Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

فاتن حمامة: لستُ إلهاً

1021
news room January 23,2021

نوال الحوار: 

غابت فاتن حمامة قبل ست سنوات وغاب معها وجه القمر، فاتن التي دخلت الفن طفلة ولم تعرف غير الفن مهنة أخرى .. حتى عندما أجبرتها الظروف على ترك مصر فترة لم تستطع أن تعمل أي شيء إلا تربية أولادها، ورغم إجادتها اللغتين الفرنسية والإنكليزية وزواجها من النجم العالمي عمر الشريف إلا أن هذه السيدة  العظيمة لم تحبّ سوى السينما المصرية وبقيت وفية لها. 

هي النجمة والبطلة ذات الوجه الملائكي البريء، عاصرت عقوداً طويلة من تطور السينما المصرية، وساهمت بشكل كبير في صياغة صورة متقدمة لدور المرأة في السينما العربية، منذ أن بدأت التمثيل عام 1940. بالرغم من أنها لم تقم في البداية إلا بأدوار ثانوية، إلا أن شعبيتها كانت تزداد على مدى السنوات، وصنعت من نفسها ممثلةً رائدة في السينما المصرية، وأصبحت واحدةً من أكثر الممثلات شهرة في الشرق الأوسط. فتبرعت فوق 60 عاما من العمل الابداعي، وقدّمت  أكثر من مئة فيلم.

 هذه أبرز محطات حياتها   :

·     قدمت مجموعة تتجاوز العشرين فيلما بين عام 1940 و 1949 لكنها تعتبر فترة التأسيس في حين أن الفترة المهمة بحياتها بدأت من عام 1950_ 1959 وهذه الأعوام كرست فاتن حمامة كنجمة صف أول حيث كان لقاؤها مع العظيم هنري بركات والذي قدمت معه أفضل أعمالها السينمائية.

·      كانت المحطة الاولى مع بركات بفيلم دعاء الكروان عن قصة العميد طه حسين والذي جسدت فيه دور هنادي الفتاة التي جاءت تنتقم لأختها فوقعت في حب المجرم. تقول ابنة فاتن حمامة نادية من زوجها الأول عز الدين ذوالفقار أن والدتها تعتبر أن مسيرتها الفنية قبل دعاء الكروان شيئ وبعده شيء آخر.

·      ما بين عام 1960- 1969 قدمت أكثر من 15 فيلما، لكن هذه السنوات العشر  من عمرها الفني توجتها مع العبقري في السينما هنري بركات حيث قامت ببطولة فيلم "الحرام" والذي بقي لفترة طويلة يحقق أعلى إيرادات في دور العرض بمصر والعالم العربي. 

·      ما بين عام 1970 _ 1979 قامت ببطولة سبعة أفلام إلا أن أهمها كالعادة مع هنري بركات. وفي تلك المرحلة ركزت فاتن على إبراز دور المرأة وإلقاء الضوء على مشاكلها مثل أفلام: أريد حلا/ لا عزاء للسيدات/ أفواه وأرانب/ الخيط الرفيع. ولعلها في هذا الفيلم حلقت في آداء الدورين الواقعي والرومانسي في آن، حيث قامت ببطولته مع محمود ياسين. إن أهمية هذا الفيلم ليست فقط في الاداء إنما في قوة الحوار الذي كتبه ببراعة شديدة الكبير إحسان عبد القدوس يكون الحديث بين عادل ( محمود ياسين)  ومنى ( فاتن) عندما طلبت منه الزواج كالتالي:  

عادل: الخالق يدي وما بيخدش يكفيه عبادة خلقه وأنا بعبدك

منى: الخالق بيتعبد في الجهر وأنت بتعبدني في السر 

عادل: العبادة في السر أخلص العبادات 

منى: العبادة مش خطيئة لكن انت بتعتبر حبك لي خطيئة 

عادل: مش انا ده المجتمع والمجتمع كافر محدش مؤمن بيه بيكي إلا انا 

منى: خليك نبي وأنشر دعوتك

عادل: مقدرش أكون نبي 

منى: ومين قالك أنا أاقدر أكون إله

تعتبر فاتن حمامة أن السبعينيات هي سينما الواقعية بامتياز أما في الثمانينيات فقد سيطر على العمل السينمائي بمصر ما يسمى أفلام الأكشن والمقاولات وضعف الإنتاج الجيد. طبعت هذه المرحلة بما يسمى نجم شباك التذاكر وكانت تقاس جودة الفيلم بإيراداته وليس بنوعه فاضطرت للتقنين بعملها، ولم تقدم سوى ثلاثة أفلام: "ليلة القبض على فاطمة" وهو أخر تعاون لها مع هنري بركات، تلاه"يوم مر يوم حلو" لخيري بشارة، وختمت مسيرتها السينمائية بفيلم "أرض الأحلام" لداوود عبد السيد ولم تكن راضية عن الفيلم وتقول ابنتها ناديا أنها لم تشاهده. 

