيرات ومظاهرات تضامنًا مع فلسطين. في فرنسا، أثار منع المظاهرات من قبل وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان الاستياء لدى أصحاب القضية، لكنّ ذلك لم يقف في وجههم للخروج إلى الشوارع ورفع الشعارات من أجل فلسطين حرة، ومقاطعة إسرائيل والدعوة إلى وقف إطلاق النار. أدّى هذا التحدي إلى مواجهات مع الشرطة الفرنسيّة، التي لجأت إلى الغاز المسيّل للدموع والمدافع المائية لتفرقة المتظاهرين ومنع استكمال المسيرات، خوفًا من تكرار الفوضى التي حصلت عام 2014. في باريس، خرج 2500 إلى 3500 متظاهر، تمّ توقيف 44 منهم وإصابة شرطي.

أمّا في ألمانيا، فنُظمت مظاهرات متضامنة مع فلسطين في العديد من المدن كبرلين وهامبورغ، وكولن ومانهايم وغيرها. في بعضها، كالمظاهرات في بريمن التي كانت تناشد "فلسطين حرة"، لم تحصل أي اشتباكات مع رجال الشرطة. أما في برلين، حيث خرج ما يقارب 3500 شخصًا، رموا الشرطة بالحجارة عندما حاولوا تفريقهم، أُوقِفَ 59 متظاهراً وأُصيبَ المئات من رجال الشرطة. لكنّ حرق علم إسرائيل والتعرض لمباني ومعابد يهودية والهتاف ببعض الشعارات اعتُبر إجرامًا بتهمة معاداة السامية، بالإضافة إلى رفع علم حماس، المدرجة في قائمة المنظمات الإرهابية من الاتحاد الأوروبي. وصدر قرار بتوقيف كلّ من ساهم بهذه الأفعال وتغريمه، كما أمر وزير الداخلية الألمانيّ بتكثيف حماية المباني اليهودية وصرّح أنه لا "تسامح مع حرق العلم الإسرائيلي على الأراضي الألمانية أو التهجم على المؤسسات اليهودية". وفي إطار الديموقراطيّة وحرية الآراء، معاداة السامية ليست رأيًا، بل جريمة. هذه العبارة المتداولة باستسهال لا بل بانتهاك لغوي وتضليل في المعنى، كلّما ضاقت السبل في الردّ.

منذ وعد بالفور عام 1917، نشهد عطالةً في الخطاب السياسيّ الغربي، خطاباتٌ مبهمةٌ، تتلاعبُ بالكلمات للالتفاف حول ما تنصّ عليه القوانين الدولية للعدالة وحقوق الإنسان، وفي السياق الحالي، تركزّ التصريحات على وقائع لا تمسّ القضية بجوهرها، إذ لا تتمحور القضية حول الصّراع بين الكيانِ الإسرائيليّ وحركة حماس، إنّها قضيّة شعب، قضيةُ شبابٍ ملأ الشوارع وتحدى القمع والعنف من أجل أرضه، من أجلِ قلب معطيات التاريخ والتحرر من سجنِ في الهواء الطلق : هذه هي المقاومة الفلسطينية التي لا يمكن وضعها بين علامتيّ اقتباس. لكنّ الشارع الأوروبيّ، من خلال جمعياته وشبابه وجالياته المتعددة وتاثير الإعلام البديل، أثبت أن صوت الشارعِ قادرٌ على كسرِ جليد الخطابات الرسميّة.

 أمّا عن الإدانات والتجريم تحت مسمّى "معاداة الساميّة"، ألم يتساءل من يَعتقل ويُدين المهاجرين ويصفهم بـ"الحاقدين والمعادين للسامية"، من هم الساميون؟ إنهم اليهود والعربُ وقبلهم السريانيّون والفينيقيون والبابليون والكنعانيون. إنها معاداة الصهيونية ما يعنون. الصهيونية التي تتداخل في أغلب الخطابات مع اليهودية، لا بل يُراد لها أن تذوب في هذا اللغط، في ظلّ التوجّه نحو اعتماد الصهيونيّة واليهودية والساميّة مترادفاتٍ في القواميس والمراجع الّلغوية، بغيةَ تجريم كلّ ما يمسُّ الصهيونية كيانًا وعقيدةً.



[1] Bild am Sonntag, Berlin.
[2] « Diese historische Verantwortung Deutschlands ist Teil der Staatsräson meines Landes. Das heißt, die Sicherheit Israels ist für mich als deutsche Bundeskanzlerin niemals verhandelbar », Knesset, Jerusalem, 18.03.2008.
[3] Israël - Palestine : le vertige du vide politique, Le Monde, 11.05.2021.

إسرائيل ـ فلسطين : دوارُ الفراغ السياسيّ، لوموند، 11.05.2021
[4] Le mythe des « balls en caoutchouc » israéliennes, Jean-Pierre Filiu, Le Monde, 16.05.2021
[5] Le Figaro, Paris.
[6] Israel ohne Stabilität, Nikolas Busse, Frankfurter Allgemeine, 13.05.2021.
[7] Débat entre Michel Rimbaud et Jacques Benillouche sur l’embrasement au Proche-Orient, Russia Today France, 15 mai 2021.

الكاتب

د. مرح ابراهيم : محاضرة في جامعة بادربورن الألمانيّة مترجمة وباحثة في علم المصطلح. في جامعة السوربون في باريس

الكاتب:مرح ابراهيم

  • للمشاركة