في رصيد فاتن حمامة، ثلاثة أفلام قصيرة وهي: "رصاصة في القلب" و "يوم سعيد وأول الشهر"، كذلك قدمت عملين للتلفزيون وهما مسلسل "أبلة حكمت" وعالجت من خلاله مشاكل التعليم ، و"وجه القمر "الذي ألقت الضوء من خلاله على مشاكل الإعلام. أما في الإذاعة والمسرح فأعمالها قليلة، ولم تترك أثرا كبيرا لأنها هجرت المنبرين باكرا.

فاتن حمامة والسياسة

لعل من المفيد أن نتذكر في هذه المقالة علاقة فاتن حمامة بالسياسة حيث تقول إنها أيدت الرئيس المصري والزعيم العربي جمال عبد الناصر في البداية، لكنها غيرت موقفها بعد ما سميّ بانحراف جهاز المخابرات على يد صلاح نصر الذي أراد تجنيدها، ولكنها تركت مصر ولم تعد إلا في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.

قالت عن  السادات : " كان رجلاً متفتحاً وإنساناً طيباً ولكنه ذكي جداً، كنت أحبه وأحترمه، وفى عصره تغيرت معايير السياسة والفن أيضاً، لكن ظلت مصر تعاني الكثير من مشاكلها، ومشكلتها الأكبر الزيادة السكانية، وكان فيلمي أفواه وأرانب إشارة لأزمتنا الكبرى".

   أما عن علاقتها بالرئيس محمد حسني مبارك، فأكدت أنها تحبه كثيراً ووصفته بأنه طيب، ولكنها أيدت ثورة 2011 ضده،  وشجعت ثوار 25 يناير على الحفاظ على مكتسبات ثورتهم وذلك في الذكرى الأولى لها. وأما بالنسبة للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، فقد كانت الفنانة الراحلة ضمن من التقوه خلال حملته الانتخابية. وقتها ترك السيسي مقعده وتوجه إليها ليلقي عليها سلاماً  قائلاً: "لا يمكن أن يفوتني أبداً أن أوجه كلمة شكر" فكان ذلك  سببا في هجوم الإخوان عليها وشماتتهم بموتها.

 الحياة الشخصية لفاتن كما الحياة الفنية كانتا مادة غنية ودسمة للصحافة. تزوجت في بداية حياتها من المخرج عز الدين ذو الفقار وأنجبت ابنتها ناديا، وانفصلت عنه وارتبطت بالنجم عمر الشريف الذي أشهر إسلامه كي يتزوجها، وأنجبت منه أبنها الوحيد طارق. لكنها انفصلت عنه وتزوجت من الدكتور محمود عبد الوهاب وعاشت معه حتى وفاتها.

جوائزها:

 في مسيرتها الفنية، تلقّت فاتن حمامة العديد من الجوائز، لأدائها الرائع على الشاشة، ومنها الجائزة الخاصة في مهرجان ظهران السينمائي الدولي عام 1971، عن أدائها في فيلم "الخيط الرفيع"، وكذلك الجائزة الخاصة في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عن دورها في فيلم "الامبراطورية ميم"، وأيضاً حصلت على أوسمةٍ أخرى تتضمن وسام الإبداع من الدرجة الأولى، الذي قدمه لها الأمير خالد شهاب، رئيس الوزراء اللبناني عام 1953، ووسام العظمة من الرئيس المصري أنور السادات. ومنحت الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأمريكية ببيروت والقاهرة .

هي سيدة الشاشة العربية وأميرة عرشها بلا منازع منذ أن صعدت سلم المجد والشهرة إلى وفاتها. وهي التي كانت الأقرب إلى قلوب المصريين.

يقول الناقد طارق الشناوي: إن البيوت المصرية والعربية كانت تضع صورة فاتن حمامة فى غرف الصالون، والتي كان يطلقون عليها قديما "غرفة المسافرين" للدلالة على كونها جزءا من العائلة.

كان المصريون وكثير من العرب يعتبرون المبدعة فاتن حمامة حالة استثنائية بكل المقاييس وينظرون اليها كفرد  من العائلة في منزلة بنت العم، أو الخالة،   استطاعت فاتن حمامة عن جدارة اختراق حواجز الصورة الوهمية إلى الدنيا، لتصبح جزءا أساسيا من الحياة والجمال.

هي بلا شك نموذج للفنانة والإنسانة العظيمة ، فحين تسأل البسطاء عنها يجيبون: سيدة محترمة، تشكل في الضمير الجمعي للعرب  نجمة القرن، وهو أمرٌ لم يكن نتيجة للعشوائية إنما أيضا لرجاحة عقلها ورزانتها التي كانت صفة أساسية بشخصيتها إلى جانب موهبتها الفذة

الكاتب

د. نوال الحوار شاعرة وأديبة واعلامية

الكاتب:د.نوال الحوار

  • للمشاركة